ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | لعبة الإعلام الجزائري لتأزيم العلاقات المغربية الروسية

خلف قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إقالة إيغور بليايف، السفير الروسي لدى الجزائر، وتعويضه بنظيره في الرباط، فاليريان شوفايف، عدة قراءات، خاصة وأنه جاء بعدما تناولت العديد من التقارير أن رئيس الدبلوماسية الروسية بالجزائر، أطلق تصريحات مسيئة للمغرب ووحدته الترابية، حيث اعتبر فيها أن “جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، من حقها تقرير مصيرها”، حسب زعمه.

فقد اعتبر قرار الرئيس الروسي من الجانب المغربي، أنه يُميل الكفة لصالح الدبلوماسية المغربية على حساب الجزائر، التي لطالما اصطنعت خلافات وهمية لنفث سمومها تجاه الرباط، بينما اعتبر الجانب الجزائري أن قرار نقل السفير الروسي بالمغرب إلى الجزائر، انتصارا للدبلوماسية الجزائرية على اعتبار أنه يرجع الفضل لهذا الأخير في تطور العلاقات بين الرباط وموسكو، وبين التحليلين، هناك أسئلة كثيرة تدور حول مغزى هذا التغيير.

ويحاول هذا الملف تتبع التحولات التي وقعت في العلاقات بين البلدين في الآونة الاخيرة، وتسليط الضوء على بعض دلالاتها.

 

أعد الملف: سعد الحمري

 

هكذا احتاجت روسيا للإعلام الجزائري سنة 2021 للتأكيد على قوة علاقاتها مع المغرب

    قامت مجلة “جون أفريك” المتخصصة في الشؤون الإفريقية، ببحث حول رجال الأعمال الروس المقربين من الكرملين ومحاولاتهم الدائمة للاستثمار في المغرب في عدة قطاعات، واقتحام السوق المغربية، لعل أبرزها قطاع الطاقة، إلا أنها فشلت في كل المحاولات، ومنها، حسب نفس الجريدة، أنه في عام 2006، تم الإعلان عن دخول مجموعة مالية روسية كبرى إلى السوق المغربية من أجل الاستثمار في مشروع سياحي بمراكش، غير أن المشروع لم يكتمل وظل يراوح مكانه، ونفس الشيء حصل سنة 2016، بعد الزيارة الرسمية التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس إلى روسيا، حيث وعدت روسيا بتوريد الغاز إلى المغرب، إلا أن المشروع ظل حبرا على ورق مرة أخرى.

وفي ذات السياق، وحسب نفس المجلة، تم في سنة 2019 توقيع اتفاقية مشروع لبناء مصفاة نفط بقيمة ملياري أورو، إلا أن المشروع لم ير النور إلى حدود اليوم، أما عن أسباب توقف هذه المشاريع، فقد خلصت المجلة، نقلا عن مصدر مقرب من الدوائر العسكرية المغربية، إلى ما يلي: ((أعتقد أن السلطات مترددة في فتح أسواقها أمام الأوليغارشية الروسية.. هما قوتان اقتصاديتان بطبيعتهما عشائرية احتكارية إلى حد ما، مما يولد بالتالي عدم ثقة متبادلة)).

هذا فيما يخص الجانب الاقتصادي، أما على المستوى السياسي، فإن هناك إشارات متفاوتة بين البلدين توحي أحيانا بوجود انسجام كامل، ولحظات أخرى تحيل على وجود أزمة، غير أن سلوك الدبلوماسية الروسية تجاه المغرب قبل الأزمة مع أوكرانيا، اتسم بطابع جديد في التأكيد على قوة العلاقات بين البلدين، لذلك وجب التذكير أنه عندما بدأ الحديث عن وجود مشاكل في العلاقات بين المغرب وروسيا خلال شهر أكتوبر من العام الماضي، كتبت جريدة “الشروق” الجزائرية، المقربة من النظام الحاكم، يوم ثامن عشر من نفس الشهر، مقالا بعنوان: ”الجزائر في قلب أزمة عاصفة بين المغرب وروسيا”، قدمت من خلاله معطيات تفيد بوجود قطيعة بين البلدين، وكان الجواب الروسي يومها مباشرا وصريحا.. فقد ردت وزارة الخارجية الروسية على هذا المقال ببيان شديد اللهجة حمل عنوان: “حول التضليل الإعلامي بشأن التعاون بين روسيا والمغرب”، أوضحت في بدايته أن ((المعلومات المضللة التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية، يتم تبنيها من طرف بعض الصحفيين بشمال إفريقيا)).

وتابعت الخارجية الروسية التعليق، بأن ((كاتب المقال الجزائري، يحصي جملة من الأحداث كما لو كانت حقائق: اعتبارا من 5 أكتوبر، بداية من تعليق الرحلات الجوية بين روسيا والمغرب بقرار من الرباط، واستدعاء سفير روسيا الاتحادية فاليريان شوفالوف إلى بلده قصد المشاورات، إضافة إلى تأجيل الدورة السادسة للمنتدى الروسي العربي للتعاون على مستوى وزراء الخارجية، والتي كان من المفترض أن تنعقد في مراكش))، وأضافت أن ((كاتب المقال الجزائري استنتج أن العلاقات الروسية المغربية وصلت إلى الحد الأقصى، وأنها تمر بأزمة رغم أن الأطراف أخفتها بجدية)).

وبعد جلد الصحفي الجزائري بقوة، أفصحت الوزارة الروسية عن أسباب اتخاذ بعض القرارات، سواء من جانبها أو من طرف المغرب، فبخصوص قرار المغرب تعليق رحلاته الجوية، ذكرت أنه ((عند قراءة مثل هذه المقالات، يصطدم المرء بفكرة أن مؤلفيها يتواجدون في عالم موازٍ لعالمنا، وتماما غير مطلعين على وباء كوفيد 19 الذي يجتاح عالمنا منذ عام 2020.. لقد اصطدمت العديد من البلدان، بما في ذلك بلدنا، منذ خريف هذا العام، بموجة جديدة من العدوى، وبهذا الشكل اتخذت السلطات المغربية قرارا بتعليق الرحلات الجوية بسبب تدهور الوضع الصحي والوبائي في روسيا، ولا توجد هناك أي خلفية سياسية))، وزادت: ((أما بالنسبة لغياب رئيس البعثة الدبلوماسية الروسية في البلاد، الذي استخدمه كاتب المقال كحجة على اختلاقاته ذات الطابع السري، فإن الوضع هنا يبدو مختلفا عما يتصوره الصحفي، الذي يؤكد أن الكلام يدور عن استدعاء للتشاور.. ففي الواقع، أن سفير روسيا الاتحادية فاليريان شوفالوف كان في إجازة مُخطط لها، وقد عاد في 24 أكتوبر إلى الرباط، وباشر تنفيذ مهامه)).

وشددت الخارجية الروسية في بيانها على أن ((المعلومات عن العلاقات الروسية المغربية “المتوترة إلى أقصى حد”، بما في ذلك بسبب تعزيز التعاون بين روسيا والجزائر، الذي يكتب عنه الصحافي الجزائري، لا يتوافق مع الواقع، ولا يوجد إلا في خيال مؤلف جريدة “الشروق”)).

وختمت الخارجية الروسية بيانها قائلة: ((ليس سرا أن الكثيرين، بمن فيهم اللاعبين غير الإقليميين، يشعرون بالانزعاج الشديد من تعزيز العلاقات بين موسكو والجزائر ومالي والمغرب، ودول أخرى في المنطقة، ويستخدمون أي وسيلة، بما في ذلك المعلومات المضللة، لدق إسفين في علاقاتنا الثنائية وإلحاق الضرر بها.. إنه لأمر مؤسف أن كاتب “الشروق” الجزائرية لم ينظر بجدية في جوهر القضايا، لكنه قدم ببساطة مادة مزورة على أساس تحليل ملفق – على ما يبدو – على أمل أن يكسب رضى خصومنا)).

إيغور بيليايف

أول تصريح مستفز من السفير الروسي بالجزائر

    لا شك أن الأزمة الأوكرانية الروسية أعطت وضعا جديدا، ويحسب للمغرب أنه اتخذ موقفا محايدا من هذا المستجد، حيث أنه غاب خلال جلستين لمجلس الأمن من أجل التصويت على مشروعي قرارين يدينان روسيا، غير أن الوضع بدأ يتغير شيئا فشيئا، بفعل الضغط الأمريكي على المغرب من أجل اتخاذ موقف مناهض لروسيا، ولعل أبرز معالم ذلك، الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي للمغرب أواخر شهر مارس الماضي، ومن هنا بدأت سلسلة من الأحداث المتقلبة التي زادت من غموض الموقف المغربي من روسيا والعكس صحيح، بطلها السفير الروسي بالجزائر.

فبعد إعلان إسبانيا عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، خلال شهر مارس الماضي، خرج السفير الروسي في الجزائر إيغور بيليايف بأول تصريح مستفز للمغرب، خلال استضافته من قبل قناة “النهار” الجزائرية، حيث صرح بأن روسيا تستغرب تغيير الموقف الإسباني، وأكد أن بلاده تدعم الحلول السلمية بين المغرب والبوليساريو، وتابع كلامه قائلا: ((إن إسبانيا، تاريخيا، تتحمل مسؤولية خاصة تجاه “الشعب الصحراوي” بصفتها كانت مستعمرتها))، وأضاف: ((كما أنه ومنذ عشرات السنين والحكومات الإسبانية تؤيد حق “الشعب الصحراوي”، ولكن نتيجة ضغوطات من بعض الأطراف تغيرت مواقفها)).

وفيما يخص موقف بلاده تجاه قضية الصحراء المغربية، قال السفير الروسي بيليايف: ((نحن نؤيد تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وبالأخص قرارات مجلس الأمن الدولي))، وأن ((بلاده تدعم مجهودات المبعوث الأممي الخاص للأمين العام دي ميستورا))، وأضاف أنه ((التقى دي ميستورا خلال زيارته للمنطقة منذ فترة ولاحظ أن لديه حماسا من أجل دفع القضية نحو الأمام والعمل على استئناف المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، وعلينا أن ندعم هذه الجهود السلمية)) (المصدر: قناة “النهار” الجزائرية، 31 مارس 2022).

يلاحظ من خلال هذا التصريح، أنه معاكس للطرح المغربي، فبينما يشدد المغرب والقرارات الأممية الأخيرة على أن الجزائر طرف في قضية الصحراء، أكد السفير الروسي أن بلاده تدعم المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو، كما نعث محتجزي مخيمات تندوف بكونهم “الشعب الصحراوي”، لكن هذا التصريح لم يخلف أي ردود فعل من طرف الخارجية الروسية، أو من قبل الخارجية المغربية.

وقد شهدت العلاقات بين الجزائر وروسيا – بعد هذه التصريحات – تنسيقا قويا بين البلدين، وزيادة في وتيرة الاتصالات بينها وبين روسيا، وكان أبرز معالمها المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والجزائري عبد المجيد تبون، لكن السفير الروسي بالجزائر عاد ليطلق تصريحات جديدة، فقد وصف المكالمة بـ”الهامة جدا”، مشيرا إلى أنها “بحثت عدة ملفات متعلقة بالعلاقات الثنائية، وأهم القضايا الإقليمية”، وأفاد الدبلوماسي الروسي أن الرئيسين أعربا عن ارتياحهما للعلاقات الاستراتيجية، وأكدا ضرورة تعميق الشراكة، مضيفا أن ((روسيا تنتظر ملاحظات الجزائر على مشروع اتفاق الشراكة الاستراتيجية المعمقة الذي جرى تسليمه للجانب الجزائري))، غير أن المهم من تعليق المسؤول الروسي، هو عندما أكد أن ((التعاون والتنسيق بين البلدين لا يشمل المسائل الثنائية فقط، بل إن هنالك تطابقا في الرؤى بين الرئيسين حيال الوضع في فلسطين، والملاحظ أن الرجل ذكر تطابق المواقف بخصوص القضية الفلسطينية دون قضية الصحراء المغربية، في المقابل، اعتبر المسؤول الروسي أن إسبانيا تتعرض لضغوط من جهات (لم يسمها) من أجل تعديل موقفها من قضية الصحراء المغربية)) (المصدر: “روسيا اليوم”، 21 أبريل 2022).

هل رد المغرب على روسيا بالمشاركة في مؤتمري دعم أوكرانيا ومراكش ؟

    بالتزامن مع هذه التصريحات، والتقارب الجزائري الروسي، قام المغرب بخطوتين تحملان إشارات لروسيا، وهي المشاركة في مؤتمر عسكري دولي لدعم أوكرانيا، الذي عقد في القاعدة الجوية الأمريكية في ألمانيا ”رامشتاين”، حيث مثل المغرب فيه عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، وهي الخطوة التي اعتبرت أنها محاولة من أمريكا للإيقاع بين المغرب وروسيا، وزاد من وضوح الرؤية، أن هناك تحولا في موقف المغرب قادم لا محالة، من شأنه أن يكون معاكسا لروسيا، وهو عندما احتضنت مدينة مراكش مؤخرا، مؤتمرا للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم “داعش”، فإلى جانب نجاح المغرب في ربط الانفصال بالإرهاب في إشارة واضحة لجبهة البوليساريو، تضمن البيان الختامي للمؤتمر إشارات قوية تدين روسيا، وتتهمها بدعم الإرهاب في دول الساحل الإفريقي.. فقد جاء ضمن البيان الختامي ما يلي: ((أشار الوزراء بقلق إلى انتشار الجهات غير الحكومية الفاعلة، بما في ذلك الحركات الانفصالية، وانتشار الشركات العسكرية الخاصة في إفريقيا والتي تزعزع الاستقرار وتحدث مزيدا من الضعف للدول الإفريقية، وذلك من شأنه أن يخدم في نهاية المطاف “داعش” وغيره من المنظمات الإرهابية والعنيفة المتطرفة)).

واضح أنه بقدر ما تضمنت هذه الفقرة انتصارا للمغرب، فإنها احتوت على إدانات شديدة اللهجة موجهة ضد روسيا أساسا، عندما تم اتهام الشركات العسكرية الخاصة العاملة في المنطقة، بأنها عامل من عوامل عدم الاستقرار، في إشارة واضحة إلى شركة “فاغنر” الروسية.. لقد خلف هذا المؤتمر ونتائجه رد فعل من وزارة الخارجية الجزائرية، التي أصدرت بيانا في الموضوع، بينما قام وزير الخارجية الروسي، بالتزامن مع انعقاد هذا المؤتمر بمراكش، بزيارة إلى الجزائر، غير أنه لم يتطرق أبدا لنتائج هذا المؤتمر الذي أدان الشركات العسكرية الروسية النشطة في إفريقيا على اعتبار أنها تدعم الإرهاب.

ورغم هذه الخطوات المغربية، التي ثمنها القائم بأعمال أوكرانيا بالمغرب، حيث قال: ((نثمن مشاركة المغرب في مؤتمر دعم أوكرانيا بألمانيا، والذي كان ممثلا بالوزير المنتدب في إدارة الدفاع عبد اللطيف لوديي.. هذه إشارة مهمة من الجانب المغربي تعكس الوقوف إلى جانب العالم المتحضر، لكننا ننتظر استمرار مثل هذه الخطوات، خاصة وأن هناك اجتماعا ثانيا خاصا بأوكرانيا خلال هذا الشهر))، غير أنه أضاف ((مع الأسف، المغرب لم يتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه، ونحن نحاول أن نتفهم موقف المملكة بشأن النزاع الروسي الأوكراني، لكن يجب الخروج من الحياد، هناك لون أبيض وأسود، وعلى كل دولة أن تختار بين العالم المتحضر والأبيض، وعلى المغرب أن يختار كذلك)) (المصدر: هسبريس، 23 ماي 2022).

وبالموازاة مع ذلك، عاد السفير الروسي بالجزائر ليؤكد بأن بلاده منسجمة مع الجزائر في دعم تقرير مصير “الشعب الصحراوي” والشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعل الرئيس الروسي بعد هذه التصريحات بيومين، يقدم على إقالته.

ومن جانب آخر، شارك وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، يوم 28 من الشهر الماضي، في مؤتمر القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي حول مكافحة الإرهاب والتغيرات غير الدستورية للحكومات في إفريقيا، وأكد في كلمة المملكة، أن منظومة الإرهاب تتطور لتصبح صلة وصل مؤكدة بين الإرهاب والانفصال والجريمة، وذكر بأن مؤتمر التحالف العالمي لهزيمة تنظيم “داعش”، أثار الانتباه لهذه التحولات، غير أنه لم يشر بأي شكل من الأشكال إلى الشركات العسكرية الخاصة ودورها في تغذية الإرهاب في إفريقيا، في تلميح لشركة “فاغنر” الروسية.

فهل يمكن اعتبار عدم تطرق وزير الخارجية المغربي للشركات الروسية الخاصة، موقفا تصالحيا من الرباط مع الروس، ردا على البيان الختامي لمؤتمر مراكش؟

الواقع، أنه من الصعب الكشف أو قراءة تعقد العلاقات المغربية الروسية في هذه الظرفية، خاصة وأن الحرب الروسية الأوكرانية لم تبح بعد بأسرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى