تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل يهدد البنك الدولي السيادة المغربية من باب حكومة أخنوش ؟

ارتفاع قياسي للقروض وإملاءات غير اجتماعية

لا يمكن لجل المغاربة تخيل البنك الدولي كمؤسسة مالية بريئة، كما لا يمكن تصور تدخلاته في الاقتصاد الوطني والدولي بـ”العملية الخيرية”، لا سيما وأن تجربة العمل بين الحكومة المغربية والبنك الدولي ارتبطت بأكبر وأخطر احتجاجات عرفها المغرب سنة 1984، وقتها ألقى الملك الراحل الحسن الثاني أخطر خطاب في تاريخه، وهو الذي تساءل فيه عن “الدراري” و”الأوباش”(..)، وليس هذا فحسب، بل إن خضوع المغرب لعملية “التقويم الهيكلي” كانت له نتائج خطيرة على النظام المغربي، وتستمد أحداث الأمس قيمتها من كونها فرصة لأخذ العبرة(..).

إعداد: سعيد الريحاني

    ((تميز الوضع العام بالمغرب في بداية سنوات الثمانينات من القرن الماضي، بارتفاع نسبة البطالة، وعجز الدولة عن توفير فرض للشغل، نتيجة تراجع أسعار الفوسفاط في الأسواق العالمية، ولسد العجز، اتجهت الحكومة المغربية آنذاك إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية.. الأوضاع الاقتصادية الصعبة دفعت المغرب آنذاك إلى تطبيق سياسة التقويم الهيكلي المملاة عليه من طرف صندوق النقد الدولي، والتي كان من تداعياتها ارتفاع كلفة المعيشة وتطبيق رسوم إضافية على التعليم.. وقد تزامن هذا الوضع مع حالة احتقان سياسي تميزت بالتضييق على الحريات السياسية والنقابية والطلابية، وكثُرت الاعتقالات التعسفية في صفوف المعارضين، وهو ما ساهم إلى حد كبير في تفجر الأوضاع في العديد من المدن..)) (المصدر: موقع “يا بلادي”/ 19 يناير 2018).

و((في يوم 19 يناير، نفذ صبر السلطات، وتدخل رجال الأمن بمختلف انتماءاتهم، لإنهاء الحركة الاحتجاجية، غير أن النتيجة جاءت معاكسة لما كانت السلطات ترغب فيه، إذ ساهم قمع الاحتجاجات في توسعها، حيث شملت فئات أخرى، من عمال ومعطلين.. وأدركت الدولة خطورة الوضع، فأمرت الجيش بالتدخل من أجل وضع حد للاضطرابات، وتم استخدام الرصاص الحي لتفريق المحتجين، وهو ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى، ومئات الجرحى)) (نفس المصدر).

تتمة المقال بعد الإعلان

الإملاءات جاءت من البنك الدولي، لكن الحكومة والنظام هما اللذين دفعا التكلفة الباهظة لتلك السنوات(..)، والخطير هذه المرة، هو أن البنك الدولي عاد إلى المغرب، وبات يملي توجيهاته، ويعقد الاجتماعات في واضحة النهار مع المسؤولين الحكوميين والنقابيين، ولا أحد يحتج على هذه التدخلات، بل يتم الاحتفاء بها.

يقول البنك الدولي في موقعه الإلكتروني، والقارئ الكريم يمكنه أن يفهم ما وراء السطور واللغة الإيجابية التي يظهرها هذا المقال: ((هنَّأ الرئيس دافيد مالباس (رئيس البنك الدولي) رئيس الحكومة أخنوش، على الاستجابة القوية للمغرب في مواجهة جائحة فيروس “كورونا” (كوفيد 19).. وناقش الرئيس مالباس ورئيس الحكومة أخنوش تداعيات أزمة الحرب بأوكرانيا على المغرب، لا سيما على أسعار المواد الغذائية والطاقة، ومع سعي المغرب لمعالجة هذا الوضع المعقد الذي تفاقم بسبب استمرار موجة الجفاف، أكد الرئيس مالباس على أهمية التسعير المستند إلى عوامل السوق مع تقديم دعم اجتماعي موجه.

وعبر الرئيس دافيد مالباس أيضا عن استعداد مجموعة البنك الدولي لمساندة الحكومة المغربية في التصدي بخطى حثيثة لأثار حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم على الفئات الأكثر احتياجا والأولى بالرعاية.. وناقش الرئيس مالباس ورئيس الحكومة أخنوش النموذج التنموي الجديد الذي تعتمده الحكومة المغربية لإحداث فرص الشغل وتعزيز المشاركة في القوى العاملة.

مسؤولو البنك الدولي في ضيافة نقابة الاتحاد المغربي للشغل

وشدد الرئيس مالباس على أهمية الإصلاحات التكميلية الداعمة للمنافسة وللمؤسسات العمومية المملوكة للدولة، وإجراء إصلاحات مؤسسية عميقة في قطاعي الطاقة والمياه من أجل الارتقاء بالمغرب إلى المستوى التالي للنمو الذي يحركه القطاع الخاص..)) (المصدر: موقع البنك الدولي/ 23 مارس 2022).

تتمة المقال بعد الإعلان

خلف كلمات الشكر، واستعداد البنك الدولي لمساعدة الحكومة المغربية، ينبغي الانتباه إلى الكلمات المفاتيح، والإيحاءات الخطيرة التي تؤكدها عبارات من قبيل “التسعير المستند إلى عوامل السوق”، و”الإصلاحات التكميلية الداعمة للمنافسة”، و”القطاع الخاص”.. فالمعروف أن إملاءات البنك الدولي دائما ما تأتي على حساب الجانب الاجتماعي، بينما كل الدول تحافظ على استقرارها من الباب الاجتماعي، وليس من الباب التجاري المصرفي، وهذه مهمة رجال السياسة والنظام(..).

بالنسبة لحكومة مغربية يقودها رجال الأعمال وعلى رأسهم عزيز أخنوش، باختياراته الليبرالية الفجة(..)، كان من الطبيعي أن يتم فتح الباب للبنك الدولي، بل إنه أصبح ينظم أنشطته في المغرب، وأكثر من ذلك، فإن اجتهاد الحكومة في إرضاء هذه المؤسسة المالية هو الذي دفعها إلى برمجة اجتماعاتها المقبلة بكل أريحية داخل المملكة كما لو أن الأمر يتعلق بفرع متنقل للبنك الدولي.

ولست محتاجا للذهاب إلى البنك الدولي لتسمع الإملاءات.. بل إن صداها يتردد في القرارات الحكومية، فالحديث عن السجل الاجتماعي هو في الحقيقة إملاء من البنك الدولي لتحييد الفئات الهشة، وتقديم دعم مباشر لها، وهو ما يعني حرمانها من هامش التضامن الحقيقي الذي توفره الدولة الاجتماعية، التي تضع الأسعار تحت السيطرة، فما فائدة أن تقدم للمواطن دعما يقدر بـ 400 درهم بينما يصبح ثمن قارورة الغاز 200 درهم، بغض النظر عن ثمن الخبز وباقي المواد الأساسية.. أليس هذا الدعم أكبر تحايل مالي على الفقراء؟

في المغرب، يتحرك البنك الدولي منذ مدة لإلغاء الوظيفة العمومية وتعويضها بنظام التعاقد، ورغم أن الفكرة من الناحية النظرية تبدو منقولة من حيث الحديث عن معيار الكفاءة بدل الأقدمية، لكن تطبيق مثل هذه السياسات، كما حصل مع مشروع “المغادرة الطوعية”، قد يتحول إلى مأساة اجتماعية(..).

وفي المغرب دائما، ((قال نيكولا بلانشيه، وهو مستشار ورئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى المغرب: “إن نظام التعاقد المعتمد في قطاع التعليم في المملكة، يندرج في إطار عملية إصلاح كبيرة للوظيفة العمومية، وتتضمن أيضا حركية الموظفين ونظام الترقية وتدبير الموارد البشرية”، وأضاف بلانشيه في ندوة صحافية عقدها في مقر وزارة الاقتصاد والمالية بالرباط: “إصلاح الوظيفة العمومية أمر مهم من أجل تحسين نجاعة الموارد المالية العمومية”، وأكد أن “هذا المجال يستوجب تسريع الإصلاحات، من قبيل نظام التعاقد، وحركية الموظفين العموميين، ونظام الترقية بناءً على الجدارة عوض الأقدمية، إضافة إلى تدبير أمثل للموارد البشرية”)) (المصدر: هسبريس/ 3 أبريل 2019).

بأي حق يتحدث مسؤول أجنبي عن السياسة الوطنية من داخل إدارة مغربية؟ ومن أين جاء بهذه السلطة الفوقية؟ وليس هذا فحسب، بل إن الصحافة الوطنية كتبت: ((صندوق النقد الدولي يبحث مع المغرب تعميم التعاقد وإلغاء المقاصة))، ولم ينتبه أحد لخطورة هذه الإملاءات في ظل وجود وزراء يفضلون إثارة مواضيع مرتبطة بالنقاش الديني والأخلاقي، بينما المواطن يهمه الخبز والكرامة أولا.

في الصحافة الوطنية، يمكن قراءة ما يلي والفاهم يفهم: ((يباشر صندوق النقد الدولي جولات حوارية بالمغرب لاستقاء معطيات حول الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ومشروع تعميم التغطية الاجتماعية، وإمكانية تنزيل مخطط التعاقد في الوظيفة العمومية، وكذا مخرجات الحوار الاجتماعي الأخير.. وباشرت اللجنة التي ترأسها روبيرت كاردارولي، نائب مدير صندوق النقد الدولي بشمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لقاءات مع الحكومة المغربية والمركزيات النقابية، في انتظار لقاء الاتحاد العام لمقاولات المغرب كذلك)) (المصدر: موقع هسبريس).

إن الأمر يتعلق باجتماعات خطيرة، وفوق حكومية، لكن لا أحد يتحرك من أجل وضعها في سياقها، بل يأتي واحد من النقابيين، الذين يفترض فيهم وضع مسافة مع مثل هذه المؤسسات، لكي يتحدث بكل أريحية عن اجتماع عقده مع ممثلي البنك الدولي، حيث أورد الميلودي موخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، في تصريح صحفي، أن ((“المركزية النقابية حاولت إطلاع الوفد (وفد البنك الدولي) على مدى تقدم الحوار الاجتماعي بالمغرب، وكون الحكومة الحالية على الأقل باشرته، لكن النقابات ما زالت تنتظر المخرجات”، وأضاف أن “ملف التقاعد طرح للنقاش على الطاولة، لكن النقابات تتشبث بأن الإصلاح لن يكون على حساب الأجراء”، رافضا فكرة يتبناها الصندوق “تعتمد أساسا على تفكيك تشريع العمل لتشجيع خلق مناصب الشغل”، وأوضح المسؤول النقابي ذاته أن “الصندوق يريد خفض تكلفة العمل تحت ذريعة تشجيع التشغيل”، رافضا “فرص العمل الهشة التي تفتقر للحماية الاجتماعية والصحية”، وزاد: “الوفد دافع عن العمل بالعقدة والعقود محددة الوقت”، كما أشار موخاريق إلى أن “الصندوق يريد كذلك حذف صندوق المقاصة، بسبب إثقال كاهل الميزانية العمومية، لكن النقابة طرحت أن هذا الأمر سيمكن الدولة من أرباح، لكنه خطير جدا اجتماعيا وقد يتسبب في فوضى عارمة”)) (المصدر: موقع هسبريس).

طبعا، حاول مخاريق تبرير لقائه مع البنك الدولي، من خلال تذكيره، بـ((العواقب الوخيمة” لتوصيات وتوجيهات الصندوق على الفئات الهشة، وعلى رأسها الطبقة العاملة، ومنها على الخصوص الإملاءات القاضية بتخفيض الأجور، وتقليص النفقات العمومية في قطاع التعليم بتشجيع القطاع الخاص، وتفكيك الوظيفة العمومية، عبر اللجوء إلى التعاقد، ومراجعة نظام الوظيفة العمومية، وخفض تكاليف التشغيل، وتبخيس تشريعات العمل))، معتبرا أن هذا ما قاله في الاجتماع، لكن.. ألا يعلم الميلودي موخاريق أن اللقاء معه كان من باب الاستئناس ليس إلا، حيث أن مثل هذه اللقاءات هي التي تشرعن تدخل البنك الدولي من باب الاستشارة مع الجميع.

ربما على النقابي المغربي، والحكومي المغربي، أن يقرأ ما يكتبه النقابيون عبر العالم عن صندوق النقد الدولي، وفي هذا الصدد، يمكن قراءة آلاف المقالات، وواحد من الأمثلة هو ما كتبه شريف المصري، رئيس النقابة المستقلة للعاملين بمكتبة الإسكندرية (نقابة منتسبة إلى الاتحاد الدولي للخدمات العامة)، هذا الأخير قال: ((تعد القروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي أحد أهم الوسائل في انتهاك سيادة الدول التي تقترض منه، حيث تُعتبر الديون المـُثقَلة بشروط قاسية تحت مُسمّى “التعديل البنيوي”، أداة للهيمنة الإمبريالية ووسيلة خفية لوضع اليد على السياسات الاقتصادية والخارجية في البلدان النامية..

إن تركيبة المديونية في دول الجنوب العالمي أصبحت بمثابة استثمار اقتصادي سياسي من قِبَل الدول الكبرى، وخصوصا في تطبيقها على الدول العربية التي أصبحت ساحة للصراعات الدولية والإقليمية، بحيث أنها “استثمار في احتواء القرار والقدرة السياسية، والعمل السياسي المناهض للإمبريالية في المنطقة”. وبإمكاننا أن نستشف استمرارية واضحة ما بين السياسات التاريخية لقوى الاستعمار وممارسات المؤسسات المالية الدولية الحديثة، آخذين تجربة مصر في القرن التاسع عشر كمثال ذي دلالة على ذلك.. فقد أدت استدانة الدولة المصرية من الدول الأوروبية في ذلك الحين، إلى تسليم القرارات المتعلقة بخزينتها إلى هذه القوى بعد تخلّف الدولة عن سداد الديون، ومن ثم إلى “الإعفاء من الديون” مقابل التنازل عن حق التحكم بقناة السويس، وانتهاءً بعد ذلك بالاحتلال العسكري بحجة الحفاظ على الممتلكات الأوروبية.. وهكذا يلعب الاقتراض دورا أساسيا في تقييد الخيارات السياسية-الاقتصادية لدول سيادية (ولو شكليا)، ويمهد لإخضاعها لمنظومة مالية واقتصادية دولية تابعة لمصالح الدول الكبرى التي أنشأت هذه المنظومة.. هكذا أصبح صندوق النقد الدولي يؤثر بقوة في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية في عدد من البلدان العربية، حيث يبرز بشكل جلي طابعها التقشفي مع ما يصاحبه من تداعيات سلبية على المسألة الاجتماعية بصفة عامة، والحماية الاجتماعية ودعم المواد الأساسية بصفة خاصة، ولكي يُحكم صندوق النقد الدولي سيطرته منذ وقت مبكِّر، روّج بمعية البنك الدولي، ابتداء من الثمانينات، لما اصطلح على تسميته: “توافق واشنطن” المبني على ثلاثة ركائز: تحرير أو لبرلة الاقتصاد، الخصخصة، والتقشف)) (المصدر: مقال شريف مصري).

كل شيء واضح، وشرح الواضحات من المفضحات، ومن تم قد يكون أخطر قرار في حياة حكومة أخنوش، والحكومات التي ستليها، هو وضع يدها في يد البنك الدولي مع ما يعنيه ذلك من خطورة على السلم الاجتماعي، بعد فشل سياسة الاقتراض(..)، ويكفي الاطلاع على ما يكتب فيما يتعلق بمشروع قانون المالية، حيث تعتزم الحكومة رفع حجم الاقتراض الخارجي خلال العام المقبل بنسبة 50 في المائة مقارنة مع سنة 2022، حسب مشروع قانون المالية لسنة 2023، والذي أحالته الحكومة على البرلمان، ووفق المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية، فإن موارد الدولة المتأتية من الاقتراض الخارجي، سترتفع إلى 60 مليار درهم في سنة 2023.. أليس هذا الأمر خطيرا(..) ؟

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى