ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | مؤشرات نهاية الأزمة الصامتة بين المغرب وفرنسا

لا بد للأزمات السياسية بين بلدان لها مصالح مشتركة أن تنتهي، ولا يمكن لأي أزمة دبلوماسية أن تستمر كيفما كان نوعها.. وقد ثبت ذلك بوضوح من خلال أزمات المغرب مؤخرا مع دول الاتحاد الأوروبي، لعل أهمها إسبانيا وألمانيا. وتظل الأزمة الصامتة بين المغرب وفرنسا قائمة إلى الآن بعد مرور أكثر من سنة عليها، ومؤخرا، يبدو أن هناك مؤشرات وإشارات من الجانبين تظهر أن الأمور بدت تتجه نحو الانفراج، ويحاول هذا الملف إبراز هذه المؤشرات والإشارات التي أظهرت نوايا الجانبين في تجاوز الأزمة.

أعد الملف: سعد الحمري

خطط الرئيس الفرنسي لزيارة المغرب بعد فوزه بالانتخابات الفرنسية

    بعد فوز الرئيس الفرنسي القديم الجديد إيمانويل ماكرون بولاية رئاسية ثانية، خلال شهر أبريل من هذه السنة، طرح السؤال حول كيف سيتعامل مع الأزمة الصامتة التي دخلت فيها بلاده مع كل من المغرب والجزائر؟ وجرى حديث كثير عن أن قصر الإيليزيه عليه أن يختار بين المغرب أو الجزائر، وظهر واضحا من خلال تحركات الرجل خلال بداية الولاية الثانية، أنه اختار الجزائر لتكون الحليف المفضل لبلاد الأنوار في شمال إفريقيا، وقد تجلى ذلك من خلال الزيارة التي قام بها إلى الجارة الشرقية خلال شهر غشت الماضي، أعقبتها زيارة نصف وزراء حكومته من أجل التوقيع على حزمة من الاتفاقيات.

تتمة المقال بعد الإعلان

رغم تحركات الرئيس الفرنسي في اتجاه الجزائر، إلا أن الجريدة الإلكترونية “Medias 24″، كشفت مؤخرا – بناء على مصادرها – أن الرئيس الفرنسي بعد فوزه بولاية ثانية، سعى إلى تنظيم زيارة إلى المغرب.. فقد ذكرت أن العديد من الدبلوماسيين عكفوا على الإعداد لزيارة إيمانويل ماكرون إلى المغرب، وأنه خلال شهر يوليوز الماضي، كان برنامج الزيارة وشكلها ومحتواها على وشك الانتهاء، وكان الاتفاق على الموعد فقط هو الذي كان يجري النقاش حوله.

وتابعت نفس الجريدة التأكيد على أن الزيارة كان مقررا لها بداية شهر أكتوبر، وتم تأجيلها بسبب الجدول الزمني المزدحم للملك محمد السادس، ثم تبع ذلك في نهاية غشت، الخروج الذي اعتبر ”أخرقا” للرئيس ماكرون، الذي استجوبه المتفرجون في نهاية حفل موسيقي، أعلن خلاله أنه سيذهب إلى المغرب في شهر أكتوبر، وهو إعلان لا يحترم أي شكل من أشكال الأعراف الدبلوماسية.

ناصر بوريطة

تصويت فرنسا على تمديد بعثة “المينورسو” بعث العلاقات من جديد بين البلدين

    دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال المرحلة الممتدة من شهر غشت إلى نهاية شهر أكتوبر فترة شهر عسل، وعلى نقيض ذلك، راج في المغرب حديث خلال شهري شتنبر وأكتوبر الماضيين، عن قطيعة بين المغرب وفرنسا، كما تحدثت بعض التقارير عن انسحاب بعض الشركات الفرنسية من المغرب، ومن ضمنها انسحاب شركة “ليديك” المكلفة بالتدبير المفوض للماء والكهرباء وتطهير السائل في الدار البيضاء، وشركة “دانون” من بورصة الدار البيضاء، كما وضع اتفاق بيع الحصة الفرنسية في بنك “مصرف المغرب” ضمن سياق التوتر بين البلدين.

تتمة المقال بعد الإعلان

وإلى جانب ذلك، تأكدت القطيعة بصفة اعتبرت رسمية، بعدما انتهت مهمة السفيرة الفرنسية بالمغرب دون أن تعين باريس سفيرا جديدا لها بالرباط، ثم رد المغرب بالمثل، عندما استدعى الملك محمد السادس السفير المغربي بباريس محمد بنشعبون، يوم 18 أكتوبر، وعينه مديرا عاما لصندوق محمد السادس للاستثمار.

لقد أطلقت هذه التحولات العنان لكثير من التأويلات القائلة بأن المغرب اختار القطع مع فرنسا، وفي ظل التقارب الجزائري الفرنسي، جرى كلام كثير خصوصا خلال شهر أكتوبر الذي تزامن مع مناقشات مجلس الأمن لقضية الصحراء المغربية، عن تحول جذري لموقف فرنسا من هذا الملف الحساس، غير أن هذه التكهنات انتهت مع نهاية شهر أكتوبر، عندما صوتت فرنسا لصالح تمديد بعثة “المينورسو” في الصحراء المغربية، والإشادة بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل دائم لحل النزاع، وهو ما شكل نكسة لكل من كانوا ينتظرون تحولا في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية، وفي ذات الإطار، عبرت صحيفة “الشروق” الجزائرية، تحت عنوان: “فرنسا ترسب في اختبار قضية الصحراء في مجلس الأمن”، عن خيبة الأمل لدى الأوساط الجزائرية من عدم تزعزع الموقف الفرنسي من مسألة تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، حيث كانت الجارة الشرقية تمني النفس بتغير في موقف باريس من القضية عقب تحسن علاقاتها مع الجزائر، مقابل توتر في العلاقات مع المغرب.

وحسب ذات الصحيفة، فإن جل أنظار الجزائريين كانت موجّهة إلى الموقف الفرنسي في اجتماع مجلس الأمن الدولي حول قضية الصحراء، والذي خصص للتصويت على تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)، وما إذا كان يعكس التوجه الذي رسمته باريس لعلاقاتها مع الجزائر في الأشهر القليلة الأخيرة، أم لا.

واعتبرت الصحيفة أن ((أهمية الموقف الفرنسي تكمن في التغيرات التي طرأت على العلاقات بين الجزائر وباريس، وكذا بين باريس والرباط، والتي شهدت تطورا لافتا بشكل خلط الكثير من الحسابات بالنسبة للمتابعين والمعنيين بقضية الصحراء))، وتابعت بالقول: ((العلاقات الجزائرية الفرنسية يقال إنها استعادت عافيتها، فيما انزلقت العلاقات الفرنسية المغربية المأزومة، إلى مستويات سحيقة)).

لكن طرح سؤال حول لماذا لم تغير فرنسا موقفها من قضية الصحراء المغربية رغم الأزمة بينها وبين المغرب؟ وما زاد من غموض الأمر، أن السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، لم يصرح للصحافة حول أسباب تصويت بلاده بنعم على القرار الأممي كما جرت العادة دائما، كما لم يطلب الكلمة خلال عملية التصويت. وبهذا الخصوص، صرح نوفل البعمري، المتخصص في قضية الصحراء، لموقع “هسبريس”، أن ((فرنسا كانت تستغل هذه المناسبة للتأكيد والتذكير بموقفها الثابت من القضية الوطنية ودعمها للحل السياسي الذي اقترحه المغرب، لكن هذه السنة اختارت الصمت بعد التصويت، وهو صمت يحمل دلالات عدة، منها ما هو مرتبط بعلاقة فرنسا بالجزائر في وضع أزمة الغاز والتقارب الحاصل بينهما، الذي دفع فرنسا إلى الميل نحو الدولة الجزائرية، فقد تكون تجنبت عدم الحديث لتفادي إغضاب النظام الجزائري)).

ولفت البعمري إلى أن ((باريس تعي جيدا أن ملف الصحراء أصبح اليوم محددا أساسيا في الدبلوماسية المغربية وفي العلاقات الخارجية التي تضبط إيقاع المغرب على الصعيد الدولي، وخاصة إقليميا، وأنه لم يعد يقبل أن يتم استغلال هذا الملف للضغط عليه أو ابتزازه، ولا لعدم الوضوح في الموقف، خاصة من طرف الدول التي كانت شريكة استراتيجية للمملكة، وعلى رأسها فرنسا)).

أما عن أسباب عدم تغيير فرنسا موقفها من قضية الصحراء المغربية، فقد أرجعه بعض المحللين إلى أن هذه الأخيرة وزنت الأمور بمنطق الربح والخسارة، ومن ضمنهم الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية وتسوية النزاعات، عصام لعروسي، من خلال تصريحات لموقع “آشكاين”، حيث قال أن ((فرنسا بلغت مستوى غير مسبوق في تصعيدها ضد المغرب، خاصة في إطار علاقات الجوار المغاربي، من خلال تأجيج النزاعات في المنطقة والوقوف وراء استقبال الرئيس التونسي لزعيم البوليساريو، مضيفا: ربما فرنسا عادت لاستعمال ميزان الربح والخسارة فوجدت نفسها تخسر أكثر مما تكسب من مواقفها ضد المغرب.

وأكد لعروسي، أن المغرب يتوفر على مجموعة من الأوراق لردع فرنسا، مشيرا إلى أن مجموعة من المشاريع الاقتصادية الفرنسية شرعت المملكة في إعادة النظر في مردوديتها، بل حتى النموذج الثقافي الفرنسي أصبح محط انتقاد كبير من طرف العديد من القيادات السياسية في المغرب.

وحسب ذات المتحدث، فإن التصويت الفرنسي لصالح قرار مجلس الأمن حول الصحراء، يأتي في إطار تقليل الأضرار الفرنسية على المستوى الاقتصادي، وكذا تماشيا مع الرأي الغالب، حيث أن 13 دولة صوتت على القرار، وامتناع أو رفض فرنسا لن يغير من الأمر شيئا، كما يمكن قراءة الموقف الفرنسي على أنه محاولة للتقارب مع المغرب)) (المصدر: موقع “آشكاين”، 28 أكتوبر 2022).

اتصال الرئيس الفرنسي بالملك محمد السادس وتصريح بوريطة.. إشارات قوية لنهاية الأزمة

    لقد تطورت الأمور فعليا بعد الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية، وأعطى دفعة قوية لانبعاث العلاقات المغربية الفرنسية، حيث تجلى ذلك ابتداء من فاتح نونبر، عندما بادر رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، للاتصال بالملك محمد السادس، وفق ما كشف عنه موقع “أفريكا إنتيليجنس”، وقال المصدر ذاته أن ((العاهل المغربي والرئيس ماكرون أجريا محادثة هاتفية، تطرقا خلالها إلى “سوء التفاهم” الحاصل خلال الأسابيع المنصرمة، كما تطرق الجانبان في المكالمة الهاتفية التي استمرت 30 دقيقة، إلى موضوع  سفارتي البلدين اللتين بقيتا بدون سفير منذ شهر أكتوبر المنصرم.

وقال المصدر نفسه: إن ماكرون أعرب للملك محمد السادس عن رغبته في القيام بزيارة رسمية للمغرب، مضيفا أن الملك تفاعل مع ذلك بشكل إيجابي وعبر عن ترحيبه بالرئيس الفرنسي واستعداده لاستقباله، ولم يتفق الطرفان على موعد محدد لهذه الزيارة، إلا أن المصدر ذاته لم يستبعد أن تتم قبل نهاية عام 2022 أو في بداية عام 2023.

وبعد يوم واحد من الحديث عن الاتصال الهاتفي بين قائدي البلدين، صرح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، من الجزائر خلال حديث صحفي لشبكة “سكاي نيوز عربية”، أن قرار فرنسا برفض منح التأشيرات لنصف طلبات المغاربة، يعتبر قرارا سياديا فرنسيا، ولها الحق في اتخاذ مثل هذه القرارات بعدما اعتبرت هذه القضية هي من أدخلت البلدين في نفق مظلم.

وبعد هذه الإشارات، بدأت أولى الخطوات العملية لبعث العلاقات بين البلدين، فقد شارك أفراد من القوات المسلحة الملكية في مناورة مشتركة مع الكتيبة الثالثة عشر التابعة للجيش الفرنسي، من أجل تعزيز قدرات الجنود المغاربة في العمليات الجبلية المعقدة، وهي التدريبات التي احتضنتها جبال أوكايمدن بإقليم الحوز، حيث أطر أفراد من الجيش الفرنسي تابعون لسرية قتالية من كتيبة “جبال الألب 13 هنتر (BCA)”، تمارين ميدانية مدعمة بتقنيات عالية الدقة.

والوحدة الفرنسية مجهزة بأحدث المعدات للتقدم والوقوف والقتال في الجبال وفي البيئات القاسية، وقد أثبتت عناصرها بالفعل وجودها في أصعب البيئات، مثل القطب الشمالي والصحاري الإفريقية والجبال الأفغانية أو المناطق الحضري، وخلال التدريبات مع القوات المسلحة الملكية، تضمنت الأنشطة تدريبا على الجبال (التسلق بالأحمال الثقيلة، وتسلق الجبال، والإسعافات الأولية للجبال، والقتال الجبلي أيضا)، كما سمحت المناسبة للطرفين باكتشاف أسلحة كل منهما)) (المصدر: هسبريس/ 6 نونبر 2022).

وبالموازاة مع ذلك، شاركت البحرية الملكية المغربية في مناورات احتضنتها قواعد فرنسية، وقالت السفارة الفرنسية بالمغرب في حسابها على “تويتر”: ((إن الهدف من هذه المناورات هو حشد قدرات القوات البحرية الثلاث (المغرب، فرنسا، والسنغال) في مكافحة الآفات الطبيعة)).

وبعدما راج الحديث بقوة خلال الأشهر الأخيرة، عن انسحاب الشركات الفرنسية من المغرب، واتجاه المغرب نحو الصين من أجل تمديد خطوط السكك الحديدية، وخاصة مشروع القطار فائق السرعة، فقد كلف المكتب الوطني للسكك الحديدية، قبل أيام، شركة “إجيس” (Egis) الفرنسية المتخصصة في الهندسة، بمواكبة تنزيل أشغال المراقبة الخارجية للخط فائق السرعة الذي سيربط مدينة القنيطرة بمراكش، على مسافة تصل إلى 430 كيلومترا.

يذكر أن الشركة نفسها فازت بصفقة هذه الأشغال الخاصة بخط طنجة القنيطرة، وهو أول خط فائق السرعة في القارة الإفريقية، وذلك على مسافة 200 كيلومتر، وكان له أثر كبير في تقليص مسافة السفر بين الشمال والرباط والدار البيضاء.

وكانت الشركة قد نفذت بين عامي 2010 و2018، إدارة المشاريع المتكاملة لمختلف المسارات السككية للخط الرابط بين القنيطرة وطنجة، إضافة إلى أشغال الهندسة المدنية في الشق الشمالي، وهو ما أتاح نقل المعرفة والمهارات بعد نهاية المشروع.

تجري كل هذه التطورات المتسارعة، في ظل عدم وجود سفيرين للبلدين في كل من الرباط وباريس.. فهل تمهد هذه الإشارات التسريع في عودة السفراء، وبالتالي، قيام الرئيس الفرنسي بزيارة إلى المغرب من أجل تبديد كل الخلافات وبعث العلاقات بين المغرب وفرنسا في نهاية هذه السنة أو بداية السنة القادمة، أم أن هناك مجهودات دبلوماسية ما زال يجري القيام بها من أجل معالجة كل القضايا العالقة بين البلدين؟

مهما يكن، فإن العلاقات بين الرباط وباريس بعد هذه الأزمة لن تكون كما في السابق، وستأخذ شكلا آخر.. فهل سينتهي عهد الامتيازات الفرنسية الاقتصادية؟ وهل ستبنى العلاقات الجديدة بين البلدين على احترام التوجه المغربي نحو إفريقيا؟

كل هذه الأسئلة تظل عالقة إلى أن تجيب عنها الأيام القادمة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى