تحليل إخباري | “الحشيش” بين وزارة الثقافة ووزارة الداخلية
الفرق بين التقنين والمجاهرة بالإدمان
بغض النظر عن الدافع الذي جعل وزارة الشباب والثقافة والتواصل تختزل احتفالية الرباط كعاصمة للثقافة الإفريقية في بضعة فنانين، أغلبهم من الجيل الجديد(..)، فإن ما حصل خلال نهاية الأسبوع المنصرم على هامش ندوة صحفية خصصت لتقديم “الفنان” الشاب “طوطو” الذي ينتمي لجيل الشباب الذين لا يلتزمون بالضوابط المعروفة في التواصل وانتقاء العبارات الغير خادشة للحياء العام، يستحق وقفة للتأمل في المشروع “الشبابي” و”الثقافي” الذي تعمل عليه الوزارة في عهد الوزير الشاب المهدي بنسعيد.
إعداد: سعيد الريحاني
برعاية وزارة الثقافة.. افتخر “المغني” الذي يسمي نفسه “طوطو”، الذي تعد مقاطعه من بين المقاطع الأكثر انتشارا، بتعاطيه لـ”الحشيش”، بل إنه حدد حتى الأماكن التي يتم اقتنائه منها، والأدهى من ذلك، أنه أعلن ذلك في ندوة وصفت بأنها “ندوة صحفية”، ولم يقف عند هذا الحد، بل إنه صعد على منصة الحفل الذي تقول وزارة الثقافة إن الحضور فيه تجاوز 170 ألف متفرج، وكرر كلاما ساقطا، برعاية حكومية، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها هذا النوع من الأنشطة، بل إنه استعمل أسلوبا ساقطا ليشكر وزارة الثقافة، وسجل له أكثر من تفاعل ساقط مع الجمهور.
في إطار السقوط الكبير الذي تشهده القيم، لم يعاقب “الفنان طوطو”، الذي يفوق عدد معجبيه منخرطي بعض الأحزاب السياسية، ولكن من الناحية السياسية، يبقى السؤال مطروحا عن مسؤولية الوزير المهدي بنسعيد، والحكومة التي ينتمي إليها، والحزب الذي ينتمي إليه في المجاهرة بنشر “قيم الانحطاط”؟ وهل كان من اللازم توريط الحكومة في السقوط داخل الهوة الكبيرة بين القانون والممارسة؟
من الناحية السياسية، تعد الحكومة مسؤولة عن أفعالها، لكن هناك تناقضا كبيرا بين وزارتين على الأقل، هما وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة الداخلية التي يوجد على رأسها عبد الوافي لفتيت، ذلك أن هذه الأخيرة هي التي تزعمت مشروع “تقنين زراعة الحشيش” لدواعي طبية صرفة، بينما تقوم وزارة الثقافة باحتضان مروجي استهلاكه والفرق كبير بين الحالتين..
ومن الناحية الثقافية، يمكن تفسير لجوء وزارة الثقافة إلى تشجيع هذا النوع من “الفنانين” الشباب، الذين يرتدون نظارات سوداء في الليل ما يعني انعدام الرؤية في بعض الحالات(..)، إلى حاجة الأحزاب السياسية إلى الشباب، وقد تزعم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه الوزير بنسعيد، لمدة طويلة، مطالب تقنين زراعة “الحشيش”، بل إن واحدا من أقطاب حزب الأصالة والمعاصرة وقف ذات يوم وسط الحشود في وزان، وهو العربي المحارشي، ليدعو علانية إلى “التشجيع على زراعة الحشيش”، بل إنه تحدى الدولة في سنة انتخابية بامتلاكه لأشرطة تؤكد تورط الأجهزة الأمنية في تلقي رشاوي من مزارعي “الحشيش”، وهو ما ضمن له الشعبية التي مكنته من الاستمرار في النجاح في الانتخابات.

وليس هذا فحسب، بل إن حزب الأصالة والمعاصرة، سواء في عهد التأسيس الأول، أو في عهد الأمين العام إلياس العماري، أو خلفه حكيم بنشماس، كانت الدعوة إلى تقنين زراعة القنب الهندي أحد مرتكزات الحزب، بل إن الأمر وصل إلى حد تنظيم ندوات في الموضوع داخل البرلمان المغربي، للتمهيد لهذا النوع من النقاش الذي لا يلقى دائما الترحيب من طرف بعض الأطراف السياسية الأخرى، ولكنه نقاش كان يتجدد في كل مرة لدواعي انتخابية.
وتطرح رعاية وزارة الثقافة لمغني يجاهر بتناول “الحشيش” عدة إشكالات قانونية، وإلا فما فائدة الفصل 8 من ظهير 21-05-1974 الذي يقول إن ((عقوبة الاستعمال أو الاستهلاك للمواد المخدرة هي الحبس من شهرين إلى سنة، والغرامة من 500 إلى 5000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، بغض النظر عن ظروف التخفيف أو التشديد))؟ ولماذا يطبق هذا القانون على البعض ولا يطبق على البعض الآخر؟
الإشكال الثاني الذي تطرحه التناقضات بين الرؤية لـ”الحشيش” كما تراه وزارة الداخلية و”التنزيل العملي” الصادر عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، سبق لوزير الداخلية أن قدم شرحا مفصلا لما يعنيه “تقنين الحشيش”، وهناك فرق كبير بين تقنين الزراعة لأغراض مشروعة وتقنين الاستهلاك(..).
خلال شهر أبريل 2021، قال عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، بالرباط، أن ((مشروع القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، يروم تحسين دخل المزارعين وخلق فرص واعدة وقارة للشغل))، مؤكدا في معرض تقديمه لمشروع القانون أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، أن ((تطوير الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي لا يخلو من أهداف اجتماعية، تتمثل في تحسين دخل المزارعين وحمايتهم من شبكات التهريب الدولي للمخدرات، وخلق فرص واعدة وقارة للشغل ومدرة للدخل)).
وبخصوص المقتضيات المتضمنة في مشروع هذا القانون، أفاد الوزير بأنها جاءت موزعة على تسعة أبواب، حيث ينص الباب الأول على أحكام عامة توضح بمقتضاها مختلف المفاهيم ذات الصلة بمجال تطبيق هذا القانون، كما تسن نظاما للترخيص كشرط لازم لممارسة مختلف الأنشطة المندرجة في إطار الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي والمتمثلة في زراعة وإنتاج وتحويل وتصنيع وتسويق ونقل وتصدير القنب الهندي ومنتجاته واستيرادها، وكذا تصدير واستيراد بذور وشتائل القنب الهندي وإنشاء واستغلال مشاتله.
وبغرض التأطير المجالي والنوعي لزراعة وإنتاج القنب الهندي، يضيف لفتيت، فقد تم التنصيص في الباب الثاني، على تحديد المجال الترابي لممارسة الأنشطة المذكورة، حيث تم في السياق نفسه، تقييد الترخيص لزراعة وإنتاج القنب الهندي في حدود الكميات الضرورية لتلبية الحاجيات لأغراض طبية وصناعية وصيدلية.
ومن أجل تقنين ممارسة أنشطة زراعة وإنتاج القنب الهندي بما يمكن من تحقيق الأهداف المذكورة، فقد تم تحديد الشروط الواجب توفرها للحصول على الرخصة اللازمة لذلك، أخذا بعين الاعتبار مبدأ الأفضلية الوطنية من خلال اشتراط التوفر على الجنسية المغربية، وكذا التنصيص على ضرورة السكن بالمجال الترابي السالف الذكر، ومن أجل تأطير ممارسة هذه الأنشطة، فقد تم اشتراط انخراط المزارعين المرخص لهم في تعاونيات تنشأ خصيصا لهذا الغرض، وترتبط بموجب عقود مع شركات تصنيع وتحويل القنب الهندي، أو شركات التصدير المرخص بها من أجل بيع المحاصيل، يقول لفتيت.
وتم تخصيص الباب الثالث من مشروع هذا القانون، للتنصيص على الشروط الواجبة للحصول على رخصة إنشاء مشاتل القنب الهندي واستغلالها أو رخصة تصدير أو استيراد بذوره وشتائله، مع منع بيع البذور والشتائل المذكورة لأشخاص غير مرخص لهم بزراعة وإنتاج القنب الهندي، كإحدى الضمانات الرئيسية لحصر زراعة هذه النبتة على المستفيدين من الترخيص، وفقا للأغراض المشروعة.
وبالنسبة للباب الرابع والمخصص لكيفيات وشروط تحويل وتصنيع القنب الهندي ومنتجاته، أوضح وزير الداخلية، أنه تم التنصيص على استيفاء طالب الرخصة لشروط رئيسية تتمثل أساسا في ضرورة تأسيس شركة خاضعة للقانون المغربي، مشيرا إلى أنه بغرض تأمين جودة المنتوج، أوجب هذا المشروع على الشركات المذكورة التوفر على مخازن مؤمنة ومحروسة للتخزين وضرورة التقيد بدفتر للتحملات، فضلا عن تحديد كيفيات نقل منتجات القنب الهندي.
وبخصوص الباب الخامس، فإن تسويق واستيراد وتصدير المنتجات الصيدلانية الطبية وغير الطبية، يخضع لقانون الأدوية والصيدلة (القانون رقم 04 – 17) وظهير 1922، في حين يخضع تسويق واستيراد وتصدير المنتجات الأخرى للترخيص من طرف الوكالة المختصة، فيما يحدد الباب السادس كيفيات منح الرخص وحالات رفضها، وذلك مع مراعاة المقتضيات المتعلقة بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.
ولضمان التنزيل الأمثل لمقتضيات مشروع هذا القانون، أورد لفتيت أنه تم التنصيص في الباب السابع من مشروع هذا القانون، على إحداث جهاز للحكامة والمراقبة متمثلا في الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي في شكل مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، يعهد إليها بتنسيق مع القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية القيام بمجموعة من المهام، يتمثل أهمها في منح الرخص وتجديدها وسحبها طبقا لأحكام مشروع هذا القانون، والذي تسهر على حسن تطبيقه بتنسيق مع السلطات العمومية المختصة. (المصدر: وكالات).
هكذا تحدث الوزير لفتيت، الذي ترأس مؤخرا انعقاد الاجتماع الأول لمجلس إدارة الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، لكن كل ذلك لا علاقة له بما حصل في المهرجان الذي دعت إليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل.. فهل تكون هذه أولى مؤشرات الخلاف بين أجهزة الداخلية ووزارة الثقافة في شخص المهدي بنسعيد، إذ لا يعقل أن تطبق وزارة معينة القانون بينما وزارة أخرى تشجع على العكس(..) ؟




