تحليل إخباري

تحليل إخباري | تعطيل الدولة بالتزامن مع المونديال

عندما يصبح السياسيون في خدمة الجمهور

من قال إن الجمهور لا يحكم؟ فقد استطاع جمهور كرة القدم أن يفرض أجندته على الدول المشاركة في مونديال قطر، ففي السعودية على سبيل المثال، تم منح يوم عطلة لجميع الموظفين في كافة قطاعات الدولة والقطاع الخاص والطلبة في جميع المراحل التعليمية بأوامر من الملك سلمان بن عبد العزيز، بعد أن فاز المنتخب السعودي على الأرجنتين، وفي قطر، تم تقليص عدد الموظفين إلى 20 في المائة، ما عدا في القطاعات الحساسة، بل إن التغييرات شملت أيضا توقيت العمل بالتزامن مع أيام المونديال، حيث لا يتجاوز توقيت الدوام الساعة الحادية عشر صباحا(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    في المغرب، منحت تسهيلات كبيرة لعمال القطاع الخاص والقطاع العام، لمنح الفرصة للجميع من أجل مشاهدة المونديال عبر التلفزيون، كما أنها المرة الأولى التي يتم فيها توزيع “غنيمة” ضخمة على عدد كبير من المحظوظين من أجل الانتقال إلى قطر، على حساب المال العام، بل إن الحكومة استغلت فترة المونديال لتضيف إلى رصيدها تمديدا آخر لفترة “الطوارئ الصحية” رغم عدم وجود طوارئ، ما يطرح عدة تساؤلات حول استمرار إجراءات استثنائية في الصفقات والتصرفات الحكومية، في غياب الجائحة، وغياب الاستعجال، ولكن البرلمان غاب شأنه شأن الجمهور عن هذا النقاش(..).

كيف يعقل أن تصادق حكومة عزيز أخنوش – دون نقاش – على إحداث نظام للمعاشات، الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا فيما يتعلق بالأشخاص الذاتيين الذين يمسكون محاسبة(..)، دون نقاش مسبق، بل إن الأمر شمل أيضا إجراءات تتعلق بالتأمين الإجباري عن المرض لبعض الفئات، منهم الرياضيون والأطر الرياضية غير الأجراء الذين يمارسون نشاطا في رياضة كرة القدم تحت إشراف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وكذلك الصحفيون ومهنيون آخرون.. ولكن نقاشات من هذا النوع غابت عن التداول العمومي بسبب الانشغال بالمونديال، وعلى سبيل النكت السائدة بروح المونديال، طالب بعض المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي، برحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، على غرار رحيل المدرب السابق خاليلوزيتش، الذي تسبب رحيله في تحسن أداء المنتخب، وبالتالي، فإن وجود رئيس حكومة آخر يمكن أن يساهم في تحسن أداء الحكومة، التي باتت منشغلة فقط بالضرائب والزيادات وكأنها شركة(..).

تتمة المقال بعد الإعلان

ولا يقتصر الأمر على الحكومة فقط، بل إن مصادر من داخل مجلس النواب قالت إنه ((يسود جمود على مستوى جميع اللجن داخل مجلس النواب تزامنا مع مشاركة المنتخب الوطني في مونديال قطر، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة حول أسباب توقف الأنشطة النيابية الموازية والوزارية داخل المجلس)).

وحسب مصدر مطلع، فإن اجتماعات اللجن توقفت منذ أسبوعين تقريبا، لمناقشة ودراسة العديد من القضايا المصيرية، وخاصة المرتبطة بالعديد من القطاعات الحيوية أو المتعلقة بشؤون المواطنين، كما يلاحظ غياب أي نقاش برلماني بين الحكومة والفرق البرلمانية حول الاحتجاجات التي تعرفها العديد من المهن الحرة بشأن المقتضيات الضريبية الجديدة في قانون المالية.

و((يبدو أن الحكومة والأغلبية مهتمة أكثر بمشاركة المنتخب الوطني في مونديال قطر، ونسيت أن الشعب المغربي ينتظر منها إجراءات وحلول مستعجلة لحل أزمة الأسعار الصاروخية التي تعرفها جل المواد الغذائية وغيرها، وتفضل تعليق نشاط البرلمان مثل تعليق الجامعة لنشاط البطولة الاحترافية لكرة القدم))، حسب المصدر الذي قال أيضا أن ((غياب البرلمانيين وتوقف نشاط اللجن، يأتي بعدما وقعت الحكومة ممثلة في وزارة التربية الوطنية والرياضة، اتفاقية مع شركة الخطوط الملكية المغربية للطيران، لتنظيم رحلات جوية بأسعار تفضيلية لحضور الجمهور المغربي لمباريات المنتخب الوطني في المونديال، مع توفير الوزارة لشركة الخطوط الملكية المغربية للطيران الدعم لتحديد سعر التذكرة ذهابا وإيابا في 5000 درهم)).. فهل كان التلاميذ هم المستفيدون الوحيدون ؟

تتمة المقال بعد الإعلان

إن وجود الجمهور المغربي في قطر، والطريقة التي ظهر بها، رغم أن المشاركة المغربية بدأت بشكل مشرف، ولا يوجد أي مغربي يرفض تشجيع المنتخب المغربي(..)، إلا أن تلك الحشود الهائلة تطرح عدة علامات استفهام عن تكلفة تشجيع المنتخب المغربي في المونديال، وهو السؤال المطروح على الحكومة، وعلى السيد فوزي لقجع، وباقي مؤسسات الدولة التي استغلت مونديال قطر لإهدار المال العام(..)؟

ولمن لا يصدق وجود تعطيل للعمل الحكومي والتشريعي بالتزامن مع المونديال، يكفيه الاستماع إلى مصدر برلماني قال إن ((شكيب بنموسى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، قدم الميزانية الفرعية لقطاع التعليم برسم سنة 2023 أمام كراسي فارغة خلال حضوره يوم الأربعاء الماضي لاجتماع لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين)).

وحسب نفس المصدر، فقد عرف الاجتماع غيابا كبيرا للمستشارين البرلمانيين، حيث لم يتجاوز عددهم خمسة فقط رفقة رئيس اللجنة، بينما شهد الاجتماع حضورا مكثفا من قبل أطر الوزارة الذين تجاوز عددهم عدد المستشارين، الشيء الذي يبرز غياب المسؤولية وتجاهل البرلمانيين لقطاع التعليم الذي يعتبر أهم القطاعات في البلاد، بتعبير المصدر.

فخلال تقديمه للميزانية الفرعية، كشف الوزير بنموسى عن خارطة الطريق التي وضعتها وزارته في أفق 2026، والتي تهدف إلى تحسين جودة المدرسة العمومية، مشيرا إلى أن هذه الخريطة تم طرحها للنقاش مع جميع الفاعلين التربويين والمتدخلين والشركاء.. فأين هم نواب الأمة الذين كان من المفروض فيهم مناقشة الوزير؟ هل يعقل أن تعطل كرة القدم السياسة إلى هذا الحد؟

في المغرب، ورغم أن القضية الوطنية تمر بظرف حساس يفترض التحرك على مستوى استراتيجي كبير، فإنه لم يسمع أي صوت للدبلوماسية المغربية فيما يتعلق بالقمم الكبرى التي يجري تحضيرها بالتزامن مع مونديال قطر، من طرف بلد قوي غير مشارك في كأس العالم، ولكن مشارك في تنمية العالم، ويحسب له ألف حساب.

في هذا الإطار، وفي خضم الصراع بين محور الصين وروسيا ومحور أمريكا، وبينما قامت الدنيا ولم تقعد حول القمة العربية التافهة التي انعقدت بالجزائر، لم تشر القنوات الدبلوماسية أو الشعبية إلى قمة عربية حقيقية يجري ترتيبها في السعودية، بقيادة الصين والرئيس شي جين بينغ.

في هذا الصدد، قالت الصحافة: ((إن ثلاثة دبلوماسيين عرب في المنطقة مطلعون على الخطط، قالوا إن السعودية تنوي استضافة قمة صينية عربية في التاسع من دجنبر يحضرها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته إلى المملكة.. وقال دبلوماسيان ومصدر رابع على اطلاع مباشر بالزيارة: إنه من المقرر أن يصل الرئيس بينغ إلى الرياض في السابع من دجنبر، في رحلة تأتي في وقت حساس للعلاقات السعودية الأمريكية التي توترت بسبب خلاف حول إمدادات الطاقة ومخاوف من تزايد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، وقال الدبلوماسيون إن الدعوات أُرسلت إلى زعماء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لحضور التجمع الصيني العربي، وأضافوا من دون الخوض في التفاصيل: من المتوقع أن يوقع الوفد الصيني على العشرات من الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع دول الخليج ودول عربية أخرى في مجالات تشمل الطاقة والأمن والاستثمارات)) (المصدر: عدة وكالات).

أين هو المغرب من هذه الترتيبات الجيوستراتيجية، أم أن التركيز منصب فقط على مشاركة المغرب في نهائيات كأس العالم؟ ماذا سيفعل الشعب المغربي بعد نهاية المونديال؟ ألن يعود النقاش حول ارتفاع الأسعار، وحرب أوكرانيا، وضعف صبيب المحروقات؟

إن أهمية قمم من هذا النوع تعكسها تصريحات المسؤولين مثل وزير الدولة السعودي الذي قال: ((إن توطيد العلاقات التجارية والأمن الإقليمي سيكونان ضمن أولويات الزيارة (زيارة الرئيس الصيني)، التي من المتوقع أن تتضمن قمة صينية خليجية، بالإضافة إلى تجمع عربي أوسع نطاقا))، فأين هو المغرب من كل هذا؟

ويقول أصحاب التحليل المشار إليه، في تعليقهم على زيارة الرئيس الصيني للسعودية، بالتزامن مع التمرد العام لدول الخليج على أمريكا، وتصالحها أخيرا: ((تأتي رحلة شي جين بينغ في غمار علاقات واشنطن المتوترة مع بكين والرياض، بسبب خلافات حول حقوق الإنسان وغزو روسيا لأوكرانيا، وفي الوقت الذي تواجه فيه الدول الغربية منافسة اقتصادية من قبل الصين، التي تستخدم – حسب قولهم – قوتها الاقتصادية كأداة للنفوذ الدبلوماسي.. ووطدت دول الخليج العربي في السنوات القليلة الماضية روابطها مع الصين وروسيا في وقت تنامت فيه الشكوك الإقليمية حول التزامات الولايات المتحدة الأمريكية، الشريك الأمني الرئيسي، تجاه المنطقة، وتقاوم السعودية والإمارات الضغوط الأمريكية لـ”الانحياز إلى أحد الجانبين” فيما يتعلق بعلاقاتهما مع الصين، وهي شريك تجاري رئيسي، وروسيا، الدولة العضو في تحالف “أوبك+” لمنتجي النفط.

وأثار قرار مجموعة “أوبك+” في شهر أكتوبر، خفض إنتاج النفط رغم اعتراض الولايات المتحدة، وغضب إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، مما زاد من توتر العلاقات طويلة الأمد مع السعودية، وقد سعى بايدن إلى إصلاح العلاقات خلال زيارة شائكة للمملكة في شهر يوليوز)).

المهم، أن العالم يحاول ترتيب أوراق كثيرة بالتزامن مع المونديال، ومن طرف دول لا تعطي قيمة للمشاركة بقدر ما تعطي قيمة للصراع الحضاري، ومنحنيات التنمية والاقتصاد، ولكن بعض الدول تختار الاستثمار في الجمهور، في إطار “لعبة الإلهاء” بدل تقديم الإجابات الحقيقية.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى