تحليل إخباري

تحليل إخباري | السياسة المغربية بين الحمار والذئب

سقوط حزبي جديد

أغلق السيد جونز (صاحب المزرعة) بيوت الدواجن بحلول المساء، ولكنه كان ثملا جدا، ما أنساه إغلاق النوافذ الصغيرة(..)، وبمجرد أن انطفأت الأنوار بغرفة النوم حتى عم الهرج والفوضى أرجاء المزرعة.. ففي أثناء النهار ذاعت أخبار بخصوص الحلم الغريب الذي راود الميجور العجوز، الخنزير الحاصل على جائزة الخنزير الأبيض المتوسط، في الليلة السابقة، ورغبته في الحديث عن هذا الحلم مع الحيوانات الأخرى، وكانوا قد اتفقوا على ضرورة اجتماع الحيوانات داخل الحظيرة الكبيرة بمجرد أن يخلو المشهد بأمان من السيد جونز، وكان الميجور العجوز يحظى باحترام كل من في المزرعة، ما جعل الجميع على استعداد تام للتضحية بساعة من النوم في سبيل الاستماع إلى ما سيقوله لهم: عند أقصى طرف الحظيرة الكبيرة، وفوق ما يشبه منصة مرتفعة، كان الميجور مسكينا فوق سريره المصنوع من القش أسفل مصباح يتدلى من عارضة خشبية، كان في الثانية عشر من عمره، وكان قد اكتسب وزنا كبيرا حتى صار بدينا، إلا أنه ما زال يبدو خنزيرا مهيبا، ذا مظهر حكيم جبل على حب الخير للآخرين رغم أن نابيه مازالا على حالهما، لم يكسرا مطلقا.. وسرعان ما توافدت الحيوانات على المكان واتخذ كل منهم موضعا يريحه على اختلاف ما يناسب حجم كل واحد منهم، الكلاب الثلاثة، بلوبيل وجيسي وبينشر، كانوا أول الحاضرين، ثم تبعتهم الخنازير، بينما دست الدجاجات نفسها عند حافة النوافذ، ورفرفت الحمائم عاليا.. واضطجعت النعاج والأبقار وراء الخنازير، وأخذت تمضغ الطعام المجتر، وجاء الحصانان المخصصان لجر العربات.. وقبل الحصانين دخلت النعجة موريل، النعجة البيضاء، ثم من بعدها الحمار بنجامين، كان بنجامين أكبر الحيوانات سنا في المزرعة وأسوئها مزاجا، ونادرا ما كان يتحدث..

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    المشهد أعلاه، عبارة عن مقتطف من رواية جورج أورويل، تحت عنوان “مزرعة الحيوانات”، وكان الغرض منها الحديث عن فساد فكرة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، حيث يقول الكاتب أنه شرع في تحليل نظرية ماركس من وجهة نظر الحيوانات..

ولسنا في عالم الحيوان، ولكن الأسبوع الماضي تميز باستعمال “لغة الحيوانات” بين الأطراف السياسية، حيث وصف رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي، رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران بـ”الذئب الشارف”، والتفاصيل تضمنتها عدة مقالات صحفية.. فقد ((اتهم رشيد الطالبي العلمي القيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار، عبد الإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بالسعي نحو خلق الفوضى، وشبهه بـ”الذئب الشارف”، وردا على قول بن كيران بأن “الأحرار ليس حزبا سياسيا وإنما تجمعا لرجال الأعمال”، قال العلمي إن حزبه حزب حداثي وعصري، لا يطرح بدائل للدين ولا للنظام السياسي المغربي، ولا للثقافة المغربية، واعتبر العلمي في كلمة له خلال المؤتمر الجهوي لحزبه بجهة الرباط، أن بن كيران وحزبه لا يريدون الاستقرار للبلد، بل يريدون الفوضى، وتصريح بن كيران برفضه الزيادة في أجور الموظفين ليس حماية لمالية الدولة، بل لأنه يريد أن يخرج الموظفون للشارع، ورفض الاتفاق الاجتماعي أيضا هدفه خروج النقابات والشغيلة للاحتجاج، وهذه هي الأهداف غير المعلنة، وبخصوص الانتقادات التي توجه لوزراء الحكومة بكونهم لا يتوفرون على خلفية سياسية ورصيد نضالي وغير معروفين، قال العلمي: “تا حنا نهار دخلنا ما كناش معروفين.. ولا أحد تولد كايعرف”، وأكد أن وزراء الأحرار لهم التكوين والخلفية المعرفية، ومن يدعي أن له رصيدا نضاليا ودخل إلى السجن، فقد دخل لأنه كان يريد قلب النظام)) (المصدر: موقع لكم/ الأحد 15 ماي 2022).

هكذا تحدث رشيد الطالبي العلمي بين خطاب ينهل من معجم الحيوانات، مرورا بكلام خطير عن اتهام أطراف سياسية بمحاولة قلب النظام(..)، لكن جواب بن كيران كان أكثر من المتوقع، حيث عبر أمام مؤتمر جهوي لحزبه، عن رفضه لتصريحات العلمي الأخيرة التي انتقده فيها، ورد عليه بالقول: ((انت عيب تكون في السياسة في المغرب، كبرنا بالحمار، وإذا كنت أنا ذئب شارف، فأنت غير حْميّر))، وكتبت المواقع عن تفاصيل هذه الواقعة حيث ((هاجم الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار رشيد الطالبي العلمي، وصفا إياه بـ”الحميّر” وبـ”الميكروب السياسي”، وسأل بن كيران الطالبي العلمي: “واش خلصتي الديون والشيكات بدون رصيد اللي عليك، عيب تكون فالسياسة فالمغرب”، وفي الكلمة ذاتها، أشار رئيس الحكومة الأسبق إلى أن “الطالبي العلمي ماكانش راجل فوقت الرجلة، لا هو لا الحزب ديالو.. وتخبّاو موراه سنة 2011، حينما كانت البلاد في مواجهة المجهول”، وكشف بن كيران، أنه هو من رشح الطالبي العلمي لرئاسة مجلس النواب خلال ولايته، ودافع عنه ضدا في الترشيحات المحتملة الأخرى)) (المصدر: موقع بديل أنفو/ 15 ماي 2022).

عبد الإله بن كيران ورشيد الطالبي العلمي

وبغض النظر عن حكاية الذئب.. فقد ((احتل الحمار مكانا متميزا في خطابات رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، في حكايات شبيهة بحكايات جحا، تجمع بين الأمور الغيبية وبين الأحداث الواقعية والحيوانات.. ولعله المسؤول الحكومي الوحيد في تاريخ المغرب الذي كان يستعمل الحيوانات في السياسة، وقد كان من الطبيعي أن يخصص خطابات كثيرة عن الحمار إلى درجة أنه عرّف الوسطية ذات يوم في تجمع خطابي، بأنها “ما دون البغل وفوق الحمار”، وحتى عندما فكر خصوم رئيس حكومة حزب العدالة والتنمية، في بدايتها، في توجيه ضربة سياسية له، استعملوا الحمير، حيث شارك ستة حمير في احتفالات فاتح ماي، ولم يكن أحد يتصور وقتها أن الخطاب السياسي قد ينحدر مع وصول موجة الشعبويين إلى مناصب السلطة، إلى هذا المستوى، إذ كانت الحمير تتجول وسط المتظاهرين في شارع محمد الخامس بالرباط، ولأن بن كيران بارع في فهم هذه اللغة أكثر من خصومه، فقد علق على تلك المسيرة المنسية قائلا: “إن الحمير كانوا مساكين لأنهم لم يأخذوا مقابلا”، ففتح الباب بذلك أمام التأويل، وتكررت نفس الواقعة في حديثه مع الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، عن طرق اشتغال المعارضة في البلدين، حيث نقلت الصحافة عن بن كيران قوله للمرزوقي: “عندنا في المغرب المعارضة وحزب الاستقلال بزعامة شباط لم تكتف بإنزال الناس للشارع للتظاهر ضد الحكومة، بل أنزلوا حتى الحمير المسكينة إلى الشارع للتظاهر ضدي”، وقال في تصريحات إعلامية موجها كلامه لشباط: “خلي عليك الحمير فالتيقار”)) (المصدر: تعليق سعيد ابن عائشة في ركن “زاوية حادة”: هسبريس/ 24 مارس 2021).

وسواء تعلق الأمر بالذئب أو الحمار، فإن قصتهما، رغم أنهما لم يجتمعا في السياسة المغربية، إلا أنهما اجتمعا في الحكايات الشعبية، وما دامت السياسة قد نزلت إلى هذا الحد، يمكن للصحافة أيضا أن تعكس الواقع، بالتذكير بلغة الحمار والذئب، وتقول الحكاية: “إنّ الذئب اختلف مع الحمار ذات يوم على لون العشب، حيث قال الحمار: لون العشب أصفر، لكن الذئب قال: لون العشب أخضر، واختلفا كثيرا، ولم يصلا إلى حل، وأخيراً قررا أن يتحاكما إلى ملك الغابة.. بدأت المحاكمة، وكل أدلى بحُجّته، وعند إصدار الحكم، تلهّف الجميع لسماع كلمة العدالة، وإذا بالأسد خيّب آمال الحاضرين في جلسة الحكم، فقد حكم على الذئب بالسجن لمدة شهر واحد، وببراءة الحمار! فاستنكر الذئب وقال: سيّدي، أليس لون العشب أخضر؟ قال الأسد: بلى، قال الذئب: إذن، لماذا حكمت عليّ بالسجن وأنا لم أخطئ الرأي؟ قال الأسد: صحيح إنك لم تخطئ الرأي، لكنك أخطأت عندما جادلت الحمار على مسألة كهذه، لذلك أمرت بسجنك لكي تعتبر ولا تجادل من لا يستوعب ولا يفهم وليس أهلا لذلك!)) (المصدر: وكالات).

الحكاية الشعبية انتهت بسجن الذئب.. لكن تبادل اتهامات من هذا النوع من لدن السياسيين المغاربة، لم ينته بعد، فهم محصنون ضد بعضهم البعض، والضحية هو الشعب، الذي يجب أن يطرح سؤالا عن مكان تصنيفه بعد انتشار خطابات من هذا النوع على لسان من يصوت عليهم، بل إن أخطر تصريح من هذا النوع سبق أن تناولته الصحافة المغربية ولم يلتفت إليه أحد، ولم يحاكم أحد بالمناسبة، إذ ((يمكن للمرء أن يتخيل حمارا يتكلم باسم شريحة معينة في حفل باذخ(..)، بل إن الأمر وصل أوجه في المغرب، بعد إعلان مشاركة الحمير في مسيرات ضد الحكومة، لكن هل تخيلتم في حياتكم حمارا برلمانيا، الجواب على لسان برلماني قديم من حزب الاتحاد الاشتراكي (سابقا): “نعم في البرلمان بعض النواب حمير مجمكين مصمكين”.. هكذا تحدث عبد الهادي خيرات سنة 2011، وباستثناء رد محتشم من طرف بعض النواب، فإن ممثلي الأمة تقبلوا ما صدر في حقهم، تماما كما تقبلوا وصفهم بالأكباش فيما بعد(..)، والذين يعرفون خيرات يعرفون أن الرجل بلهجته العروبية السطاتية، يمكن أن يقول أي شيء وفي أي وقت بغض النظر عن الزمان والمكان، لكن التوقف عند أحد تصريحاته يبدو ضروريا.. فقد قال القيادي الاتحادي الذي كان يتحدث عبر القناة الثانية: “إن ثلت أو ربع البرلمان من تجار المخدرات.. يخجل المرء من هذا الوضع، كيف يمكن إقناع المغاربة بالمشاركة في الانتخابات والحالة هاته.. من المؤكد أن الجميع يتحمل المسؤولية، لكن الدولة هي المسؤول الأول عن هذا الوضع الذي وصلنا إليه، لماذا لم تمنع تجار المخدرات من الترشح للانتخابات؟”)) (المصدر: الجريدة الأولى/ عدد 30 شتنبر 2009).

هي إذن، فصول من السياسة المغربية، تتغير بتغير السنوات، ولكن الضحية دائما هو الحمار، لأن هذا الأخير لا يملك القدرة للدفاع عن نفسه في ظل تشرذم “الصف الحميري”، وفي ظل غياب إطارات يمكنها أن تنوب عن الحمير ضد استغلال هذا الحيوان في السياسة(..).

close

النشرة الإخبارية

اشترك الآن للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى