ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هل تكون منظمة اليونيسكو ساحة للصراع بين المغرب والجزائر ؟

التراث الثقافي اللامادي

في ظل الحديث عن رفع الجيش الجزائري ميزانيته العسكرية خلال سنة 2023، وسعيه لتنظيم مناورات عسكرية مع القوات الروسية على الحدود المغربية، ظهرت مؤخرا بوادر تجدد صراع من نوع آخر بين المغرب والجزائر، وهذه المرة حول التراث الثقافي اللامادي، ليتوسع الصراع بين البلدين ويشمل مختلف الميادين، وجدير بالذكر أن الصراع من أجل التراث الثقافي ليس بجديد على الصعيد الكوني، وقد سبقت ذلك صراعات أخرى بين عدة بلدان حول ملكية تراث ثقافي لامادي، أبرزها الصراع الدائر بين إسرائيل ولبنان حول أكلة حمص..

أعد الملف: سعد الحمري

    لقد بدأت ما يسمونها “حرب الحمص” عام 2009، عندما قام فادي عبود، وزير السياحة، بقيادة لبنان لكسر الرقم القياسي لأكبر طبق حمص بالعالم، ويُرجع عبود بداية هذا الصراع إلى زيارته لمعرض أطعمة بفرنسا، حيث لاحظ اعتبار العديدين أن “الحمّص” هو طبق تقليدي إسرائيلي، فما كان منه إلا أن عاد إلى لبنان عازما على عمل أكبر طبق حمّص في العالم، في طريقة لإيصال قضيته للرأي العام.

وفي الوقت نفسه، كان لبنان يحاول أن يسجل كلمة “حمّص” بالاتحاد الأوروبي ككلمة لبنانية عربية بالطريقة ذاتها التي سُجلت بها كلمة “شمبانيا” ككلمة فرنسية المنشأ، وكلمة “فيتا” المسجلة ككلمة يونانية، وقام اتحاد المصنعين اللبنانيين بتنظيم حملة رسمية طالب فيها بمنع أي دولة من تسمية أي منتج باسم “حمّص”، وكان اسم الحملة هو “ارفعوا أيديكم عن أطباقنا”، وقد رفض الاتحاد الأوروبي الطلب اللبناني، بداعي أن طبق “الحمّص” ينتمي إلى منطقة الشرق الأوسط بمجملها، وتتضمن هذه المنطقة دولة إسرائيل، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن الفلسطينيين يعتبرون الحمّص طبقهم الوطني، ويتهمون الإسرائيليين بـ”سرقته ونسبه إليهم”.

تتمة المقال بعد الإعلان

ونعود لحالة المغرب والجزائر.. فبعدما عادت الجزائر بقوة هذه السنة محاولة السطو على بعض أشكال التراث الثقافي اللامادي الذي يعود للمغرب، ومن ضمنه الزليج الفاسي.. فهل تكون منظمة اليونيسكو خلال سنة 2023 ساحة للصراع بين البلدين؟

استضافة الرباط لأشغال لجنة اليونسكو يجدد الصراع حول التراث الثقافي اللامادي

    تزامنت بداية كأس العالم لكرة القدم بقطر مع تحول المغرب إلى عاصمة للثقافة العالمية، فقد نظمت مدينة فاس انطلاقا من يوم 22 نونبر المنصرم أشغال المنتدى العالمي التاسع للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، الرامي إلى تعزيز الحوار والتعاون بين مختلف المجتمعات والثقافات والحضارات، وذلك بمشاركة ثلة من الشخصيات البارزة من بينها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، وبعد ذلك بأسبوع، أي يوم 28 نونبر، استضافت مدينة الرباط أشغال الدورة الـ 17 للجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لليونيسكو، برئاسة المغرب وبمشاركة وزراء وفاعلين من المجتمع المدني من 180 دولة، ومسؤولين بمنظمة اليونيسكو، وجاء اختيار المغرب لاستضافة هذه الدورة باعتبار ((المملكة المغربية لعبت دورا فاعلا في اعتماد اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003 حتى قبل المصادقة عليها، حيث شاركت بفعالية في صياغة الاتفاقية قبل اعتمادها))، علاوة على أن المغرب يضم اثني عشر عنصرا مدرجا في قوائم اتفاقية 2003.

وخلال التظاهرتين، وجه الملك محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين، وما يهمنا هو الرسالة التي وجهها إلى المشاركين في أشغال الدورة الـ 17 للجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لليونيسكو، والتي جاء فيها: ((تنعقد هذه الدورة بعد مرور تسعة عشر سنة على اتفاقية التراث العالمي غير المادي، التي تحقق بفضلها تقدم كبير في العديد من المجالات المرتبطة بالتراث الثقافي غير المادي، وباتت الدول الموقعة على الاتفاقية تتناول قضايا التراث الثقافي غير المادي من مفهوم واحد، أساسه المحافظة عليه وتطويره وتثمينه.. فمنذ دخول اتفاقية التراث العالمي غير المادي حيز التنفيذ، أصبح هذا الهدف يشكل تحديا هاما في مجال العلاقات الدولية، يستوجب التصدي لمحاولات الترامي غير المشروع على الموروث الثقافي والحضاري للدول الأخرى)).

تتمة المقال بعد الإعلان

وقد جعلت الفقرة الأخيرة من هذا المقتطف، الجارة الشرقية تهاجم المغرب والملك، ما قد ينذر ببداية نزاع قوي بين البلدين حول التراث الثقافي.. فبعد الرسالة الملكية مباشرة، هاجمت عدة منابر إعلامية جزائرية المغرب، حيث كتبت جريدة “الشروق” مقالا بعنوان: “ملك المغرب يريد تأميم قميص الزليج الذي يرتديه المنتخب الجزائري”، وجاء في هذا المقال أن ((العاهل المغربي أعاد إحياء جدل إعادة ما سمي بمعركة الزليج، بعد أن اشتكى لمنظمة اليونيسكو من قميص المنتخب الجزائري الذي أنجزته شركة أديداس، ورفضت طلب الرباط سحبه باعتباره إرثا جماعيا)).

ودائما، وفي إطار الحديث عن قضية شركة “أديداس”، ذكرت نفس الجريدة أن ((الشركة الألمانية التي اعتذرت للحرفيين المغاربة عن استعمال الزليج باعتباره تراثا مشتركا للمنطقة، لم تعلن أبدا أنه تراث مغربي، كما رفضت سحب قمصان المنتخب الجزائري من التداول، بحكم أن هذا التراث مشترك)).

وجاء ضمن نفس المقال أيضا أن ((دعوة الملك إلى ضرورة المحافظة على التراث الثقافي للأمم، لا سيما وأن عددا من الدول تقوم باستيلاء غير مشروع، وتقليد أعمى للتراث الثقافي لدول أخرى، تعتبر اتهاما مباشرا للجزائر بالاستيلاء على تراث بلاده)).

وختمت “الشروق” مقالها بالفقرة التالية: ((… لكن الوقائع أثبتت أن ما حدث هو العكس، فمنظمة اليونيسكو رسمت طابع أغنية “الراي” تراثا جزائريا، بعد محاولات من سلطات الرباط الاستيلاء عليه، كما تعتبر طبق الكسكسي تراثا مشتركا لسكان المغرب العربي، بعد أن قام النظام المغربي بمساعي للسطو عليه))، لذلك سنبين افتراء الجريدة الجزائرية وكيف حاولت الجزائر السطو على طبق الكسكس والزليج المغربي؟

بداية النزاع عندما حاولت الجزائر الاستيلاء على طبق الكسكس سنة 2016

    بدأ النزاع حول التراث الثقافي اللامادي خلال سنة 2016، عندما بدأت الجزائر بمساعي منفردة من أجل تضمين الكسكس في التراث الثقافي غير المادي لليونيسكو، حينها ((اعتبر هذا الإعلان فضيحة وإهانة للدول المجاورة التي تدعي كل منها أبوة هذا الطبق)) (المصدر: الجزيرة نت، بتاريخ 6 فبراير 2019).

وكتب الكاتب المغربي سعيد يقطين، أن الجزائر حاولت من خلال هذه المحاولة أن تبرز رغبتها في الاستئثار بما يوحد المغاربيين، مدعية أن طبق الكسكس في ملكيتها دون غيرها، فتقدمت بالملف إلى منظمة اليونيسكو سنة 2016، وبالتالي، كانت هناك حاجة لعقد اجتماعات متعددة لخبراء من الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، من أجل التوصل إلى حل توافقي دبلوماسي، مما سمح أخيرا بتقديم ملف مشترك قبل 31 مارس 2019، بعدما عادت الجزائر إلى رشدها لتصنيف الطعام الذي يوحد شعوب المنطقة، وبعد سنة واحدة، أعلنت اليونيسكو أن ((طبق الكسكس هو تراث لامادي مغاربي مشترك))، الأمر الذي جعل البعض يقول بأن الطبق نجح في توحيد دول شمال إفريقيا، وجعلها تقوم بخطوة نادرة من أجل الوحدة والاعتراف بما هو مشترك، والحال أن خطوة تقديم ملف مشترك رباعي جاء بعد محاولة من الجارة الشرقية للسطو على تراث ثقافي مشترك.

 

مسجد باريس الكبير

 

السطو على الزليج الفاسي جاء بعد محاولة نسب هندسة مسجد باريس الكبير للجزائر

    نشرت “شبكة الجزيرة” القطرية، الواسعة الانتشار، في شهر أبريل من هذه السنة، تقريرا تعريفيا بمسجد باريس الكبير، جاء فيه أن ((المسجد شيد على الطراز الأندلسي التلمساني))، وأضافت ضمن تقريرها مفارقة غريبة، حيث ذكرت أن ((تشييد المسجد تطلب مشاركة 450 حرفيا من المغرب))، ويفهم من هذا التقرير المثير للجدل، المثل المغربي القائل ”فهم تسطى”.

والغريب في الأمر، أن المغرب لا يخلو من متخصصين وباحثين في التاريخ والتراث الثقافي المادي واللامادي، غير أن أحدا من المتخصصين المغاربة لم ينتبه لهذا الأمر، ولم يدق ناقوس الخطر، وحده الإعلامي الجزائري البارز المعارض للنظام الجزائري، وليد كبير، هو الذي تصدى لهذه المحاولة الواضحة للسطو على التراث المغربي، حيث قال وقتها عبر قناته على “اليوتيوب”، بأن ((ما نشرته “شبكة الجزيرة” له خلفيات سياسية تقف وراءها جهات جزائرية))، وبين بالدليل والبرهان أن المعمار الموجود في مسجد باريس الأعظم، هو تراث مغربي خالص.

وقد ساهمت هذه الحملة التي قادها وليد كبير في تغيير موقف قناة “الجزيرة”، الأمر الذي جعلها تقوم بحذف هذا التقرير وتعيد نشره منقحا بتاريخ 26 أبريل من هذه السنة، بعنوان: ”مسجد باريس الكبير.. جوهرة من الفن الأندلسي المغربي في فرنسا عمرها 100 عام”، حيث كتبت ما يلي: ((… أما زخرفة المبنى، فقد تم تصميمها وتنفيذها على يد حرفيين مغاربة استوحوا كل تفصيل فيها من مسجد القرويين الواقع في فاس بالمغرب، خاصة الزليج والفسيفساء اللذين يغطيان جدران المسجد، فضلا عن القبة الكبيرة المنحوتة يدويا، والثريا الفخمة والسجاد الأحمر والأحرف الكوفية المستنسخة من القرآن الكريم)).

وهذا الجدال حفز بعض الكتاب المغاربة لإطلاق صرخة من أجل مسجد باريس الأعظم، الذي أصبحت تتحكم فيه الجزائر وتعين عميدا له منذ خمسة عقود، حتى صار الاعتقاد السائد بأن هذا المسجد هو إنتاج جزائري خالص، مع العلم أن مسجد باريس الكبير بناه السلطان مولاي يوسف، وهو الذي قام بتدشينه شخصيا سنة 1926.

فقد كتب الكاتب الصحافي عبد النبي الشراط، مقالا يوم 6 أكتوبر 2022 بعنوان: “مسجد باريس الكبير.. بناء مغربي يتعرض للاستحواذ الجزائري بدعم فرنسي”، وجاء في المقال ما يلي: ((إن المغاربة يجيدون قراءة التاريخ ولا يهملونه أبدا، فنحن إذا توقفنا عن التذكير بالتاريخ، فإننا نفعل ذلك عمدا، في محاولة منا لإرضاء أشقائنا لا غير، ومسجد باريس هذا لا تقل أهمية المطالبة به عن أهمية المطالبة باسترجاع الصحراء الشرقية التي تحتلها الجزائر، كما تحتل إسبانيا الكثير من الأراضي المغربية على رأسها سبتة ومليلية حتى لا يقول قائل لماذا نطالب باسترجاع الصحراء الشرقية ومسجد باريس ولا نطالب باسترجاع الأراضي التي ما زالت تحتلها إسبانيا، كما تحتل الجزائر الكثير من أراضينا، ليس الصحراء الشرقية فحسب، وإنما هناك مدنا ومناطق أخرى تحتلها الجزائر وهي تعود إلى السيادة المغربية)) (المصدر: هسبريس، بتاريخ 6 أكتوبر 2022)).

 

الزليج المغربي على قمصان المنتخب الجزائري

 

هكذا تطورت محاولات السطو على الزليج الفاسي

    كان ما يهم الجزائر من الاستحواذ على مسجد باريس الكبير، هو محاولة السطو على معماره عندما اعتبر بداية أن شكله الداخلي وزليجه مستوحى من التراث التلمساني، ورغم تراجع “شبكة الجزيرة” عن ذلك، إلا أن محاولة السطو استمرت حتى ظهرت واضحة للعيان.

ففي نهاية شهر شتنبر الماضي، أعلنت شركة “أديداس” للألبسة الرياضية، عبر موقعها على “تويتر”، عن طقم المنتخب الجزائري الذي قامت بتصميمه، وكانت المفاجأة أن بدلة التدريب الخاصة بالفريق الوطني الجزائري مستوحاة من الزليج المغربي، الأمر الذي أغضب الرباط، وجعلها تطالب “أديداس” بسحب تلك القمصان، لأن تصميمها مستوحى من نقوش الزليج المغربي، ما عدّه “سرقة ثقافية”، ودعا المحامي مراد العجوطي، الشركة الألمانية إلى سحب أقمصة منتخب الجزائر لكرة القدم في أجل 15 يوما، أو توضيح أن الرسوم المستعملة في تصميمها تعود لفن الزليج المغربي، وفق نص “الإنذار القضائي” الذي وجهه إلى مديرها العام كاسبر رورستيد.

وبعد أيام، أعلنت “أديداس”، الشركة العملاقة للألبسة الرياضية، أنها توصلت إلى اتفاق مع المغرب، وقالت في بيان لها: ((بعد مناقشات بناءة بين أديداس ووزارة الثقافة المغربية، يمكننا أن نؤكد حلا إيجابيا لمسألة قميص المنتخب الجزائري الأخير.. القميص مستوحى فعلا من نمط فسيفساء الزليج للفن الزخرفي المغربي التقليدي، لكن نؤكد أنه لم يكن هناك أي قصد لإهانة أي جهة))، وتابعت موضحة: ((نود أن نعرب عن احترامنا العميق للشعب والحرفيين في المغرب، ونأسف للجدل الدائر حيال هذه القضية))، وبعد ذلك، ظهرت مؤشرات على مشاكل جديدة لـ”أديداس”، إذ أفادت وسائل إعلام محلية في الجزائر، أن اتحاد كرة القدم في البلاد غير راض عن الشركة الألمانية ويدرس إنهاء التعاقد معها، لكن متحدثا باسم “أديداس” قال إنه لن يعلق على تكهنات صحفية.

وعلى عكس ذلك، لم تظهر مشاكل مع “أديداس”، بل حاولت وسائل الإعلام الجزائرية الركوب على نص بلاغ الشركة لتؤكد أن الزليج هو إرث تاريخي مشترك، حيث كتبت جريدة “الشروق” في هذا الصدد: ((زعم الوزير المغربي أن الشركة اعترفت بملكية المغرب لهذا التراث رغم أن أديداس كانت واضحة في بيانها بأنه تراث مشترك، وأنها لن تسحب قمصان المنتخب الجزائري من التداول.. وأوضحت الشركة أنها: تعترض على أي عمل يمس بالسلامة الثقافية وتاريخ الناس ودول العالم، في إشارة واضحة إلى عدم اعترافها باعتبار الزليج موروثا ثقافيا حصريا للمملكة المغربية)).

ويمهد كل هذا إلى أن أشقاءنا ”ما مفاكينش” من أجل جعل الزليج الفاسي على الأقل تراثا مشتركا بيننا وبينهم، ولا شك أن هناك تطورات ستقع السنة القادمة والسنوات القادمة، ومن يدري.. قد تتحول منظمة اليونيسكو لساحة صراع جديدة، خاصة بعد دعوة الملك محمد السادس إلى صيانة التراث اللامادي لإفريقيا وحمايته من السطو عليه من طرف بعض الدول، كما نضيف عنصرا آخر، وهو انتخاب المغرب لعضوية اليونيسكو، ما من شأنه أن يقوي موقعه داخل هذه المنظمة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى