ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | أحزاب المعارضة تكرر نفسها في مواجهة الحكومة

نفس الوجوه نفس النتيجة

عادة ما نهتم بأداء الحكومة ونضع تقييما لها والذي في الغالب ما يكون سلبيا، في حين أننا عادة ما نغفل أحزاب وقوى المعارضة، وبعد مرور سنة ونيف عن بداية عمل الحكومة، وممارسة المعارضة لمهامها، يطرح التساؤل: ماذا حققت هذه الأخيرة؟ خاصة وأن هذه السنة كانت موعدا لتجديد هياكل هذه الأحزاب على مستوى الأمانة العامة، فإلى ماذا آلت الأمور؟ وهل أفرزت نخبا جديدة قادرة على إعطاء معنى جديد لممارسة المعارضة، أم أنها ستكرس نفس الضعف ؟

أعد الملف: سعد الحمري

حصيلة هزيلة للمعارضة بعد سنة من عمر الحكومة

    أنجزت دراسة دولية سنة 2021، شملت 28 دولة، حول مسألة الثقة الشخصية في الانتخابات والمسؤولين الحكوميين، وخلصت إلى التأكيد أن ثقة المواطنين في الانتخابات والمسؤولين الحكوميين آخذة في الانحسار في العديد من البلدان، وأن المسؤولين الحكوميين والسياسيين هم أقل فئتين موثوقتين من طرف المواطنين في العالم.

تتمة المقال بعد الإعلان

لم تركز هذه الدراسة على مدى الثقة التي تتمتع بها أحزاب المعارضة لدى الناخبين، والملاحظ أن قوى المعارضة أصبحت تأخذ مواقع جديدة، خصوصا في ظل التغييرات التي أفرزها الربيع العربي، ففي تونس توجد المعارضة في قلب الواجهة، وفي مصر بدأ صوت المعارضة يسمع، رغم ضيق الحريات.

ويبقى المغرب استثناء في كل شيء، فحتى المعارضة أعطى لها دستور 2011 حقوقا ومكتسبات مهمة، حيث يضمن الفصل العاشر منه للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوقا من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية، ويضمن لها، بصفة خاصة، مجموعة من الحقوق، من بينها حرية الرأي والتعبير والاجتماع، وحيز زمني في وسائل الإعلام العمومية يتناسب مع تمثيليتها، والمشاركة الفعلية في مسطرة التشريع والمشاركة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي، لا سيما عن طريق ملتمس الرقابة، ومساءلة الحكومة، والأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة، واللجان النيابية لتقصي الحقائق، والرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية، والتوفر على وسائل ملائمة للنهوض بمهامها المؤسسية، والمساهمة في تأطير وتمثيل المواطنات والمواطنين من خلال الأحزاب المكونة لها.

والحال أن المعارضة لعبت دورا مهما داخل البرلمان خلال الحكومتين السابقتين، فماذا عن المعارضة الآن التي تتشكل من أربعة أحزاب وهي: التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والعدالة والتنمية؟

خالد الشرقاوي السموني

فقد كتب خالد الشرقاوي السموني، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، مقالا بعنوان: “المعارضة البرلمانية بالمغرب”، في شهر مارس الماضي، جاء فيه ما يلي: ((ركزت المعارضة البرلمانية، خلال الدورة الأولى من الولاية التشريعية الحالية، على شن هجومها على الحكومة دون طرح الإشكالات الكبرى المتعلقة بمدى التزام هذه الأخيرة بتطبيق برنامجها من حيث المؤشرات والأرقام، حيث إن الدور الفعلي للمعارضة البرلمانية قد يكون شبه غائب بالنظر إلى الملفات الكبرى التي تستأثر باهتمام الرأي العام على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، في مقابل مستوى من النقاش لا يرقى إلى المستوى المطلوب عبر التراشق في الكلام بين المعارضة والأغلبية والاتهامات المتبادلة وتصفية الحسابات السياسية، في الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام الوطني من المعارضة البرلمانية الرفع من أدائها لتقويم الأداء الحكومي واقتراح الحلول والبدائل للحكومة في مواجهة الأزمة التي تمر منها بلادنا، وتقديم أفكار واقتراحات ذات مصداقية تختلف عن تلك التي تعرضها الحكومة، وتفعيل الدور التشريعي، وهذا من شأنه أن يرسخ مبدأ المسؤولية لدى أعضاء البرلمان والأحزاب السياسية التي ينتمون إليها، ويرسخ مبدأ الحوكمة البرلمانية التي تقودها نخبة مؤهلة تمتلك خبرة في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية)).

تتمة المقال بعد الإعلان

لم يتغير الحال منذ كتابة الباحث لهذا المقال.. فقد استمرت مختلف الأحزاب المشكلة للمعارضة في نهج نفس السلوك من خلال الهجوم على الحكومة، وتحميلها مسؤولية ارتفاع أسعار كل المواد الأساسية دون تقديم مقترحات، وممارسة معارضة حقيقية وفاعلة داخل البرلمان، وعلى نقيض ذلك، دخلت أحزاب المعارضة مجتمعة خلال هذه السنة في عملية هيكلية شملت تجديد هياكلها، وخصوصا زعماءها، غير أن مؤتمراتها الوطنية أفضت مجتمعة إلى إعادة إفراز نفس النخب على رأس هذه الأحزاب، التي كانت تنتظر التغيير فإذا بها تصبح أمام نفس الزعامات.

عودة بن كيران زعيم حزب العدالة والتنمية الذي فشل في أول امتحان

    كان حزب العدالة والتنمية أول حزب من أحزاب المعارضة ينظم مؤتمره الاستثنائي من أجل انتخاب أمين عام جديد، بعد خسارة الحزب المزلزلة في انتخابات شتنبر 2021.. فقد تنافس على منصب الأمانة العامة كل من عبد الإله بن كيران الأمين العام السابق للحزب، وعبد العزيز العماري وعبد الله بوانو، وكما كان متوقعا، حصل بن كيران على 1012 صوتا من مجموع 1252 صوتا، في حين حصل عبد العزيز العماري على 221 صوتا، وعبد الله بوانو على 15 صوتا، وتم إلغاء 4 أصوات، وبرز اسم بن كيران مرشحا لقيادة العدالة والتنمية مجددا لكون الحزب تصدر الانتخابات عامي 2011 و2016 حين كان يترأسه، وعاد الرجل إلى المشهد السياسي بعد 5 أعوام من إعفائه من رئاسة الحكومة لمرة ثانية، بعد أزمة سياسية استمرت عدة أشهر.

لقد بدأ الرجل العمل على إعادة الحزب إلى مكانته، وبعد قرابة عام من عودته إلى منصب الأمانة العامة كان بن كيران على موعد مع أول امتحان حقيقي، ويتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية الجزئية التي جرت في دائرتي مكناس والحسيمة في 21 يوليوز الماضي، وقد نظر إلى هذه الفرصة على أنها تحرك من القيادة الجديدة لاستعادة مكانة الحزب بعد النكسة الانتخابية التي لم يكن يتوقع أكثر المتشائمين حصولها في الثامن من شتنبر 2021.

وقاد بن كيران حملة في الأسابيع الأخيرة للانتخابات الجزئية، حيث عكف على توجيه انتقادات كبيرة للحكومة، داعيا أنصاره إلى التصويت بكثافة لصالح منتخبي حزبه، لإثبات أن حزب الأحرار فقد شعبيته بعد 9 أشهر فقط من التدبير الحكومي، غير أن هذه الانتخابات كرست هزيمة الحزب الإسلامي مجددا وزكت النتائج التي حققها في الانتخابات التشريعية.

وبتحقيق هذا النصر الانتخابي، يكون التجمع الوطني للأحرار قد أفلح في اختبار مدى شعبيته والإفلات من عقاب انتخابي، في حين تمكن حزب الأصالة والمعاصرة (المشارك في الأغلبية الحكومية) من استعادة مقعده بدائرة الحسيمة بعد إلغاء المحكمة الدستورية لنتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021، وتكرر الأمر ذاته مع حزب الاستقلال (عضو الائتلاف الحكومي)، بعد نجاحه في استعادة مقعدين بالحسيمة ومديونة، في إشارة أخرى إلى استمرار التفوق الانتخابي لأحزاب الأغلبية الثلاثة وسيطرتها على المشهد الحزبي منذ تشريعيات 8 شتنبر.

وبعد إعلان نتائج الانتخابات بخسارة العدالة والتنمية، أطر بن كيران حفلا على شرف المشاركين في الانتخابات الجزئية بمدينة مكناس، وأطلق النار على رجال السلطة (موظفي وزارة الداخلية)، واتهمهم بالتغاضي عما رآها خروقات شابت العملية الانتخابية، مؤكدا أنهم في الحزب لن يسكتوا، ولم ولن يقبلوا ما حدث.

ولم يتأخر رد وزارة الداخلية، حيث أصدرت في 25 يوليوز، بيانا نفت فيه ((الادعاءات المغرضة وغير المقبولة التي روجت لها قيادة أحد الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات الجزئية الأخيرة، في محاولة للضرب في مصداقية هذه العملية الانتخابية، من خلال الترويج بكون التصويت بتوجيه من بعض رجال السلطة))، فحاول بعد ذلك زعيم الإسلاميين العودة إلى الواجهة، وذلك من خلال محاولة الركوب على ملف المحروقات الذي يعني رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بالدرجة الأولى، إلا أن بن كيران أدلى بتصريحات مثيرة في افتتاح أشغال اجتماع الأمانة العامة لحزب “المصباح”، يوم 26 نونبر المنصرم، حيث لم يُخفِ عن أعضاء حزبه أن ((أمر الاستمرار في المهام والمسؤوليات التي شاءت أقدار الله أن نتحملها، كان دوما يؤرقني، لا سيما بعد حضور مؤتمرات هيئات أخرى وسماعهم يتحدثون عنا))، يقول بن كيران، مؤكدا أن شعورا ينتابه في بعض الأحيان بأن ((الدوافع إلى الاستمرار والصمود تضعف وتقِل وتحدثنا أنفسنا أن نتخلّى)).

كما أقر الأمين العام لـ”البيجيدي” بصعوبة الوضع حيث قال: ((كيف سنتمكن من الصمود والاستمرار، خصوصا وأننا نعي يوما بعد يوم أن الأمور أصعب مما كنا نتصور أو نتخيل؟ علينا أن ننتبه إخواني إلى أن المتدخلين كثُر وصْعابْ ويملكون ما لا نملك وما لا نطيق)).. فهل معنى هذا أن الرجل أقر بأن إمكانية عودة الحزب لمكانته السابقة أصبحت معقدة ؟

حصيلة حزب الاتحاد الاشتراكي في المعارضة: إعادة انتخاب إدريس لشكر لولاية ثالثة

    لم يهيئ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه من أجل أن يكون في المعارضة، بل وفي مشهد غريب، هاجم الأحزاب المشكلة للحكومة، نظرا لعدم دخوله في التحالف الحكومي، وبعدما وجد نفسه في المعارضة، عقد العزم على إعادة ضخ دماء جديدة في الحزب، بتجديد هياكله وزعامته.

وظل زعيم الحزب إدريس لشكر، يصرح بأنه غير معني بالترشح من جديد لقيادة الاتحاد الاشتراكي، خاصة وأن قوانين الحزب لا تسمح بأكثر من ولايتين، واعتقد معظم الملاحظين أن الرجل عازم على فسح المجال لقيادة جديدة، غير أنه عاد وأعلن في برنامج إذاعي، أن ((المؤتمر سيد نفسه)).

وهكذا عقد الحزب مؤتمره الوطني أواخر شهر يناير الماضي، وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر تمت المصادقة على مشروع المقرر التنظيمي المتعلق بتعديل بعض مقتضيات النظام الأساسي بشأن كيفيات انعقاد المؤتمر وانتخاب الكاتب الأول للحزب، وأعضاء المجلس الوطني، والكتابات الجهوية والمكتب السياسي، ولا سيما البنود التي تسمح بالترشح لولاية ثالثة في مختلف هياكل الحزب.

وبعد المصادقة على المقرر التنظيمي، سارت الطريق سالكة أمام لشكر للظفر بولاية ثالثة بعد أن تم استبعاد أبرز منافسيه وحصر المنافسة على منصب الكاتب الأول للحزب بين الكاتب الأول المنتهية ولايته، وعضو الحزب المقيم في إسبانيا، طارق سلام، ليحسم إدريس لشكر الولاية الثالثة للحزب لمصلحته، ليصبح بذلك أول كاتب عام لحزب الاتحاد الاشتراكي في ثلاث ولايات متتالية، بعد المصادقة على تغيير النظام الداخلي للحزب.

لا شك أن قراءة تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي، وخصوصا مؤتمراته الوطنية السابقة، تمكن من إعطاء فكرة عن نتيجة الخلافات الداخلية التي كانت تنتهي بظهور تيارات تدعي الإصلاح ثم تقوم بانشقاقات وتعلن عن ميلاد أحزاب جديدة، غير أنه في هذه المرة، لم يظهر أي تيار ولا هم يحزنون، بل إن الرجل رشح ابنته، خولة لشكر، لمنصب نائب رئيس الأممية الاشتراكية، والتي حصلت على هذا المنصب بالفعل مؤخرا.

ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حزب بقيمة الاتحاد الاشتراكي يحتفظ بنفس الشخص على رأسه لثلاث ولايات متتالية، هل يتعلق الأمر باستبداد لشكر بالحزب، أم أن الاتحاد الاشتراكي أصبح غير قادر على إنتاج نخب جديدة في إمكانها بعث روح ونفس مغاير في الحزب ؟

عدم وجود البديل يبقي محمد نبيل بنعبد الله على رأس التقدم والاشتراكية

    إذا كان الأمر غير واضح بالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي حول ما إذا كان الأمر يتعلق بوجود بديل آخر غير إدريس لشكر من عدمه، فإن الحال في حزب التقدم والاشتراكية كان واضحا منذ أن بدأ الإعداد للمؤتمر الوطني الحادي عشر للحزب من أجل تجديد هياكله.. فقد بدأ معظم أعضاء اللجنة المركزية يصرحون بوضوح حول رغبتهم في استمرار محمد نبيل بنعبد الله أمينا عاما للحزب لولاية رابعة، وهو المنصب الذي يشغله منذ سنة 2010.

ففي شهر شتنبر الماضي، عندما عقدت اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية اجتماعا خصص للمصادقة على أوراق المؤتمر، لم يخلُ اجتماع هذه اللجنة من مناقشة استمرار محمد نبيل بنعبد الله أمينا عاما للحزب لولاية رابعة، وظهر أن أغلب مداخلات أعضاء اللجنة المركزية أيدت تجديد الثقة في بنعبد الله، لعدم وجود بديل يحظى بالإجماع من قبل جميع مكونات “الكتاب”.

وهكذا، فإن زعيم الحزب لم يرشح نفسه خلال المؤتمر، في حين تقدم 1125 مؤتمرا ومؤتمرة ينتمون للجهات الـ 12 للمملكة، بطلب من أجل ترشيح بنعبد الله أمينا عاما للحزب، مما جعله مرشحا بناء على قوانين الحزب، وبذلك تقدم وحيدا بدون منافس لانتخابات الأمين العام.

وفي أول كلمة له بعد انتخابه للمرة الرابعة على التوالي على رأس “الكتاب”، قال بنعبد الله: ((رغم إصراري على عدم الاستمرار في المسؤولية، واقتناعي الراسخ بأنه آن الأوان لتجديد دماء الأمانة العامة وجزئيا المكتب السياسي واللجنة المركزية، إلا أن الظروف لم تكن مناسبة ليتم ذلك على الأقل بالنسبة للأمانة العامة))، وتابع قائلا: ((ها أنتم قررتم بمبادرتكم أن أواصل المسؤولية، سأعمل على ذلك، وسأكون قدر الإمكان في الموعد إلى جانب اللجنة المركزية المنتخبة والمكتب السياسي بعد انتخابه في الأسابيع المقبلة، لكن أريد أن يكون هناك التزام جماعي بأن يكون المؤتمر المقبل فرصة للعمل على التجديد على كل المستويات، بما في ذلك الأمانة العامة للحزب)).

ويبقى حزبا الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري هما اللذان غيرا زعامتهما، لكن هل هذا التغيير كاف لجعل الحزبين قادرين على قيادة تغيير حقيقي، خصوصا وأنه لم يسبق لهما أن كانا في المعارضة منذ مدة طويلة حتى خرج من قاموسهما شيء اسمه المعارضة.

وهل ستكون سنة 2023 بداية العمل بالنسبة لأحزاب المعارضة، أم أن الأمر سيظل على حاله، وتكون المرة الأولى في تاريخ المغرب التي تكون فيها المعارضة في المغرب بدون مخالب(..) ؟

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى