ملف الأسبوع

كيف قلد ماكرون ميتران في العلاقات المغربية الفرنسية

ملف الأسبوع

إن المتتبع لمسار الرؤساء الفرنسيين، وعلاقاتهم مع الدول المغاربية، يلاحظ أنه دائما ما تتحكم في ساكن قصر الإيليزيه نزعة واحدة، وهي إما القرب من المغرب على حساب الجزائر دون الإضرار بالمصالح الفرنسية بالجزائر، أو القرب من الجزائر على حساب المملكة المغربية دون الإضرار بالمصالح الفرنسية بالمغرب، ولإلقاء الضوء على طبيعة هذا المد والجزر، لا نريد أن نتوقف عند كل محطات العلاقات بين البلدين خلال مراحل كل الرؤساء الفرنسيين، بل إننا سنركز فقط على مقارنة مرحلة حكم فرانسوا ميتران وإيمانويل ماكرون، على اعتبار أن سلوك الرجلين متشابه إلى درجة كبيرة، ذلك أن الأول أقام علاقات جيدة مع الجزائر على حساب المغرب منذ استقلال البلدين، وكذلك الحال مع الثاني، ويستعرض هذا الملف مقارنة بين المرحلتين رغم الاختلاف الكبير بين السياقين ووضعية المغرب خلال الفترتين، والهدف من ذلك هو محاولة رسم قراءة مستقبلية للعلاقات بين المغرب وفرنسا في ظل الولاية الثانية لماكرون.. فهل سيطبعها التوتر على غرار ما حدث خلال عقد كامل من حكم فرانسوا ميتران؟

أعد الملف: سعد الحمري

تشابه بين الرئيسين في التقارب مع الجزائر على حساب الرباط

    يمكن ملاحظة أن أوجه التشابه في سياسة الرئيسين ميتران وماكرون، واضحة، خاصة وأن فرانسوا ميتران كان أول رئيس فرنسي يساري منذ عقود، وبالتالي، كان من الصعب على المغرب، منذ حملة هذا الأخير الانتخابية سنة 1981، قراءة أفكاره وخط حزبه الاشتراكي الفرنسي، ونتيجة ما خلفته مرحلة ميتران من توتر بين البلدين، ظلت عقدة المغاربة مع اليسار الفرنسي عالقة منذ مرحلة حكم هذا الرجل.

تتمة المقال بعد الإعلان

وهو ما لوحظ خلال مرحلة حكم فرانسوا هولاند، حيث ظهر واضحا خلال حملته الانتخابية تحفظ المغرب منه بدرجة كبيرة، لسببين: الأول نتيجة عقدة المغاربة من اليسار الفرنسي، والثاني، بسبب تصريحات هولاند أثناء حملته الانتخابية والمطالبة بضرورة مراجعة علاقة فرنسا بكل بلد لا يحترم الديمقراطية، والتركيز على استحضار حقوق الإنسان بدون لبس، والدفاع عن الديمقراطية في علاقات فرنسا مع العرب، وخاصة منطقة المغرب العربي.

وكذلك الحال مع إيمانويل ماكرون، فحزبه “الجمهورية إلى الأمام”، الحديث التأسيس – على اعتبار أنه تأسس سنة 2016 – يشكل أول تجربة، ومن الممكن أن يكون المغاربة قد تحفظوا في التعامل معه منذ مرحلة تأسيسه، نتيجة تجارب المغاربة مع التجارب السياسية الأولى لبعض الأحزاب في فرنسا كما هو الحال مع الرئيس فرانسوا ميتران.

ويعتبر أول قاسم مشترك بين الرئيسين الفرنسيين موضوع المقارنة، هو التركيز على الجزائر، ومحاولة ربط علاقات قوية معها على حساب المغرب، رغم وجود اختلاف بسيط بينهما، وهو أن الأول كان واضحا منذ حملته الانتخابية خلال سنة 1981، عندما أكد أنه سيزور الجزائر في حالة فوزه، وسيربط معها علاقات قوية جدا، وهو ما تأتى له بالفعل، حيث كان أول ما قام به هو زيارة الجزائر، وخلال مرحلة إعداده للزيارة كانت الأنظار كلها موجهة صوب المغرب تنتظر موقفه من الرئيس الجديد.

على هذا الأساس، وعندما قرر الرئيس الفرنسي الجديد زيارة الجزائر كأول وجهة إفريقية، طرحت العديد من التساؤلات حول تفضيله الجزائر على المغرب، وقد كان ذلك موضوع سؤال وجه للملك خلال ندوة صحفية عقدت يوم 27 نونبر 1981، ليجيب الملك الراحل الحسن الثاني: ((لماذا سأغار من ذلك؟ فالرئيس الفرنسي لا يعيش بين خليلاته؟ إنه يزور من يشاء، بل إنني تمنيت أن يبدأ بالجزائر، وسواء بدأ بزيارة المغرب أو الجزائر، فلا يمكنه أن يتحدث لهذا الجانب أو ذاك إلا عن السلام والتفاهم والتعاون، وخلال حملة الرئيس الفرنسي الانتخابية، تحدث عن زيارة الجزائر، فمن الطبيعي – كما قال ذلك بنفسه – أن يلتزم الرئيس ميتران بالوعود التي قدمها المرشح ميتران، وبعد هذا، يمكنني القول إننا نتحادث إما هاتفيا أو بواسطة مبعوثين شخصيين، حيث تجمعني والرئيس الفرنسي علاقات متقاربة وعلاقات خاصة من الوجهة السياسية إذا أمكن التعبير بهذه الطريقة)).

تتمة المقال بعد الإعلان

ويبدو أن نفس الأمر تكرر وبطريقة أخرى مع إيمانويل ماكرون، فرغم أن الرجل خلال حملته الانتخابية لولايته الأولى سنة 2017، صرح من الجزائر بأن الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، وهو ما استقبلته الجزائر بكونه خطابا تصالحيا معها، وبعد انتخابه، قام ماكرون بسلسلة مبادرات من أجل تنقية الذاكرة بين البلدين، سعيا للمصالحة بين الشعبين، لكنه لم يذهب إلى حدّ تقديم اعتذار عن الاستعمار، وهو موضوع حساس للغاية في فرنسا حيث يجد الخطاب القومي المتطرف مزيدا من الآذان الصاغية.

إليزابيت بورن في زيارتها للجزائر يوم 9 أكتوبر 2022

غير أنه في شهر شتنبر 2021، تقلّصت الآمال بحصول تقارب بعد تصريح لماكرون انتقد فيه “النظام السياسي العسكري” الذي يقوم على “ريع الذاكرة”، مشيرا إلى أن “الأمة الجزائرية” لم تكن موجودة قبل الاستعمار في سنة 1830، وردّت الجزائر باستدعاء سفيرها، وهو ما تمت قراءته بأن ماكرون تعرض لضغوط من قبل حلفائه في الحكومة ليخرج بهذه التصريحات المعادية للجزائر.

إلا أن الذي حصل، هو أن إيمانويل ماكرون راهن أثناء حملته الانتخابية للولاية الثانية على أصوات الجالية الجزائرية في فرنسا، وهو ما تمكن من الحصول عليه، لكن يبدو أن الرئيس الفرنسي خلال ولايته الثانية كان متحررا من ضغط حلفائه في الحكومة، الرافضين للتقارب مع الجزائر على حساب المغرب، فالرجل ليس لديه ما يخسره في الأصل، لأن الدستور الفرنسي لا يسمح للرئيس إلا بولايتين فقط، وهو ما اتضحت ملامحه منذ اليوم الأول لفوزه بالانتخابات الرئاسية.

فإذا كانت رسالة التهنئة التي بعث بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى نظيره الفرنسي، رسمية وخالية من محاولة رسم مستقبل العلاقات بين البلدين، فإن البرقية التي بعث بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كانت خلاف ذلك، حيث أنها كانت قوية وتعبر عما تعقده الجارة الشرقية على الولاية الثانية لماكرون من آمال.. ولا تعبر عن التهنئة فقط، بل إنها شكلت دعوة إلى تسريع عودة العلاقات بين البلدين، حيث وجه الرئيس الجزائري من خلالها دعوة إلى ماكرون لزيارة الجزائر، وهي الدعوة التي لباها الرئيس الفرنسي، والتي كان من نتائجها زيارة رئيسة الوزراء الفرنسية إلى الجزائر مصحوبة بنصف وزراء الحكومة الفرنسية.

موقف ماكرون من الصحراء المغربية هو نفس موقف ميتران

    يحضر ملف ثاني يجعل وجه المقارنة قائما بين الرئيسين، وهو الموقف من قضية الصحراء المغربية، فالقاسم المشترك بين مرحلتي حكم الرجلين طبعته مواقف متطرفة من قضية المغرب الأولى، بنفس الطريقة، حيث أن التعبير عن الموقف منها لا يكون عن طريق الحكومة وإنما بواسطة أحزاب سياسية مشاركة في الحكومة.

فقد لوحظ خلال الأيام الأخيرة وبالموازاة مع التقارب الفرنسي الجزائري، بداية مناورات فرنسية بخصوص قضية الصحراء، والتي تجلت بقوة خلال المدة الأخيرة، من خلال استقبال وفد يمثل مرتزقة البوليساريو، ترأسه محمد سيداتي، ممثل الكيان الوهمي بفرنسا، والانفصالية سلطانة خيا، بباحة البرلمان الفرنسي، وكان في استقبال هذا الوفد الوهمي داخل البرلمان الفرنسي، رئيس ونائب في البرلمان الفرنسي، وجاءت هذه الخطوة أياما قليلة بعد الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 20 غشت بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب، والذي أكد أن ((قضية الصحراء هي المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به المغرب صدق الصداقات…))، والغريب أنه سمح لها برفع علم البوليساريو داخل مقر البرلمان الفرنسي، وقد رأى الكثير من المهتمين أن استقبال الانفصالية المثيرة للجدل، والسماح لها برفع علم كيانها الوهمي داخل مؤسسة دستورية فرنسية، يحمل رسائل سياسية سلبية تجاه المملكة، وعلى المغرب أن يتحرك في هذا الاتجاه لمحاصرة الانفصاليين، غير أن المملكة لم تقم بأي رد على هذه المبادرة، ولم تصدر أي بيان بهذا الخصوص.

ونفس الأمر حدث خلال مرحلة فرانسوا ميتران، ففور فوز الحزب الاشتراكي الفرنسي بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، بدأ يلوح في الأفق تغيير جديد في العلاقات بين المغرب وفرنسا، فقد ظهر تقارب واضح بين الحزب الحاكم الجديد في فرنسا والجزائر، وترجم ذلك بسرعة من خلال دعوة الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي أصبح يتوفر على أغلبية برلمانية جديدة، إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية الذي كانت تنادي به الجزائر وجبهة البوليساريو، وقد كان هذا الأمر بمثابة المنعطف في علاقة الرباط بباريس.

زيارة ميتران للمغرب ( 27 يناير 1983 )

ومن جهته، لم يتأخر المغرب في إبداء رأيه من هذا الموقف الجديد، إذ عقد الملك الراحل الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا يوم 1 يونيو 1981 بالرباط، خصص لقضايا فرنسا وأمريكا وقضية الصحراء المغربية، وكان من بين أهم القضايا التي تفاعل معها رجال الصحافة، موقف المغرب من دعوة الحزب الاشتراكي الفرنسي لتقرير المصير في الصحراء المغربية، حيث طرح السؤال التالي من طرف جريدة “لاكروا”: “صاحب الجلالة، إن المشاكل المرتبطة بنزاع الصحراء لا تأتي فقط من الدول الإفريقية، ولكنها قد تأتي من بعض الدول الغربية ومن بينها فرنسا، التي تتوفر على أغلبية جديدة، خاصة وأن الحزب الاشتراكي دعا إلى تقرير المصير بالنسبة للصحراويين، فكيف سيكون رد فعلكم إزاء فرنسا؟” فكان رد الملك كالتالي: ((ليس من الحكمة الخلط بين وضعية داخلية فرنسية وقضية إفريقية، لقد غيرت فرنسا رئيسها، ولكنني لا أظن أنها غيرت سياستها حيال إفريقيا، وإضافة إلى ذلك، وفيما يرجع للصحراء، لا أظن أن الرئيس جيسكار ديستان والرئيس الحالي فرانسوا ميتران يختلفان في اعتبار أن المشكل يتطلب حلا سياسيا، لقد كان الرئيس السابق يؤكد لي وجوب إيجاد حل في إطار إفريقي، أضف إلى ذلك، أن الأفارقة أظهروا اقترابا أكثر إلى الواقع، فلو قاموا بتحليل الطبيعة الحقيقية للبوليساريو كمنظمة تحرير، لكانوا قد فهموا أنه لا يتوفر على المعطيات التي تعرف بها منظمات التحرير، ولو عادوا إلى الوراء بضع سنوات، لاتضح لهم أن البوليساريو ظهرت كمنظمة تحرير بعد انسحاب الإسبانيين من المنطقة، ونتيجة لذلك، لم تطلق رصاصة واحدة ضد أي جندي إسباني، وأخيرا، كان على الأفارقة أن لا يتركوا لدول أخرى غير إفريقية إمكانية التدخل والاستقرار في القارة)).

وختم الملك جوابه عن هذا السؤال بمحاولة توضيح أنه يجب التفريق بين موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي وموقف الحكومة الفرنسية، حيث عبر عن ذلك قائلا: ((وأكاد أكون على يقين بأنه خلال الاتصالات التي ستتم بيننا، سواء مباشرة أو بكيفية غير مباشرة، فإن الرئيس ميتران يعرف أنه يتكلم من موقع قصر الإليزيه وليس من شارع سولفيرينو، وهذا شيء مهم، خاصة وأن الأمر يتعلق برجل عرف بخبرته السياسية)).

وبعد هذه الندوة الصحفية بشهر، عقد الملك ندوة أخرى، خاصة وأن الحكومة الفرنسية كانت قد أعلنت عن موقفها من قضية الصحراء المغربية، والذي جاء بخلاف موقف الحزب الحاكم، وهنا ظهر أن المشكل لم يكن بين المغرب والحزب الحاكم، وزكى الملك الحسن الثاني فكرة وجود مشكلة بين المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة الفرنسية، وقد تجسد ذلك في الندوة الصحفية الملكية المنعقدة يوم 2 يوليوز 1981 بالقصر الملكي بالرباط، حيث طرح عليه السؤال التالي: “صاحب الجلالة، لقد عقدتم ندوة صحفية قبل نحو ثلاثة أسابيع، وكان قد وقع تحول حكومي في فرنسا آنذاك، وقد نذهب بعيدا ونقول أنه وقع تحول في النظام في فرنسا، فهل تبدد ذلك القلق الذي أعربتم عنه وقتها بكيفية ضمنية؟”، فأجاب الملك بوضوح قائلا: ((الحقيقة أن القلق الذي خامرني غداة تغيير رئيس الجمهورية، لم يكن مصدره رئيس الجمهورية نفسه، ولكن حزبه أو أجنحة من حزبه كانت لها مواقف مجسمة بذهابها إلى الجزائر والتقائها ببعض الأشخاص، إنني كنت أعلم علم اليقين بخصوص ميتران – وأنا أعرفه منذ سنة 1956 – أن السيد ميتران المعارض لن يكون هو السيد ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية، ثم إن هذا القلق والارتباك أو الشك، لم يدم سوى بضعة أيام ثم سجلت فرنسا موقفها في رسالة من أربع صفحات واضحة لا تردد فيها بخصوص موقف الحكومة الفرنسية، وكنت فعلا أخشى أطرافا معينة من الحزب الاشتراكي، لكنها أطراف ليست من الدرجة العليا)).

لم يشهد المغرب قطيعة تامة مع فرنسا خلال مرحلة حكم فرانسوا ميتران، بل تبادل الطرفان عدة زيارات، غير أن زيارات فرانسوا ميتران إلى المغرب كانت تتم في ظرفية جد صعبة، أبرز سماتها اعتقال عدد كبير من قيادات ومناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي، مرة بسبب الإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وأخرى بسبب قرار الحسن الثاني إجراء استفتاء في الصحراء، ما جعل حالة من الترقب تسود في الرباط، فأحد رفاق ميتران معتقل وهو الزعيم عبد الرحيم بوعبيد، ما جعل الرئيس الفرنسي يوجه للملك عتابا شديدا، أعقبته أزمة قوية، أججت الخلافات بين فرانسوا ميتران والملك الحسن الثاني خلال عقد الثمانينيات، على خلفية ما وصفه ميتران مرة، بأنه اضطهاد للمعارضة اليسارية، إذ وصلت الأمور إلى حد سحب السفير الفرنسي من المغرب، وازدادت حدة هذه الأزمة استفحالا عقب نشر كتاب “صديقنا الملك”، للصحافي جيل بيرو، ما جعل الأجواء تتوتر أكثر بين الرباط وباريس.

والاختلاف بين الأمس واليوم، يكمن في كون العلاقات باردة بين الطرفين، فالزيارات المتبادلة متوقفة، وهناك اتهامات لفرنسا بأنها تسعى إلى التقارب مع الجزائر من أجل محاصرة المغرب في إفريقيا.. فهل ستظل القطيعة قائمة بين البلدين إلى نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في انتظار رئيس جديد، أم أننا ننتظر مفاجآت؟ ففي عالم السياسة ليس هناك مستحيل.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى