تحليل إخباري

تحليل إخباري | بداية تأديب فرنسا عبر بوابة سفارة المغرب في باريس

فتح باب الاستثمار وإغلاق منافذ التلاعب

دون أي مقدمات ودون شرح.. وبينما كان السياسيون ينتظرون ما سيسفر عنه أول اجتماع للمجلس الوزاري بعد افتتاح البرلمان من طرف الملك محمد السادس، الذي أسكت خصوم الوحدة الترابية بظهوره في البرلمان ومع المواطنين(..)، سطع نجم وزير المالية السابق، محمد بنشعبون، الذي حصل على التعيين الملكي في منصب المدير العام لإحدى أقوى المؤسسات المالية المحدثة مؤخرا بالمغرب، ويتعلق الأمر بصندوق محمد السادس للاستثمار.

إعداد: سعيد الريحاني

    شرح بلاغ للديوان الملكي الإجراءات المسطرية التي سبقت تعيين بنشعبون على رأس صندوق محمد السادس للاستثمار، حيث أورد بلاغ الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، عبد الحق المريني، أنه ((طبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، وباقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من وزيرة الاقتصاد والمالية، تفضل الملك محمد السادس بتعيين محمد بنشعبون مديرا عاما لصندوق محمد السادس للاستثمار)).

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإن تعيين بنشعبون في هذا المنصب – بينما لم تمض سوى أشهر قليلة على تعيينه سفيرا للمغرب في باريس – يحمل عدة رسائل، كلها وضعت في صندوق الرسائل المتوجهة منذ مدة إلى عاصمة الأنوار، فبنشعبون هو الذي كان معولا عليه لإضفاء بعض الدينامية على العلاقات المغربية الفرنسية، بل إن الصحافة الوطنية قالت: ((يأتي تعيين بنشعبون سفيرا في أبرز عواصم الاتحاد الأوروبي، في سياق تعرف فيه العلاقات بين الرباط وباريس مدا وجزرا، آخره قرار خفض التأشيرات لفائدة المغاربة.. وسيكون على بنشعبون تدبير العلاقات مع باريس وهي على بعد أشهر من الانتخابات الرئاسية، التي تشهد تنافسا حادا بين المرشحين من اليمين والوسط، تجلى في استغلال فادح لعدد من الملفات، من بينها ملفا المهاجرين والإسلام..)) (المصدر: هسبريس/ 17 أكتوبر 2021).

تتمة المقال بعد الإعلان

كل ذلك لم يحصل، ولم تتحسن العلاقات بين البلدين، بل إنها ازدادت سوء، وما يؤكد الأزمة، أن هذا التعيين كان بمثابة سحب للسفير المغربي في باريس بطريقة غير مباشرة، وقد كان بالإمكان تجنب تأويل من هذا النوع عبر تعيين سفير آخر بدله، بل إن هذا “السحب” يمكن اعتباره ردا مغربيا دبلوماسيا على “سحب غير مباشر” لسفيرة فرنسا في الرباط، هيلين لوغال، فهي بدورها تم تعيينها في منصب آخر بباريس.

وفعلا، كتبت الصحافة أن هيلين لوغال، السفيرة الفرنسية في المغرب، غادرت منصبها الذي حصلت عليه قبل ثلاث سنوات، في ظل أزمة كبيرة بين البلدين عنوانها رفض منح التأشيرات للمغاربة الراغبين في زيارة فرنسا، ومنهم رجال أعمال وفنانون وطلبة.. وأكدت السفيرة المذكورة إنها “ودعت وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، خلال اجتماع معه قبل مغادرتها” عبر تغريدة نشرتها على موقع “تويتر”.

وزير الخارجية بوريطة خلال استقبال السفيرة الفرنسية بالرباط

إذن، فتعيين بنشعبون كان بمثابة رد على “التلاعب الفرنسي” في الفترة الأخيرة، وبذلك تكون السفارتان في المغرب وفرنسا، خاليتان حتى الآن، اللهم بعض أفراد الطاقم الإداري هنا وهناك، والذين لا يصل مستواهم إلى مستوى السفراء، وهم الذين يتكلفون بتصريف الأعمال حتى إشعار آخر..

غريب هذا التزامن بين توجه المغرب إلى إعطاء دفعة جديدة للاستثمار، وبين إفراغ السفارة المغربية في باريس من مضمونها، وهو ما يعطي الانطباع بأن الاستثمارات المغربية قد تتعارض عمليا مع الطموحات الفرنسية، وجاء تفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار عبر بلاغ للديوان الملكي، حيث قال: ((أقر المجلس الوزاري المنعقد مساء الثلاثاء (18 أكتوبر) برئاسة جلالة الملك محمد السادس، إطلاق صندوق سيادي بقيمة 45 مليار درهم (4.1 مليار يورو)، ثلثها مصدره ميزانية الدولة، والثلثان الباقيان من كيانات استثمارية وطنية ودولية، ويهدف إحداث هذا الصندوق إلى إضفاء دينامية جديدة على الاستثمار العمومي في مواجهة الأزمة الاقتصادية في المملكة))، حسب ما أعلن عنه الديوان الملكي. وأضاف بلاغ الديوان الملكي: ((إنه تقرر في المجلس الوزاري برئاسة جلالة الملك محمد السادس تفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار، الذي أنشئ في سنة 2020.. وهذا الصندوق يرمي لإضفاء دينامية جديدة على الاستثمار العمومي بتوجيهه لمشاريع البنيات التحتية والاستراتيجيات القطاعية الطموحة بما يعزز تنافسية المنتوج الوطني، وتقوية السيادة الوطنية على المستوى الغذائي والصحي والطاقي)) (المصدر: موقع “كيفاش”، وعدة مواقع أخرى).

تتمة المقال بعد الإعلان

وكان الملك محمد السادس قد خصص جزء كبيرا من خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية الحادية عشر، لموضوع الاستثمار وجاء فيه: ((إننا نراهن اليوم على الاستثمار المنتج کرافعة أساسية لإنعاش الاقتصاد الوطني، وتحقيق انخراط المغرب في القطاعات الواعدة، لأنها توفر فرص الشغل للشباب، وموارد التمويل لمختلف البرامج الاجتماعية والتنموية، وننتظر أن يعطي الميثاق الوطني للاستثمار دفعة ملموسة على مستوى جاذبية المغرب للاستثمارات الخاصة، الوطنية والأجنبية، وهو ما يتطلب رفع العراقيل التي لا تزال تحول دون تحقيق الاستثمار الوطني لإقلاع حقيقي على جميع المستويات.

وعلى مستوى مناخ الأعمال، فقد مكنت الإصلاحات الهيكلية التي قمنا بها، من تحسين صورة ومكانة المغرب في هذا المجال، ولكن النتائج المحققة تحتاج إلى المزيد من العمل لتحرير كل الطاقات والإمكانات الوطنية، وتشجيع المبادرة الخاصة، وجلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.. وهنا نريد التركيز، مرة أخرى، على ضرورة التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، وتبسيط ورقمنة المساطر، وتسهيل الولوج إلى العقار، وإلى الطاقات الخضراء، وكذا توفير الدعم المالي لحاملي المشاريع.

ولتقوية ثقة المستثمرين في بلادنا كوجهة للاستثمار المنتج، ندعو إلى تعزيز قواعد المنافسة الشريفة، وتفعيل آليات التحكيم والوساطة، لحل النزاعات في هذا المجال، وبما أن الاستثمار هو شأن كل المؤسسات والقطاع الخاص، فإننا نؤكد على ضرورة تعبئة الجميع، والتحلي بروح المسؤولية، للنهوض بهذا القطاع المصيري لتقدم البلاد)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس).

وكان تعيين بنشعبون، السفير المغربي في باريس، على رأس صندوق محمد السادس للاستثمار، ترجمة عملية للخطاب الملكي، وهو في نفس الوقت رسالة إلى فرنسا، وهنا يطرح السؤال عن السفير الآخر الذي سبق بنشعبون، والذي تم “سحبه” بنفس الطريقة من فرنسا.. فقد طرح تعيينه على رأس اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد عدة تساؤلات، لا سيما وأنه لم يكن الشخص الأفضل للقيام بهذه المهمة مقارنة مع شخصيات أخرى، ولكن المهمة أسندت له، وعندما انتهت هذه المهمة، تم تعيينه في منصب حكومي (المقصود بنموسى)، وبهذا تكون سفارة المغرب في باريس بعيدة جدا عن الاستقرار رغم ما يقال، وعدم الاستقرار دليل على توتر العلاقات(..).

ويأتي التصعيد المغربي الدبلوماسي في مواجهة فرنسا بالتزامن مع الضجة العالمية الكبرى التي تثيرها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي تحولت إلى حرب غير مباشرة بين الرئيس فلاديمير بوتين والدول الغربية.. كما أن فرنسا نفسها وفي عز خلافها مع المغرب، وفي عز أزمتها الداخلية، باتت على خلاف مع ألمانيا أيضا، وهو ما تسبب في تعليق اجتماعات رفيعة المستوى بين البلدين، وقد تناولت الصحافة الخلاف الألماني الفرنسي كما يلي: ((أرجئ اجتماع رفيع المستوى بين ألمانيا وفرنسا كان مقررا عقده الأسبوع المقبل، بعدما اعتبرت برلين أن إيجاد قواسم مشتركة في عدد من الملفات يتطلب مزيدا من الوقت)). ويعكس تأجيل الاجتماع الدوري الذي تتناوب حكومتا البلدين على استضافته، اتساع الشرخ بين القوتين الأوروبيتين في وقت تبذل فيه أوروبا جهودا حثيثة للتصدي لأزمتي الطاقة وغلاء المعيشة على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا.. ولم يشأ شتيفن هيبشترايت، المتحدث باسم المستشار الألماني أولاف شولتز، كشف أي تفاصيل حول الملفات التي لم تتوصل الحكومتان إلى التفاهم بشأنها، لكنه أقر بوجود “قضايا مختلفة نعمل على معالجتها في الوقت الراهن.. لم نتوصل بعد إلى موقف موحّد حيالها”.

وخلص الجانبان إلى أنه “من المنطقي” إرجاء المحادثات التي من المقرر أن تستضيفها فرنسا، إلى شهر يناير المقبل.. ولطالما سعت فرنسا وألمانيا إلى إظهار وحدة صف في مواجهة عدد من الأزمات، مع تنسيق مسبق للمواقف قبل انعقاد قمم كبرى، لكن في الأسابيع الأخيرة، ظهرت إلى العلن انتقادات في ملفات عدة، خاصة بالنسبة للطاقة والدفاع، وقال جاك بيار غوجون، مدير المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية لوكالة “فرانس بريس”: ((لطالما كانت هناك اختلافات، لكن الوضع حالياًأكثر جدية.. وحكومة شولتز متهمة باتباع نهج أحادي، بإعدادها خطة مساعدة بموارد مالية قدرها 200 مليار يورو، لدعم الأسر والشركات، وهي تتعرض لضغوط يمارسها عدد من الشركاء في الاتحاد الأوروبي لإبداء مزيد من التضامن الأوروبي.. وهذا الأسبوع، قال ماكرون “إن ألمانيا تمر بلحظة تغيير لنموذجها، ويجب ألا نقلل من أهمية طابعها المزعزع للاستقرار”، وزاد: “لكن إذا أردنا أن نكون متّسقين، يجب ألا نتبنى استراتيجيات وطنية، بل استراتيجية أوروبية”)).

يذكر أن ألمانيا باتت تقترب أكثر من المغرب، لكن لا حدود للغرور الفرنسي فيما يتعلق بنظرة بعض مسؤوليها لدول شمال إفريقيا.. فبينما تؤكد ألمانيا اقتناعها بمبادرة الحكم الذاتي، توجهت فرنسا إلى تقديم دعم أكبر لخصوم الوحدة الترابية في الجزائر، من هنا يغدو السؤال عن مصير السفارة المغربية في باريس ونظيرتها في الرباط، مطروحا أكثر من أي وقت مضى في ظل مطالبة الملك محمد السادس بضرورة اتخاذ مواقف أكثر وضوحا في التعاطي مع القضية الوطنية، وهو ما تلخصه العبارات التالية: ((إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات، لذا، ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس في ذكرى ثورة الملك والشعب).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى