تحليل إخباري

تحليل إخباري | محاولة “إعدام” العلاقات المغربية الروسية

المغرب يتجنب التورط في الحرب الأوكرانية

في مكان خلاء، تحاول شابة مسكينة، معزولة، مقاومة مجموعة من الرجال الذين كانوا يوجهون اللكمات لوجهها الملائكي، وكان واضحا من خلال حالتها أنها تعرضت لهتك العرض، وربما للاغتصاب، فقد تم تجريدها من ملابسها بشكل شنيع، وتبدو على جسدها عدة كدمات، ليتواصل التعذيب بالحجارة وبالعصي لدرجة ينفطر لها القلب، وقمة الرعب والألم، تظهر عندما تشرع الشابة في تلقي الضربات دون مقاومة وكأنها جسد بلا روح.. ورغم عدم وجود توضيح رسمي، إلا أن الذين روجوا هذا الشريط على نطاق واسع باستعمال تقنية “الواتساب”، كتبوا أنها شابة روسية وقعت في قبضة الأوكرانيين، ويسألون أين هي حقوق الأسير(..)؟

 

إعداد: سعيد الريحاني

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    الحرب هي عبارة عن مأساة إنسانية بغض النظر عن الأديان والأعراق والدول، وما قصة الشابة المسكينة إلا واحدة من بين حالات الرعب التي ترافق كل صدام عسكري بين الدول أو مع المرتزقة(..)، وقد كان للمغرب أيضا نصيبه من هذه الحرب والمشاهد المؤسفة بعد أن تناسلت مئات المقالات في المواقع والقنوات العالمية، التي تروج لاعتقال شاب مغربي على يد القوات العسكرية الموالية لروسيا، في جمهورية دونيتسك الشعبية، المعلنة من جانب واحد(..).

هكذا إذن، توالت القصاصات التي تحدثت عن قصة ثلاثة معتقلين، هم المغربي الأوكراني إبراهيم سعدون، الذي تحول من طالب إلى معتقل يواجه حكم الإعدام بتهمة “الاسترزاق”، بالإضافة إلى معتقلين آخرين من بريطانيا، هما أيدن أسلين وشون بينر، وقد تأسف كثير من المغاربة لصورة هؤلاء الشباب، وخاصة إبراهيم الذي تم ترويج صورته حليق الرأس، معزولا في زنزانة، رغم التشويق الذي أضافت بعض المقالات الصحفية التي قالت إن سعدون قال للصحافيين معلقا على حكم الإعدام الصادر في حقه: “يومكم سعيد.. أريد بيتزا”.

سعدون إذن، عنوان لورطة كبيرة تهدد مستقبل العلاقات المغربية الروسية، ذلك أنه لا يمكن للروس والمغاربة، على حد سواء، أن يقبلوا أن يتحول بعض المغاربة إلى مرتزقة في مواجهة العملية العسكرية لروسيا في أوكرانيا، لذلك يعترف سعدون نفسه، ووالده، بأنه حاصل على الجنسية الأوكرانية في محاولة منه للحصول على صفة أسير حرب، وهي المرة الأولى التي يصبح فيها مواطن أوكراني تحت اسم إبراهيم بدل “أرتيم” أو “أندرو” أو “فلاديسلاف” أو “دانيال” أو “فلاديمير”..

وطالما أن سعدون معتقل في صف المواجهة الأول، ومن طرف قوات غير معترف بها(..)، فإن الجواب الرسمي المغربي على قضيته، رغم المغالطات المروجة، لن يكون عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، كما لا يمكن أن نتصور أن تصدر الحكومة المغربية بيانا تدين فيه جمهورية دونيتسك، لأن ذلك يعني عمليا الدخول في مواجهة مع روسيا، وهو ما لم تقدر عليه حتى دول الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو” مجتمعين(..).

تتمة المقال بعد الإعلان
ناصر بوريطة

إن الباب الوحيد الذي يمكن أن يتم من خلاله تخفيف عقوبة إبراهيم سعدون المحكوم عليه حاليا بالإعدام، هو اعتباره مواطنا أوكرانيا حتى يتم التعامل معه كأسير حرب وليس مرتزقا، طالما أنه ذهب إلى الجيش الأوكراني وحصل على الجنسية الأوكرانية بمحض إرادته، وبطبيعة الحال، فهو لم يكن يدافع عن المغرب في تلك البقاع السحيقة(..).

وقد اجتهدت عدة صحف لتروي قصة هذا الشاب، سعدون، على لسان والده، وهي الحكاية التي يمكن أن تُستخلص منها الكثير من العبر، فهذا الأخير يعتبر أن ابنه مواطنا أوكرانيا، وفي نفس الوقت يتهم أوكرانيا بالزج بالطلبة في الصفوف الأولى للمواجهة، حيث تقول القصة ما يلي: ((نشأ إبراهيم، وهو من مواليد مدينة مكناس (150 كيلومترا شمال الرباط)، درس في مدينة الدار البيضاء بحكم عمل والده الطاهر سعدون فيها، وقال والده لقناة “أواصر” التابعة لمجلس الجالية المغربية بالخارج، وهي مؤسسة رسمية تهتم بالجالية المغربية: إن ابنه أخبره بعد اندلاع الحرب، أنه انتقل إلى بولونيا، قبل أن يتبين أن ذلك غير صحيح، وأنه ظل في أوكرانيا ويعمل مع جيشها، وأضاف أنه قلق بخصوص ما فعل ابنه، مضيفا: لو علمت أنه سيلتحق بالجيش الأوكراني لما سمحت له بالسفر، ومنذ صدور خبر اعتقال إبراهيم قبل أكثر من شهر وبث فيديوهاته على قنوات روسية، عزز والده الطاهر سعدون من نشاطه على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة منها “اليوتيوب”، وذكر الأب أن ابنه يدرس بكلية الديناميك الهوائية وعلوم الفضاء التابع لمعهد كييف متعدد التخصصات التقنية، وهو حاصل على منحة، كما حصل على الجنسية الأوكرانية، ويقول الطاهر سعدون، أن ابنه تعرض لغسل دماغ من طرف المخابرات الأوكرانية، وجرى استقطابه للعمل في الجيش الأوكراني، لكنه ينفي في الوقت نفسه أن يكون ابنه مرتزقا، لأنه يحمل الجنسية الأوكرانية)) (المصدر: جريدة الشرق الأوسط/ 12 يونيو 2022).

و((تحدث الطاهر سعدون عن صفات ابنه، وقال إن شخصيته قوية، ومعنوياته عالية، وأنه نابغة يتقن خمس لغات، منها الروسية والإنجليزية، بيد أنه حذر الآباء الذين لهم أبناء طلبة في أوكرانيا، أن يتحققوا من أنهم غادروا البلاد بالفعل.. وقال الطاهر في كلمة مصورة بثت في مواقع التواصل الاجتماعي قبل الحكم على ابنه، إنه جرى استغلال شاب دخيل على الجيش الأوكراني ومن جنسية أخرى، ونقله إلى نقطة المواجهة، وتأسف لوقوع ذلك متهما الجيش الأوكراني بالزج بالطلبة المغاربة ليكونوا وقودا للحرب.

ومن جهتهم، يقول بعض أصدقائه المغاربة: إن إبراهيم التحق بالجيش الأوكراني كجندي، وقد ظهر في صور نشرها في حسابه “الفايسبوكي” وهو يرتدي لباسا عسكريا إلى جانب وحدة من الجيش الأوكراني.. وإبراهيم هو بكر أسرته ولديه شقيقتان تتابعان دراستهما في فنلندا، وقال والده إن إبراهيم نشأ في أسرة متوسطة الحال، وكان مولعا بمجال الطيران، وخطط لمتابعة دراسته في روسيا، ولهذا تعلم اللغة الروسية في المغرب، إلا أنه وجد صعوبة في ولوج معهد في روسيا فاتجه إلى أوكرانيا، وهناك تعلم اللغة الأوكرانية)) (نفس المصدر).

ويا لها من مأساة حزينة، حيث يجد الأب نفسه مضطرا للتعامل مع مئات القنوات الإعلامية للدفاع عن ابنه، وفي نفس الوقت، يتوسل الجهات الرسمية، وغير الرسمية، لإنقاذه من حبل المشنقة، علما أن هذا الابن البكر لم يتشاور مع أبيه منذ البداية.. “الله يسمح لينا من الوالدين” كما يقول المغاربة.

كيف يمكن لأسرة أن تنام وهي تعرف أن ابنها قاب قوسين أو أدنى من الإعدام.. إنه إحساس صعب، لكن حسابات الدول أكبر من حسابات الأشخاص، بل إن استعمال العاطفة في مثل هذه الأمور قد يكون منعدما، فرغم حملات التضامن مع سعدون، إلا أنه لا يمكن للمغاربة أن يتوقعوا الشيء الكثير من هذه الحملات التي تصطدم مع الحرب على أرض الواقع، ولا يمكن للمغرب أن يدخل في مواجهة مع روسيا، خاصة وأن هذه الأخيرة لطالما تجنبت العبث في القضية الأولى للمغاربة، بل إنها لم تصدر أي قرارات تعارض السيادة المغربية على الصحراء، شأنها في ذلك شأن بلد عظيم آخر هو الصين، لذلك يبدو مهما للمغرب الحفاظ على هذا التراكم وعلى علاقاته الجيدة مع روسيا، التي لم تعارض توصله بنصيبه من الحبوب، ولم تدرجه ضمن قائمة “الدول غير الصديقة”.

إن الحفاظ على العلاقات المغربية الروسية في مواجهة كل “الفخاخ”، تعبر عنه الإرادة السامية في كل مرة، رغم المناورات(..)، فقد بعث الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى رئيس فيدرالية روسيا، فخامة السيد فلاديمير بوتين، وذلك بمناسبة احتفال بلاده بعيدها الوطني، ومما جاء في برقية الملك: ((في غمرة احتفال فيدرالية روسيا بعيدها الوطني، يسعدني أن أتوجه إليكم، باسمي الخاص وباسم الشعب المغربي، بأطيب التهاني وأصدق المتمنيات للشعب الروسي بموصول التقدم والرخاء.. وأغتنم هذه المناسبة لأعرب لكم عن تقديري لما يربط بلدينا من علاقات عريقة قائمة على الصداقة المتينة والتعاون البناء والتقدير المتبادل…)).

السند القانوني لاعتبار إبراهيم سعدون أسير حرب

    إن تشبث والد المعتقل المحكوم بالإعدام إبراهيم سعدون، بكون ابنه أوكراني الجنسية كان يقاتل ضمن الجيش الأوكراني، يهدف إلى إبعاده عن تهمة الاسترزاق، ومحاولة الحصول على وضع أفضل في التعامل معه كأسير حرب، وهذه المواد الواردة في اتفاقية جنيف المتعلقة بأسرى الحرب (انظر المواد 3 و4 و5 رفقته)، هي التي تفسر وضعية المعتقل إبراهيم سعدون، رغم أن محكمة دونيتسك اعتبرته مرتزقا(..).

المادة 3:

في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية:

1) الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزين عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة، أو أي معيار مماثل آخر.
ولهذا الغرض، تحظر الأفعال التالية فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين أعلاه، وتبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن:
أ) الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب،
ب) أخذ الرهائن،
ت) الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة،
ث) إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة.

2) يجمع الجرحى والمرضى ويعتنى بهم.
يجوز لهيئة إنسانية غير متحيزة، كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن تعرض خدماتها على أطراف النزاع، وعلى أطراف النزاع أن تعمل فوق ذلك، عن طريق اتفاقات خاصة، على تنفيذ كل الأحكام الأخرى من هذه الاتفاقية أو بعضها.
وليس في تطبيق الأحكام المتقدمة ما يؤثر على الوضع القانوني لأطراف النزاع.

المادة 4:

(ألف): أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية، هم الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو:

1) أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والميليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزء من هذه القوات المسلحة.
2) أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلا، على أن تتوفر الشروط التالية في هذه الميليشيات أو الوحدات المتطوعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة:
أ) أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه،
ب) أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها من بعد،
ت) أن تحمل الأسلحة جهرا،
ث) أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وعاداتها.
3) أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة.
4) الأشخاص الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا في الواقع جزء منها، كالأشخاص المدنيين الموجودين ضمن أطقم الطائرات الحربية، والمراسلين الحربيين، ومتعهدي التموين، وأفراد وحدات العمال أو الخدمات المختصة بالترفيه عن العسكريين، شريطة أن يكون لديهم تصريح من القوات المسلحة التي يرافقونها.
5) أفراد الأطقم الملاحية، بمن فيهم القادة والملاحون ومساعدوهم في السفن التجارية وأطقم الطائرات المدنية التابعة لأطراف النزاع، الذين لا ينتفعون بمعاملة أفضل بمقتضى أي أحكام أخرى من القانون الدولي.
6) سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية دون أن يتوفر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية، شريطة أن يحملوا السلاح جهرا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.

(باء): يعامل الأشخاص المذكورون فيما يلي بالمثل كأسرى حرب بمقتضى هذه الاتفاقية:
1) الأشخاص الذين يتبعون أو كانوا تابعين للقوات المسلحة للبلد المحتل إذا رأت دولة الاحتلال ضرورة اعتقالهم بسبب هذا الانتماء، حتى لو كانت قد تركتهم أحرارا في بادئ الأمر أثناء سير الأعمال الحربية خارج الأراضي التي تحتلها، وعلى الأخص في حالة قيام هؤلاء الأشخاص بمحاولة فاشلة للانضمام إلى القوات المسلحة التي يتبعونها والمشتركة في القتال، أو في حالة عدم امتثالهم لإنذار يوجه إليهم بقصد الاعتقال.
2) الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات المبينة في هذه المادة، الذين تستقبلهم دولة محايدة أو غير محاربة في إقليمها وتلتزم باعتقالهم بمقتضى القانون الدولي، مع مراعاة أي معاملة أكثر ملاءمة قد ترى هذه الدول من المناسب منحها لهم وباستثناء أحكام المواد 8 و1 و15، والفقرة الخامسة من المادة 30، والمواد 58-67 و92 و126، والأحكام المتعلقة بالدولة الحامية عندما تكون هناك علاقات سياسية بين أطراف النزاع والدولة المحايدة أو غير المحاربة المعنية، أما في حالة وجود هذه العلاقات السياسية، فإنه يسمح لأطراف النزاع التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص بممارسة المهام التي تقوم بها الدولة الحامية إزاءهم بمقتضى هذه الاتفاقية، دون الإخلال بالواجبات طبقا للأعراف والمعاهدات السياسية والقنصلية.
(جيم): لا تؤثر هذه المادة بأي حال في وضع أفراد الخدمات الطبية والدينية كما هو محدد في المادة 33 من الاتفاقية.

المادة 5:

تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص المشار إليهم في المادة 4 ابتداء من وقوعهم في يد العدو إلى أن يتم الإفراج عنهم وإعادتهم إلى الوطن بصورة نهائية.
وفي حالة وجود أي شك بشأن انتماء أشخاص قاموا بعمل حربي وسقطوا في يد العدو إلى إحدى الفئات المبينة في المادة 4، فإن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بالحماية التي تكفلها هذه الاتفاقية لحين البت في وضعهم بواسطة محكمة مختصة.

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى