تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل تتسبب مصفاة “لاسامير” في سقوط الحكومة ؟

الأبعاد الخطيرة لخرجات الوزيرة بنعلي

سبق لوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، المحسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة، أن قالت بأن الأمن الطاقي للمغرب ليس في حاجة إلى مصفاة “لاسامير”، لكن الوزيرة نفسها عادت مؤخرا لتنفي ما صرحت به سابقا، قائلة بأنه ((لم يسبق لها أن صرحت بأن المغرب ليس في حاجة إلى هذه المحطة لتكرير البترول))، بل إن الوزيرة بنعلي قالت أن ((وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة تدرس حاليا مختلف السيناريوهات التقنية والاقتصادية لإيجاد الحلول المناسبة أخذا بعين الاعتبار مصالح الدولة واليد العاملة وساكنة المحمدية حيث توجد مصفاة “لاسامير”، وسيتم الإعلان عن نتائجها في أقرب وقت ممكن)).

 

الرباط. الأسبوع

 

    لماذا تغير موقف وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بين الأمس واليوم؟ وأي أغلبية حكومية هاته ونحن نقرأ في المواقع أن ((الوزيرة بنعلي تدرس سيناريوهات مشكل “لاسامير” وأخنوش يهاجمها عبر جرائد مقربة منه))، بل إن بعض المواقع دعمت الوزيرة في مواجهة ما سمته “الحملة”، وقالت: ((على الوزيرة بنعلي أن تصمد أمام هذه الحملة التي يقودها أصدقاء أخنوش ضدها لمجرد أنها تجاوبت مع آلاف الدعوات التي تطالب بإعادة تشغيل المصفاة، ما سيمكن المغرب من جني مغانم كثيرة، وبالتالي، حرمان الشركات التي تسيطر على القطاع من أرباح بالملايير من الدراهم.. ويأتي تصريح بنعلي في عز الأزمة التي يعيشها رئيس الحكومة بسبب “الهاشتاغ” الذي يطالبه بالرحيل عن المنصب، نتيجة إخلاله بالوعود الانتخابية، والارتفاع الفاحش في أسعار المحروقات، وباقي المواد الأساسية، ووضع تضارب المصالح الذي يوجد فيه بصفته رئيسا للحكومة ورجل أعمال في نفس الوقت)) (المصدر: موقع gil 24).

نفس المصادر الإعلامية قالت إن بنعلي تعاقب بسبب قولها للحقيقة، بعد أن صرحت في وقت سابق أن مخزون المواد البترولية لا يكفي سوى لمدة 26 يوما، بينما المعايير الدولية تحدد المخزون في ستين يوما.

هكذا قد تتحول محطة “لاسامير” إلى أحد أسباب انفراط عقد الأغلبية الحالية، فالوزيرة بنعلي تنتمي لـ”البام”، وبعض وزراء “البام” يتحسسون رؤوسهم مع تنامي السيناريوهات لتعديل الحكومة الحالية في أي وقت، لكن ما هو الحل بالنسبة لمحطة “لاسامير”؟ ولماذا ظل هذا الملف رهينا بالاستغلال السياسي؟

الحل بالنسبة لمصفاة “لاسامير” سهل، ويمكن طي كل النقاشات بتأميمها، لكن الحكومة ترفض هذا الحل وتفضل مواجهة الشارع بدل التسريع بتنزيله، فماذا يعني إذن، هذا الرفض الحكومي لكل مقترح يتعلق بتأميم شركة “لاسامير”، أو التدخل في سوق المحروقات(..)؟ فقد ((اعتبرت فعاليات نقابية، أن رفض الحكومة تأميم مصفاة المحمدية المتوقفة عن الاشتغال منذ شهر غشت 2015، يفوت على المغرب تأمين حاجياته الطاقية ووقف غلاء أسعار المحروقات التي يعرفها العالم.. وفي هذا الصدد، أوضح الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز الطبيعي، أن رفض الحكومة لمقترحي القانونين المذكورين، يفوت الفرصة على المغرب لإعادة  تشغيل “لاسامير”، سواء لتخزين البترول أو تكريره، وإعادة تنظيم أسعار المحروقات والحد من الغلاء الحالي، وأضاف أن هذا الأمر قد يفهم منه أنه رسالة أخرى بأن الحكومة تنتصر للواقع القائم حاليا، وتشجع على المزيد من ضرب الاحتياطات الأمنية للمغرب في هذا المجال، وهي بذلك تشجع على هذه الأسعار المفتوحة اليوم على كل الاحتمالات التي لا ندري إلى أين ستصل في إطار الاصطدام العالمي الذي مصدره هو الطاقة، وأساسا البترول والغاز، وسجل اليماني، أن رفض مقترح القانونين المذكورين، إلى جانب ما تم الحديث عنه من تفويت للفرصة على البلاد، يعد مصادرة لحق النواب في تشريع القوانين التي تخدم مصالح المغاربة، ويكرس دعاة من يقولون أنه لا جدوى من الحكومة والبرلمان..)) (المصدر: موقع هسبريس/ 4 مارس 2022).

وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي

والمسألة لا تقف عند هذا الحد، فقد سبق لجريدة “الأسبوع” أن نبهت إلى التواطؤ الحاصل بين نزار البركة وعبد اللطيف وهبي وحكومة أخنوش ضد أحسن شركة مغربية (لاسامير) (الأسبوع / عدد 28 أبريل 2022)، لا سيما وأن إعادة تشغيل محطة “لاسامير” كان ضمن المطالب التي عبر عنها كل من حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة إبان الحملة الانتخابية، لكن الملف طوي مباشرة بعد نيل حصتهما من الكعكة الحكومية.

ما مصير هذه المقترحات؟ ولماذا سكت نزار البركة بمجرد نيله نصيبه من الكعكة الحكومية إلى جانب عزيز أخنوش في التجربة الحكومية الحالية، المكونة من أنصار شركة “لاسامير” طالما أن الحليف الآخر، وهو عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، كان بدوره أحد الداعين إلى إعادة تشغيل محطة “لاسامير”، بل إن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين كان يعتبر صفقة تفويت الشركة المذكورة “صفقة فاشلة محاطة بكثير من الشبهات” (تفاصيل أكثر: الأسبوع/ عدد 28 أبريل 2022).

أكثر من ذلك، فقد جعل حزب الأصالة والمعاصرة إعادة تشغيل محطة “لاسامير” واحدا من عناوين حملته الانتخابية التي قادته إلى الدخول في الحكومة، وكتبت الصحافة ما يلي: ((وعد حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه الانتخابي الخاص بالاستحقاقات الانتخابية ليوم 8 شتنبر 2021، بالعمل على إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” وضمان الأمن الطاقي للمغرب، بالإضافة إلى العمل على إحداث هيئة رقابية تضبط مجال المحروقات ومحاربة الاحتكار، وأضاف الحزب في برنامجه مقتضيات أخرى حول قطاع المحروقات، فـ((فيما يتعلق بقطاع المحروقات، ومن أجل تدبير ناجع ومقنن للقطاع، اقترح حزب الأصالة والمعاصرة تطوير العرض العام للوقود البديل، من خلال الوقود العضوي والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي المضغوط وغاز البروبان والهيدروجين، زيادة على دعم تطوير شبكات النقل العمومي الإلكتروني (صناعة السيارات، النقل الحضري..)، كما يقترح البرنامج الانتخابي ذاته، إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” لتأمين نشاط التكرير والتخزين بالمغرب لتقوية الاستقلال الطاقي لبلادنا، وخلق هيئة تنظيمية جديدة للهيدروكاربورات مسـؤولة عن تقنين هوامش الربح ومحاربة حالات الاحتكار)) (المصدر: موقع العمق/ 30 غشت 2021).

المغرب بخلاف دول العالم، يتجه للتخلي عن مصفاة “لاسامير”، بينما توجهت دول عربية أخرى نحو الاستثمار في مصافي تكرير البترول الحكومية بشراكة مع القطاع الخاص، من أجل توفير الاحتياجات الداخلية من المحروقات (الغازوال، البنزين، وقود الطائرات، وغيرها)، حيث تساهم هذه المصافي في توفير أكثر من 60 في المائة من متطلبات السوق الداخلية، خاصة في مصر والسودان والأردن، وذلك بفضل الاستثمارات التي قامت بها الحكومات السابقة في قطاع تكرير البترول ومشتقات النفط وحافظت عليها الدولة بشراكة مع القطاع الخاص.

وحسب دراسة لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول “أوابك”، فإن صناعة التكرير في الدول العربية شهدت تطورات مهمة في العقود الماضية في ظل ارتفاع الطلب على المشتقات النفطية في الأسواق المحلية، خاصة وقود النقل، والغازوال والبنزين، وذلك نتيجة النهضة الاقتصادية وتنامي عدد من وسائل المواصلات في الدول العربية، مضيفة أن قطاع إنشاء مصافي النفط كان الهدف منه تلبية حاجة السوق المحلية لكل دولة، وفي بعض الحالات، كانت الحكومة تلجأ إلى إنشاء عدة مصافي في مناطق متفرقة داخل الدولة الواحدة، وذلك بهدف تلبية حاجة تلك المناطق من المنتجات النفطية وتفادي تكاليف النقل.

متظاهرون يطالبون بإعادة فتح مصفاة “لاسامير”

في هذا السياق، يقول الحسين اليماني، خبير في الطاقة والبترول، أن ((جميع المصافي الموجودة في العالم غالبيتها مملوكة للحكومة، أو أنها تعمل بشراكة بين القطاعين العام والخاص، لهذا فالدول ملزمة بالتوفر على هذه المنشآت الحيوية من أجل توفير الاحتياجات الداخلية بالنسبة لشعوبها واقتصادها))، مشيرا إلى أن ((الطاقة البترولية يجب تأمينها عبر ثلاثة مفاصل أساسية: المفصل الأول، عبر التوفر على المادة الخام التي يجب إنتاجها في البلاد، و المفصل الثاني، المرور إلى تكرير البترول، والمفصل الثالث، تخزين المنتجات النفطية، وذلك لأجل تحقيق الأمن الطاقي للبلاد، وفي هذا الإطار، تم إنشاء مصفاة “لاسامير” عبر شراكة بين الدولة ومستثمر أجنبي)).

وأضاف الخبير اليماني، أن ((جميع الدول تمتلك مصافي، سواء كانت منتجة للبترول أو غير منتجة، كمثال على ذلك البلدان الأوروبية التي تتوفر على مصافي التكرير، لأنها تعتبر منشآت أساسية لتأمين الطاقة، خاصة وأن العالم اليوم يعرف خصاصا كبيرا في المادة الأولية وخصاصا آخر في المادة الصافية بسبب تراجع الاستثمارات في قطاع التكرير، مما أدى إلى غلاء النفط الخام، ثم غلاء تكرير مادة البترول)) مؤكدا أن ((المغرب اليوم يستورد ما بين 45 إلى 50 في المائة من منتجات البترول من الدول غير المنتجة والمتواجدة في البحر الأبيض المتوسط، بمعنى أن البلدان التي تهتم بالصناعة التكريرية تحقق قيمة مضافة وعائدات مالية مهمة بالنسبة لها، وتحافظ على العملة الصعبة من خلال شراء المادة الخام عوض المادة الصافية، بينما نجد المغرب يصرف 30 مليار درهم من العملة الصعبة لاستيراد الغازوال، وهي تعادل كلفة شراء القمح سنويا)).

وبخصوص استراتيجية الدول العربية في مجال الطاقة، والتي نقدمها على سبيل المثال، قال الحسين اليماني، أن مصر بلد الـ 90 مليون نسمة، تتوفر على سوق تتطلب استهلاكا كبيرا للطاقة، لذلك عملت الدولة على تأمين الاستهلاك المحلي من الطاقة البترولية، من خلال سياسة التكرير وبناء المصافي أو التخزين، وهذا ما كان المغرب يقوم به سابقا من إنتاج منتجات بترولية من مصفاة “لاسامير” التي كانت تزود دولا أخرى في إفريقيا جنوب الصحراء تتوفر ربما على النفط الخام، لأن قطاع التكرير مسألة أساسية للحفاظ على احتياطي العملة الصعبة عند شراء المادة الخام، ثم تحقيق فوائد اقتصادية ومالية وتنموية في أي بلاد.

فمصر مثلا، تتوفر على 8 مصافي: مصفاة “مسطرد” في القاهرة تنتج 160 ألف برميل يوميا، مصفاة “ميدور” تنتج 100 ألف برميل يوميا، مصفاة “العامرية” 80 ألف برميل يوميا، مصفاة “أسيوط” 90 ألف برميل يوميا، مصفاة “طنطا” 52 ألف برميل يوميا، مصفاة “النصر” 16 ألف برميل يوميا، ومصفاة السويس 60 ألف برميل يوميا، ثم مصفاة “الإسكندرية المكس” بـ 14 ألف برميل يوميا.

أما السودان، فلديها أربعة مصافي لتكرير البترول (مصفاة الخرطوم، مصفاة بور تسودان، مصفاة أبو جابرة، مصفاة الأبيض)، حيث توفر الاحتياجات المحلية للبلاد من المواد النفطية، التي تستوردها الحكومة السودانية من السعودية وبعض بلدان الخليج.

من جهتها، تمتلك سلطنة عمان، البلد غير العضو في منظمة “الأوبيك” مصفاتين: الأولى في منطقة “مينا الفحل” (قدرة إنتاجية بحوالي 105 آلاف برميل يوميا)، والثانية في منطقة “صحار” تنتج 116 ألف برميل يوميا، وتحقق المصفاتان فائضا في إنتاج كافة المنتجات، ويتم تصريف الفائض عبر التصدير إلى الأسواق الخارجية.

وغير بعيد عنا، تتوفر تونس على شركة “الستير” لصناعات التكرير، مقرها بولاية بنزرت، وهي مؤسسة عمومية تشرف منذ سنة 1999 على توريد حاجيات السوق التونسية من المنتوجات البترولية، حيث تبلغ طاقة إنتاج المصفاة المحلية 1.7 مليون برميل سنويا، فيما يتجه هذا البلد المغاربي الصغير نحو إجراء توسعات في المصفاة، من أجل أن يبلغ إنتاجها السنوي 2.3 مليون برميل.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى