ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | تاريخ القمم العربية بين المغرب والجزائر

مفارقات بين الأمس واليوم..

لا حديث خلال هذه الأيام إلا عن القمة العربية المنعقدة في الجزائر وما رافقها من صراع بين الجانبين، المغربي والجزائري، كما بدأ الحديث عن فشل قمة ”لم الشمل”، وهو ما يطرح ضرورة عقد قمة حقيقية للم الشمل.. فهل يكون المغرب هو حاضنها، خاصة وأنه لم يستضف أي قمة عربية منذ سنة 1989؟ يحاول هذا الملف استعراض أهم الحالات التي نظم فيها المغرب قمما عربية مباشرة بعد تنظيمها من طرف الجزائر.

أعد الملف: سعد الحمري

المغرب أكثر بلد استضاف قمما عربية خلال المرحلة الممتدة من سنة 1946 إلى 1990

    بالرجوع إلى تاريخ انعقاد القمم العربية، نجد أن المملكة المغربية استضافت 7 قمم في المجمل.. فقد كانت أول قمة عربية احتضنها المغرب، تلك المنعقدة بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء في الفترة ما بين 13 و17 شتنبر 1965، وخلال عقد الستينيات، نظمت المملكة قمة عربية أخرى يومي 21 و22 دجنبر 1969، أما مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، فقد استقبل المغرب قمة عربية واحدة وهي التي جرت أطوارها بالرباط خلال المدة المتراوحة ما بين 26 و29 أكتوبر من سنة 1974.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفيما يتعلق بمرحلة الثمانينيات، فقد شهدت تحول المغرب إلى عاصمة للدول العربية، حيث حطمت المملكة الرقم القياسي في عدد القمم المنظمة فوق ترابها، فمن أصل 7 قمم عربية نظمت أربعة بالمغرب، بداية بقمة فاس يوم 25 نونبر 1981، ثم قمة 9 شتنبر 1982 بنفس المدينة، وبعد ذلك بثلاث سنوات، احتضنت الدار البيضاء قمة عربية أخرى خلال الفترة المتراوحة ما بين 7 و9 غشت 1985، في حين كانت آخر قمة عربية خلال هذا العقد جرت أشغالها بمدينة الدار البيضاء ما بين أيام 23 و26 ماي 1989، وبهذا يكون المغرب قد نظم 7 قمم عربية، من أصل 21 قمة ما بين عادية واستثنائية، منذ أول قمة عربية سنة 1946 إلى حدود سنة 1990، ومعنى هذا أن المملكة خلال ما يقارب أربعة عقود كانت قد استضاف ثلثي القمم العربية، فيما جاءت مصر في المرتبة الثانية بمجموع خمس قمم عربية، ومنذ نهاية الثمانينات، لم يحتضن المغرب ولو قمة عربية واحدة، واستمر الأمر لأكثر من ثلاثة عقود، وبالضبط منذ 33 سنة، أي أن جيلا كاملا لم ير أو يسمع بقمة عربية انعقدت فوق تراب بلده.

ومن جانب آخر، استضافت الجارة الشرقية الجزائر – عبر تاريخها – ثلاثة قمم عربية، دون احتساب القمة العربية الحالية المنظمة فوق ترابها، بداية من قمة الجزائر العاصمة أيام 26 و27 و28 نونبر 1973، مرورا بقمة 9 يونيو 1988، وصولا إلى قمة 22 و23 مارس 2005.

بوريطة محاطا بالمشاركين في قمة الجزائر

تلازم قمتي الجزائر 1973 والرباط 1974 مع محاولة جزائرية للإطاحة بالحسن الثاني

    يمكن ملاحظة متلازمة مثيرة خلال تاريخ القمم العربية، فمن أصل ثلاثة قمم نظمتها الجزائر عبر تاريخها، يلاحظ أن المغرب احتضن بعد الجزائر قمتين عربيتين: الأولى كانت خلال عقد السبعينيات، فبعدما استضافت الجزائر القمة العربية السادسة من يوم 26 إلى 28 نونبر 1973، نظم المغرب بعدها القمة العربية بالعاصمة الرباط في الفترة ما بين 26 و29 نونبر 1974.

تتمة المقال بعد الإعلان

والجدير بالذكر، أن تزامن القمتين مع بداية صراع خفي بين المغرب والجزائر، كان سببه ضغط الجزائر على المغرب من أجل المصادقة على اتفاقية الحدود الموقعة بين البلدين خلال سنة 1972، إلى جانب ظهور مطامعها في الصحراء المغربية، وفي هذا الصدد، يقول الملك الراحل الحسن الثاني خلال إحدى مقابلاته الصحفية: ((اتفاقية الحدود بين البلدين وقع عليها وزيرا خارجية البلدين: بوتفليقة عن الجانب الجزائري، وبنهيمة عن الجانب المغربي. الاتفاق وقع بحضور الملك وبحضور الرئيس بومدين ومعظم رؤساء الدول الذين اجتمعوا بالمغرب سنة 1972، إنني لا أتنكر لما وقعه وزيري ولا أتراجع عنه، وعند توقيع هذا الاتفاق وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك برلمان، كان باستطاعتي أن أصادق عليه، لكنني قلت للرئيس بومدين: لننتظر إلى حين وجود برلمان، وآنذاك ستدخلون الأبواب من أوسعها حتى لا نعطي انطباعا سيئا، وقلت إن الدليل على ذلك، أنه لا أحد يتحدث عن حدودنا حتى الآن، وكان ذلك في شهر يونيو 1972، وفي مارس 1973 تسربت من الجزائر إلى التراب المغربي الأسلحة والرجال محمولين على متن سيارات تابعة للإدارة الجزائرية، وقدمت هذه القضية للمحاكم في إبانها، وقد قتل رجال من القوات المسلحة والقوات المساعدة ورجال الدرك والشرطة، وقلت لبومدين: لا، لن أصادق على الاتفاق، ففي هذه الظروف أنا الحسن الثاني، ولن أصادق)).

والجدير بالذكر، أن قمة الجزائر صدرت عنها مجموعة من القرارات أهمها: إقرار شرطين للسلام مع إسرائيل: الأول، انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس، والثاني، استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة، تقديم جميع أنواع الدعم المالي والعسكري للجبهتين السورية والمصرية من أجل استمرار نضالهما ضد العدو الصهيوني، استمرار استخدام سلاح النفط العربي ورفع حظر تصدير النفط للدول التي تلتزم بتأييدها للقضية العربية العادلة، توجيه تحية تقدير للدول الإفريقية التي اتخذت قرارات بقطع علاقاتها مع إسرائيل، والقيام بإعادة تعمير ما دمرته الحرب من أجل رفع الروح النضالية عند الشعوب العربية، ثم انضمام الجمهورية الموريتانية إلى الجامعة العربية.

فيما كانت أهم مقررات قمة الرباط لسنة 1974، اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتبنت القمة قرارا يعترف لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني بموافقة جميع الدول العربية باستثناء ملك الأردن الحسين بن طلال، الذي امتنع عن التصديق على القرار.

عندما جمع الحسن الثاني القادة العرب فوق شاحنة بمناسبة القمة العربية التاريخ بفاس سنة 1982

قمتا الجزائر 1988 والرباط 1989 تزامنتا مع الصلح بين البلدين

    تلازم استضافة الجزائر لقمة عربية ثم تنظيم المغرب لقمة عربية في السنة التي تليها مرة أخرى خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك عندما استضافت الجزائر القمة العربية يوم 7 يونيو 1988، قرر المغرب بعدها بسنة تنظيم القمة العربية يوم 23 ماي 1989.

وجاءت قمة الجزائر في سياق مشابه لليوم، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذ سنة 1976، عندما احتضنت الجزائر جبهة البوليساريو ودعمتها، وكانت هناك محاولات للوساطة من جانب المملكة العربية السعودية، وهنا بدأت الضغوط على الجزائر التي كانت ترفض محاولات الوساطة.

وتحت هذا الضغط، بدأت الجزائر تحاول القيام بمحاولات خجولة تقابل بها المبادرات المغربية في هذا الباب، وأطلقت الجارة الشرقية دعاية لدى الدول العربية، مفادها أن العلاقات بينها وبين المغرب غير مقطوعة، وأن هناك اتصالات بين البلدين.

غير أن الملك الراحل الحسن الثاني، خرج بتصريح صحفي يوم 18 فبراير 1988، قال خلاله: ((إن الشيء الذي يجب أن يلفت النظر إليه – والمسألة هنا مهمة جدا – هو أن إخواننا الجزائريين يوهمون إخواننا العرب، وبالأخص منهم الذين قاموا بوساطة محمودة يشكرون عليها، بأن المذاكرات ما زالت جارية بيننا وبينهم، وما زال الاتصال قائما… إلخ، والواقع أن شيئا من هذا لم يكن، فالمذاكرة والاتصالات جامدة الآن بيننا، ولا نجد لدى الجانب الجزائري أي جواب ولا أي بادرة إيجابية، ولكن دبلوماسيتهم – وأقول دبلوماسيتهم- توهم وتحاول أن توهم الدول العربية والإسلامية، وبالأخص القائمين بالوساطة المحمودة، بأن المذاكرات ما زالت جارية بيننا وبينهم، وبأن الأمور على أحسن ما يرام، وهذا مخالف للواقع)).

فكان هذا التصريح الملكي بمثابة الدفعة القوية للعلاقات المغربية الجزائرية، إلى أن نجحت الوساطة السعودية في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتطورت الأحداث بسرعة خلال سنة 1988، وفي هذا السياق، عقدت القمة العربية بالجزائر العاصمة وحضرها الملك الحسن الثاني، وكان من أهم مخرجات هذه القمة، دعم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية.

واستمرت العلاقات بين البلدين في التطور، حيث أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي، وفتحت الحدود البرية بين المغرب والجزائر، ووقع البلدان عدة اتفاقيات اقتصادية بينهما لعل أهمها توقيع اتفاق مغربي جزائري يوم 16 شتنبر 1988، من أجل تنفيذ أنابيب الغاز الذي أطلق عليه اسم “المغرب العربي- أوروبا”، وفي نفس يوم هذا الاتفاق التاريخي، وبعدما توقفت الهجومات التي تنفذها جبهة البوليساريو ضد المغرب مدة طويلة، أبت الجزائر إلا أن تقدم للمغرب هدية ثمينة كعربون عن الاحتفال بهذا اليوم التاريخي، حيث قامت وعلى حين غرة، وحدات من جبهة البوليساريو بهجوم على الجدار الأمني بقطاع أم دريكة.

وبهذا الخصوص، صدر بلاغ عن القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية في نفس اليوم جاء فيه: ((في يوم 16 شتنبر 1988، قامت البوليساريو بهجوم على الجدار الأمني بقطاع أم دريكة، وقد كانت قوات العدو تتألف من كتيبتين محمولتين، وكتيبة مجهزة مدعمة بسلاح المدفعية، وبعد معارك ضارية دامت أزيد من ساعتين، أي من الخامسة و50 دقيقة إلى غاية الساعة الثامنة، تم دحر قوات العدو وملاحقتها، وكانت حصيلة المواجهات في كلا الجانبين كالتالي:

فيما يخص خسائر العدو: 124 قتيلا وجريحا وأربعة أسرى، وغنيمة من عتاد مهم متحرك ومن المدرعات من بينه قاذفة صواريخ مضادة للدبابات “سبيع 9” موازية للصواريخ الفرنسية المضادة للدبابات “ميلان” والتي ظهرت لأول مرة في ساحة العمليات، وفيما يخص خسائر القوات المسلحة الملكية: 51 شهيدا و95 جريحا)).

ورغم ذلك، استمر المغرب في توطيد علاقاته مع الجزائر، وعقد القمة العربية يوم 23 ماي 1989 بالدار البيضاء، بحضور مصر التي استعادت عضويتها في الجامعة العربية، وتغيب لبنان الذي كانت تتنازع السلطة فيه حكومتان، لكن لم يصدر عن المؤتمر البيان الختامي.

وقد كانت هذه القمة هي الأخيرة التي نظمها المغرب، وابتداء من سنة 2000، اعتمدت جامعة الدول العربية قرارا جديدا يتعلق بتنظيم القمة العربية كل سنة على أن تحتضنها كل دولة حسب الترتيب الأبجدي، إلا أن المملكة ولأكثر من عقدين، لم تنظم ولو قمة عربية واحدة.

كما أنه خلال سنة 2016، عندما كان الدور على المملكة في احتضان قمة الدول العربية، قررت بعد التشاور مع عدد من الدول العربية، تأجيل اجتماع القمة، وذلك لعدم ((توفر أسباب نجاحها)) وفق ما أعلنت عنه وزارة الخارجية والتعاون المغربية، حيث جاء في بيان لها، أن وزير الخارجية صلاح الدين مزوار، أبلغ بتعليمات من الملك محمد السادس، أمين عام جامعة الدول العربية بقرار الإرجاء، لأن ((الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة)) وكي لا تتحول القمة إلى ((مجرد مناسبة لإلقاء الخطب)).

وحسب نفس البيان، فإنه ((نظرا للتحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم، فإن القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحول إلى مجرد اجتماع للمناسبات))، موضحا أن ((الظروف الموضوعية لا تتوفر لعقد قمة عربية ناجحة، قادرة على اتخاذ قرارات في مستوى ما يقتضيه الوضع)).

وتم اتخاذ هذا القرار حسب الخارجية المغربية بناء على المشاورات التي تم إجراؤها مع عدد من الدول العربية، وبعد ((تفكير واع ومسؤول، ملتزم بنجاعة العمل العربي المشترك، وضرورة الحفاظ على مصداقيته))، واعتبر المغرب أنه ((أمام غياب قرارات هامة ومبادرات ملموسة يمكن عرضها على قادة الدول العربية، فإن هذه القمة ستكون مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية، وإلقاء خطب تعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين دول العالم العربي)).

وأشار إلى الأوضاع في العراق واليمن وسوريا وفلسطين، موضحا أن ((أزماتها تزداد تعقيدا بسبب كثرة المناورات والأجندات الإقليمية والدولية(…) وتواصل الاستيطان الإسرائيلي))، ولم تحدد وزارة الخارجية موعدا جديدا للقمة، ثم بعد ذلك نظمت القمة في موريتانيا.

وبعد ذلك بشهرين، تحدث الملك محمد السادس خلال القمة المغربية الخليجية عن حال القمم العربية، حيث قال في خطابه: ((نجتمع اليوم لإعطاء دفعة قوية لهذه الشراكة التي بلغت درجة من النضج، وأصبحت تفرض علينا تطوير إطارها المؤسسي، وآلياتها العملية، وهي خير دليل على أن العمل العربي المشترك لا يتم بالاجتماعات والخطابات، ولا بالقمم الدورية الشكلية، أو بالقرارات الجاهزة الغير قابلة للتطبيق، وإنما يتطلب العمل الجاد والتعاون الملموس، وتعزيز التجارب الناجحة، والاستفادة منها، وفي مقدمتها التجربة الرائدة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.. إنها رسالة أمل لأنفسنا، وإشارة قوية لشعوبنا على قدرتنا على بلورة مشاريع تعبوية مشتركة)).

وها نحن وصلنا إلى سنة 2022، ولا زالت الظروف شبيهة بظروف سنتي 1988 و1973، حيث لا زال الصراع بين المغرب والجزائر قائما على أشده، وهي سنوات – كما ذكرنا – نظمت فيها الجزائر قمما عربية، ثم تبعها المغرب مباشرة باحتضان اجتماعات القمم العربية التالية.

ويبدو السياق في سنة 2022 مختلفا على اعتبار الأزمة التي لا زالت قائمة بين البلدين، وهناك أيضا مؤشرات أكدت فشل قمة الجزائر، لعل أبرزها غياب عدة قادة ورؤساء للدول العربية، وهو ما يجعلها في المرتبة الأخيرة في تاريخ القمم العربية من حيث عدد الزعماء العرب حضورا، إلى جانب القمة العربية التي انعقدت في العاصمة الموريتانية نواكشوط في 25 يوليوز 2016، وحضرها أقل عدد من القادة العرب، وكان عددهم 7، وهو ما يجعل عنوان ”قمة لمّ الشمل” غير حقيقي عمليا.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى