تحليل إخباري

تحليل إخباري | كيف تزعمت المافيا محاولة تسميم العلاقة بين المغرب والبلدان الإفريقية

ما بعد حادث الاعتداء على قوات الأمن في مليلية 

سبتة ومليلية، مدينتان مغربيتان محتلتان من طرف إسبانيا، وهما جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، لكن الذين يحبون قراءة الأخبار وتحليل الأحداث، سيجدون أنفسهم في الفترة الأخيرة أمام معطيات غير مسبوقة بالتزامن مع استمرار الصراع بين الغرب (أوكرانيا هي ساحة الحرب) وروسيا، التي تنتمي للمعسكر القوي الذي تقوده الصين، في هذا الصدد، يمكن قراءة الأحداث من خلال القصاصات التالية:

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    ((ناقش حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لأول مرة، توسيع تحالفه العسكري ليشمل ثغري سبتة ومليلية المحتلتين، حسب ما نشرته القناة الحكومية الإسبانية RTVE، التي أشارت إلى إعداده مسودة أولية يرتقب مناقشة تفاصيلها في القمة المنعقدة خلال الأسبوع الجاري بمدريد.. وتبعا للمصدر الإعلامي الإيبيري، تتطرق المسودة الأولية إلى الدفاع عن “سيادة” ووحدة أراضي الثغرين المحتلين، معتبرا أن هذه الخطوة توجه رسائل عديدة إلى روسيا، من خلال التأكيد على الوحدة الأوروبية ضد السياسات البوتينية (نسبة إلى بوتين) بالقارة العجوز، وتنص المادة السادسة من المعاهدة المذكورة، على حماية دول “الناتو” من أي عدوان خارجي أو هجوم مسلح قد يشمل أحد أطراف التحالف بأوروبا، أو أمريكا الشمالية، أو منطقة تركيا، أو إحدى الجزر الخاضعة لمنطقة سيادة أحد الأطراف في منطقة شمال الأطلسي)) (المصدر: موقع هسبريس/ الإثنين 27 يونيو 2022).

حلف “الناتو”، الذي يخوض حربا بالوكالة ضد روسيا باستعمال أوكرانيا، حسب القصاصة سالفة الذكر، يناقش توسيع امتداده إلى داخل التراب المغربي، ولا أحد تحرك أو احتج على هذا التصرف المستفز، نظرا لتعقيدات المرحلة(..)، التي زادتها المعطيات المسجلة على أرض الواقع تعقيدا، فهذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها قوات الأمن الوطني ورجال القوات العمومية في مواجهة مباشرة مع جحافل بالمئات مدججة بالأسلحة والهراوات، اختارت التوجه بشكل جماعي، وهستيري إلى السياج “الوهمي” الذي بنته إسبانيا حول مليلية، يوم الجمعة الماضية، وكان الهدف المعلن هو “اقتحامها بالقوة”.

بغض النظر عن المعطيات التاريخية، لم يكن بإمكان المغرب الوقوف متفرجا دون مواجهة “عصابة كبيرة من المقاتلين والمهاجرين السريين”، ذلك أن الجريمة أكبر بكثير من الحديث عن المعطيات الإنسانية، ولا يمكن مواجهة حشد من المهاجمين بالاستعطاف، وهو الأمر الذي يبرر الصرامة التي عبرت عنها السلطات العمومية في المغرب، وقد صرح واحد من المهاجمين على مليلية قائلا: “جئنا لنقاتل القوات المغربية”.

هي إذن، عملية قتالية بالنسبة لهذا النوع من المهاجرين، لكن بعض الجهات، خاصة خصوم المغرب، يحاولون إقناع البعض بفكرة “الدواعي الإنسانية” في محاولة لاستصدار قرارات لإدانة القوات المغربية، لكن كم من الغباء يجب أن يتمتع به المرء لكي يعتبر أن اجتماع مئات المهاجرين بمئات “الزراويط” و”الهراوات”، والتوجه بشكل مباشر للدخول في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن، كان مجرد صدفة؟ كيف تم التحضير لهذا الاجتماع؟ ومن يقوده؟ إذن، لا يعقل أن يتحرك “جيش” بهذا الحجم وبهذه القوة والشراسة في نفس التوقيت(..).

إن أقوى تفسير لما حصل يوم الجمعة الماضية، هو الذي ورد على لسان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الذي قال: ((إذا كان ثمة مسؤول عن كل ما حدث، فهي المافيات التي تتاجر بالبشر))، رغم أن الشق الثاني من تصريحات سانشيز كفيل بإغضاب المغاربة، حيث كان يتحدث عن هجوم على “وحدة بلاده”، لكن الحقيقة عكس ذلك، ولا مجال لمناقشتها الآن(..).

وقد قالت وكالات الأنباء يوم الجمعة الماضية ما يلي: ((أفادت السلطات المحلية لمحافظة الناظور، أن مجموعة من المهاجرين غير النظاميين المتحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، أقدمت صباح يوم الجمعة على عملية اقتحام لمدينة مليلية من خلال محاولة تسلّق السياج الحديدي بين مدينتي الناظور ومليلية. وأوضحت السلطات، في بيان لها، أنه في أثناء تدخل القوات العمومية لإحباط هذه العملية التي شهدت لجوء المهاجرين إلى أساليب جد عنيفة، سُجّلت إصابات بين 140 من أفراد هذه القوات بجروح متفاوتة الخطورة، من بينها خمس حالات خطيرة، فيما رُصدت 76 إصابة بين المهاجرين، من بينها 13 بليغة، وسُجّلت كذلك وفاة خمسة من المهاجرين، فيما سقط بعضهم من أعلى السياج.. وأضافت أن المصابين كافة، سواء أكانوا في صفوف القوات العمومية، أم من بين المهاجرين، نُقلوا إلى مستشفى الحساني في مدينة الناظور والمركز الاستشفائي الجامعي في مدينة وجدة لتلقي الإسعافات والعلاجات اللازمة)) (المصدر: العربي الجديد).

هذا من حيث القصاصات، لكن عطلة نهاية الأسبوع عرفت انتشارا كبيرا لفيديوهات مرعبة، تؤكد حصول مواجهة كبيرة بين قوات الأمن ومئات المهاجرين، ولولا صرامة قوات الأمن لكان العديد منهم في عداد الموتى، خاصة وأن المقتحمين تلقوا الأوامر بالدخول في مواجهة مباشرة مع قوات الأمن، وليس التركيز على محاولة الاقتحام كما حصل في مرات سابقة(..).

لمعرفة أبعاد أي حدث، ينبغي طرح السؤال حول الجهات المستفيدة من ذلك، والجواب عن هذا السؤال، يكفي أن ننظر إلى الطريقة التي غطت بها بعض الجهات هذا الحادث، ولا شك أن أكبر عدو للمغرب في مسألة المهاجرين هو الجزائر، المتورطة حتما في التراخي على حدودها، حيث يتم التراخي في حراسة الحدود، بل إن الجهات الرسمية في الجزائر ترعى عملية نقل المهاجرين نحو الحدود المغربية، لذلك لا غرابة أن تؤكد مصادر دبلوماسية مغربية، أن ((مهاجرين مدربين تسللوا عبر الجزائر هم الذين وقفوا وراء عملية الهجوم، حيث إن العنف المفرط للمهاجمين يشير إلى وجود مستوى عال من التنظيم، وقادة متمرسين ومدربين من ذوي الخبرة في مناطق النزاع)).

ويا لها من خطورة الموقف عندما نتحدث عن قادمين مدربين في مناطق النزاع، وهو ما يعني أن قوات الأمن كانت تواجه مرتزقة، وهدف المرتزقة لن يكون بالتأكيد هو العبور نحو مليلية، بل إثارة الفتنة في البلاد ككل(..).

إن الأفارقة أنفسهم يعرفون أكثر من غيرهم خطورة هذه المشاهد.. فقد اجتمع السفراء الأفارقة المعتمدون في الرباط، مع مسؤولين في وزارة الخارجية، تمخض عنه تصريح أدلى به عميد السلك الدبلوماسي الإفريقي وسفير الكاميرون بالمغرب، محمدو يوسفو، عبر فيه عن ((شجبه للاقتحام الذي أقدم عليه مهاجرون غير قانونيين على مستوى الناظور، مؤكدا أن الدبلوماسيين الأفارقة يقفون، كما كان عليه الحال في الماضي، إلى جانب السلطات المغربية لوضع حد لهذا الوضع.. وتابع قائلا: نحن نقف، كما في الماضي، إلى جانب السلطات المغربية لوضع حد لهذا الوضع الذي لا يشرف بلداننا ولا يشرف إفريقيا بشكل عام، ونحن مستعدون لمواكبة صاحب الجلالة الملك محمد السادس لإيجاد حل دائم لقضية الهجرة، مضيفا أن السلك الدبلوماسي الإفريقي على استعداد للعمل مع المغرب بغية تنسيق الجهود مع البلدان الإفريقية، وأكد قائلا: نعمل مع السلطات المغربية ليتم تحسيس مواطنينا بأن المغرب لا يقوم سوى بحماية أراضيه، وبأن التشجيع على الهجرة غير القانونية أمر غير ممكن)) (المصدر: موقع اليوم 24).

ولا شك أنه من المؤسف أن تقع هذه الأحداث في المغرب وهو البلد الإفريقي الوحيد دون جيرانه، الذي شملت فيه الرعاية الملكية، منذ سنة 2014، الآلاف من المهاجرين الأفارقة الذين تمكنوا من تسوية وضعيتهم داخل المغرب، كما أنه لا مجال للحديث عن العنصرية تجاه الأفارقة في بلد مثل المغرب، حيث يمكن ملاحظة الأفارقة وهم يقتسمون مع المغاربة أسواقهم ولقمة عيشهم بسلاسة، ودون أدنى مشاكل، وهو التسامح المقلق لخصوم المغرب.

فـ((في الوقت الذي انصب فيه اهتمام المغرب على تدبير هجرة مواطنيه بالخارج، والانكباب على إعداد سياسة عمومية تستجيب لحاجياتهم، ويوفر لهم الدعم والمؤازرة أمام ما يعترضهم من مشاكل في بلدان الاستقبال أمام صعوبات الاندماج، في موازاة ضمان ارتباطهم بالمغرب كهوية، ووطن، وقيم، عن طريق خلق وإنشاء مؤسسات دستورية تعنى بذلك، فإن موقع المغرب الجغرافي، القريب من أوروبا، وطباع المجتمع المغربي المتسامح، جعلته نقطة جذب ومسار مفضل لدى المهاجرين الأفارقة، الذين تجمعوا في غابات محيطة بمدن شمال وشرق المغرب، ترقبا لفرصة الهجرة إلى أوروبا: الفردوس الأوروبي، غير أن عسر وشدة المراقبة على الحدود الخارجية لدول “شينغن” وسنها تشريعا، واتخاذها سياسة موحدة في ميدان الهجرة، وخلقها وكالات مختصة في تلك المراقبة “فرونتكس”، وتعاقدها مع دول جنوب المتوسط، والساحل وجنوب الصحراء في القارة الإفريقية ومنها المغرب، في إطار التدبير التعاوني للهجرة من أجل محاربة الهجرة غير النظامية.. كل ذلك جعل المملكة المغربية تتحول إلى بلد استقبال، غير أن المغرب الذي نهج خطة سياسية واستراتيجية جديدة لتمركز قوي في إفريقيا، وحاجته إلى ضمان ود الدول الإفريقية، وحاجته إلى فك كل ألغاز العملية الأمنية في إطار نهجه الاستباقي، ومراعاة لالتزاماته بمقتضى القانون الدولي، وتقديره للجانب الإنساني والتضامني، فقد أقر بوجود أعداد من المهاجرين جنوب الصحراء فوق إقليمه يقدرون بالآلاف، وأعلن منذ سنة 2014 عن نهجه سياسة استثنائية في ميدان الهجرة، بفتح الباب لتسوية الوضعية الإدارية للمهاجرين فوق ترابه، وهي الآن مستمرة منذ منتصف دجنبر 2016)) (المصدر: موقع الجزيرة).

إن المغرب اليوم يواجه مافيا دولية للاتجار بالبشر تحاول الإجهاز على مكتسباته فيما يتعلق بحقوق المهاجرين الأفارقة، وأكثر من ذلك، تحاول الإساءة للعلاقات مع بلدان صديقة في إفريقيا.. فهل هي مصادفة أن يكون عدد من الضحايا ينتمون إلى بلد صديق مثل السنغال، علما أن وكالات الأنباء العالمية كانت تتحدث عن السنغاليين كمواطنين اختاروا الاستقرار في المغرب عوض مواصلة رحلة الهجرة نحو أوروبا؟

تختلف أسباب اختيار المغرب كبلد للاستقرار باختلاف الفئة التي ينتمي لها المهاجر، حيث يضطر المهاجرون غير الشرعيين غالبا للبقاء بعد فشل محاولات الهجرة نحو إسبانيا عبر شواطئ شمال المملكة، أو لعدم توفر المبالغ الباهظة التي تتطلبها الهجرة غير القانونية استعانة بالمهربين، وفي الجهة المقابلة، يتحدث الطلبة أو اليد العاملة المؤهلة، عن محفزات واضحة لاختيار المغرب كبلد استقرار، فـ((أكثر ما حفزني للبقاء والاستقرار في المغرب، هو التشابه الكبير بينه وبين بلدي السنغال، لم أجد فرقا كبيرا في نمط العيش، ثقافاتنا تتشابه لحد كبير وديننا أيضا، وهذا ما ساعدني على التأقلم وعدم الإحساس بالغربة)) يقول باباكار، ملفتا النظر إلى أن سوق العمل أيضا يفتح آفاقا للمهاجرين المؤهلين.. ولعل خديم، أحد هذه الكفاءات التي وجدت لنفسها مكانا في المملكة المغربية، وحول ذلك يقول ((الدراسة الجامعية في المغرب أقل تعقيدا مقارنة مع السنغال.. اندمجت بشكل سلس خلال سنوات الدراسة، طاقم المعهد الإداري والبيداغوجي وزملائي جعلوا مهمة اندماجي أسهل بكثير مما ظننت)) (المصدر: بديلا عن أوروبا.. لماذا أصبح المغرب وجهة استقرار لمهاجرين أفارقة؟).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى