تحليل إخباري

تحليل إخباري | مناورة أمريكية لخلق أزمة بين المغرب وروسيا

الحسابات العسكرية في الحرب الأوكرانية

لم يصدر أي قرار أو توضيح عن وزارة الخارجية المغربية حول دواعي المشاركة الأخيرة في مؤتمر عسكري، احتضنته قاعدة “رامشتاين” الجوية الأمريكية في ألمانيا، وهي المشاركة التي تم اعتبارها مفاجئة، لكون المغرب ظل محايدا إزاء الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن مشاركة وزير مغربي، هو عبد اللطيف لوديي، في هذا الاجتماع الذي خصص لدعم أوكرانيا عسكريا، يطرح عدة تساؤلات.

هذا المؤتمر خصص بالكامل لدعم أوكرانيا من طرف دول جمعتها أمريكا، وفيه دعا وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، نحو 40 دولة إلى المشاركة، وعبر لوسائل الإعلام عن ثقته في أن أوكرانيا يمكن أن تنتصر على روسيا في الصراع المستمر منذ شهرين، وقال: “لقد ألهمت مقاومتكم العالم الحر”، وندد بالغزو الروسي لأوكرانيا ووصفه بأنه “لا يمكن تبريره”، وأضاف: “من الواضح أن أوكرانيا تثق في قدرتها على الانتصار، وكذلك الجميع هنا”.

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    الغريب في الأمر، أن هذه المناورة الأمريكية لم تنعقد تحت لواء حلف الشمال الأطلسي، والسبب، حسب ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الأمريكية، هو مشاركة أعضاء من خارج “الناتو” في هذا الاجتماع، بينما السبب الحقيقي معروف، وهو الرغبة الأمريكية في عدم توريط الحلف في هذه الحرب، خاصة وأن أحد دوافع العملية العسكرية في أوكرانيا كان هو الرغبة في توسيع “الناتو” ليصل إلى الحدود الروسية، وهو ما لا يقبله الرئيس فلاديمير بوتين(..).

خلال هذا الاجتماع، قال الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي: ((إن الهدف الرئيسي للمحادثات، هو جعل المساعدة الأمنية المتزايدة لكييف، والتي تشمل أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة مسلحة، وذخيرة متزامنة ومنسقة))، وصرح ميلي للصحفيين المسافرين معه بأن ((الأسابيع المقبلة ستكون حرجة للغاية.. إنهم بحاجة إلى دعم مستمر لتحقيق النجاح في ساحة المعركة.. هذا هو الهدف الحقيقي من هذا المؤتمر)) (المصدر: وكالات).

ما علاقة المغرب بالحرب الأوكرانية؟ ولماذا هذه المغامرة بالعلاقات المغربية الروسية، التي تقوم على أساس الاحترام المتبادل، والتي عرفت طفرة نوعية في الفترة الأخيرة، حسب ما تؤكده أرقام المبادلات التجارية بين البلدين، بل إن المغرب سبق له أن امتنع، رفقة عدد من الدول العربية، عن إدانة التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا، ووصل الأمر إلى حد تسجيل غياب واضح عن مختلف جلسات التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي انتهت بإدانة روسيا عن تدخلها عسكريا في أوكرانيا(..)؟

الواقع، أن المغرب اتخذ موقفا شجاعا من الناحية الدبلوماسية فيما يتعلق بآليات الأمم المتحدة، لكن اجتماعا عسكريا لحلف شمال الأطلسي عمليا، والذي يعد واحدا من أهم المشاركين في المناورات الضخمة التي يحتضنها المغرب بشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كان كفيلا بقلب الميزان.

استشعار الضغط الأمريكي العسكري في هذه العملية مفهوم، وليس المغرب وحده الذي شارك في هذا المؤتمر، فهناك أيضا دول أخرى وجدت نفسها أمام مشاركة حتمية، ويتعلق الأمر بكل من قطر وتونس ودول أخرى تحمل صفة شريك لـ”الناتو”، مثل أستراليا واليابان والسويد وفنلندا.

قاعدة «رامشتاين» التي احتضنت المؤتمر المخصص لدعم أوكرانيا

الضغط الأمريكي وضغط الحلفاء، هو الذي جعل بلدا بحجم ألمانيا يتخلى عن شكل من أشكال الحياد الذي اعتمدته في السابق فـ((بعد رفضها لفترة طويلة إرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا وتعرضها على إثر ذلك لانتقادات داخلية وخارجية، قررت الحكومة الألمانية الموافقة على تسليم دبابات مضادة للطائرات لأوكرانيا، كما تعمل على تدريب جنود أوكرانيين في ألمانيا)) (المصدر: وكالات).

أكثر من ذلك.. فالمبادرة الأمريكية انعقدت على أرض ألمانيا، وجاءت وزيرة الدفاع الألمانية لتعلن انطلاقا من القاعدة العسكرية “رامشتاين” عن أن ((بلادها ستدرب جنودا أوكرانيين في الأراضي الألمانية على استخدام أنظمة مدفعية، وقالت: إننا نعمل مع أصدقائنا الأمريكيين على تدريب قوات أوكرانية على أنظمة مدفعية على الأراضي الألمانية، كما صرحت الوزيرة أنها ستعمل مع هولندا على تدريب جنود أوكرانيين على مدافع “هاوتزر” ذاتية الدفع وتوفير الذخيرة لأوكرانيا، موضحة: لأننا نعلم جميعا أن المدفعية عامل أساسي في هذا النزاع)) (المصدر: وكالات).

يذكر أن المغرب ظل بعيدا عن هذا النزاع العسكري الضخم، والذي يمكن أن يتحول إلى حرب عالمية ثالثة، بل إن المسؤولين الروس يقولون إن هذا الاجتماع قد يكون سببا في حرب عالمية، وحتى روسيا ظلت تحافظ على تصريحات معتدلة إزاء المغرب، وقد كتبت الصحافة عن صواب الموقف المغربي باختياره لموقف الحياد في البداية ما يلي: ((أظهر موقف المغرب بعدم التصويت ضد الروس، واختيار موقف الحياد التام، أن المغرب يتمتع بسيادة على قراراته وليس تابعا لأحد، وهو تعامل ذكي من المغرب، خصوصا عندما نجد من بين الغائبين أحد حلفاء روسيا، وهي كوبا، كما أنها رسالة للغرب وخصوصا الدول الأوروبية التي لم تحسم الأمر بالنسبة لسيادة المغرب، فكيف تريد من المغرب أن ينحاز إليها في صراعها مع روسيا، مصلحة المغرب أولا، وهذا هو عين العقل.. لقد غير المغرب في سياسته الخارجية جذريا منذ 5 سنوات، فلا عودة إلى الوراء، يقول أحد المتتبعين للشأن السياسي)) (المصدر: موقع “أنا الخبر”).

من ناحية القراءة السياسية، وجد كثير من المتتبعين صعوبة في فهم أسباب المشاركة المغربية في مؤتمر أمني لدعم أوكرانيا، لكن الموقف السابق وهو “الحياد الإيجابي”، كان مفهوما بشكل واضح عقب صدور بلاغات متوازنة من لدن وزارة الخارجية المغربية.. ((فقد اختار المغرب منطقة الوسط، أي عدم الاصطفاف مع الزخم الغربي الضاغط على روسيا، وعدم مباركة نهج التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا لتسوية النزاع، وهو ما يعني إقرار المغرب بأن النزاع بين البلدين لا يوجد حله لا في المقاربة الغربية ولا في المقاربة الروسية، وأن الأمر يتطلب تسوية النزاع بالأدوات السلمية.. من زاوية المبدأ، لا يوضح المغرب رؤيته التفصيلية لطبيعة النزاع، وإنما يكشف عن تفصيل واحد مركزي، وهو ضرورة المحافظة على الوحدة الوطنية والترابية للدول الأعضاء بمجلس الأمن، وهو ما يفهم منه رفضه للتدخل العسكري الروسي، ولأي مشروع توسعي لموسكو في أوكرانيا، لكن تأكيده على ضرورة تسوية النزاعات بالأدوات الدبلوماسية يضمر اعترافا بوجود مصالح لروسيا (أمنية) وجب عدم الإضرار بها، وأن المنهج المعتمد من قطبي النزاع لن يفضي إلى أي نتيجة، بل سيزيد الوضع تعقيدا، وربما يدفع إلى المجهول.. في زاوية المبدأ، لا تخفي لغة بلاغي وزارة الخارجية المغربية الموقف المغربي التفصيلي، لكن ما يوضح هذه التفاصيل، هو الزاوية الدينامية التي تتفاعل فيها مصالح السياسة والعلاقات الدبلوماسية التي طورها المغرب مع البلدين طيلة العقد الماضي، والتي يخشى أن تهدر مكتسباتها في هذه المحطة الفاصلة)) (المصدر: تحليل سياسي للمحلل بلال التليدي).

الموقف السابق كان مفهوما رغم تعقد الحسابات، فبالإضافة إلى وجود تقارب مغربي روسي بعد زيارة الملك محمد السادس لموسكو، كان هناك قلق من معضلة وصول الديمقراطيين إلى السلطة، بشكل غير مطمئن للقضايا الوطنية.. فـ((بالنسبة للعلاقات المغربية الروسية، فقد أخذت منذ زيارة الملك محمد السادس لروسيا سنة 2016، أبعادا سياسية واستراتيجية، إذ أعقب هذه الزيارة توقيع 11 اتفاقية بالرباط، شملت مجالات الطاقة والصناعة والزراعة، وارتفع بذلك حجم التبادل التجاري بين البلدين من حوالي 200 مليون دولار فقط سنة 2001 إلى 2.5 مليار دولار في عام 2016، فأصبحت روسيا تحتل المرتبة التاسعة في قائمة الدول المصدرة للمغرب، والمرتبة الـ 22 في قائمة المستوردين منه، حتى أضحى المغرب يشكل الشريك الاقتصادي الإفريقي الأول لروسيا (تضاعف حجم التبادل التجارب بين البلدين 15 مرة)، وكان الترتيب جاريا بعد القمة الروسية الإفريقية لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وليس من قبيل الصدفة أن تعرف العلاقات المغربية الروسية تألقها في حكم الديمقراطيين، ففي عهد باراك أوباما، ارتفع حجم التهديد الاستراتيجي للمغرب إلى استهداف وحدته، وتم الحديث عن مخططات أمريكية يجري التهييئ لها لتقسيم المغرب فيما بات يعرف بمخططات استهداف الملكيات في الوطن العربي، وكان الجواب المغربي واضحا من خلال مشاركته في القمة الخليجية المغربية، 16 فبراير 2016، فقد تحدث الملك محمد السادس بلغة واضحة ومباشرة، لم تكن معهودة في الخطابات الرسمية، فتحدث عن وحدة التهديدات الأمنية بين المغرب ودول الخليج، وأن العالم العربي يعيش على إيقاع تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، وأن هناك محاولة لوضع اليد على خيرات باقي الدول التي تنعم بالاستقرار، وضرب نماذجها الناجحة، وأشار إلى أن هذا السياق هو الذي فرض على المغرب تنويع شراكاته على المستوى السياسي والاستراتيجي والاقتصادي، وضمن هذه الرؤية حصلت زيارة الملك محمد السادس إلى موسكو في يناير 2016)) (المصدر: الخبير بلال التليدي).

يذكر أن روسيا كانت قد أبدت اهتماما كبيرا بعدم تأثر علاقاتها مع المغرب نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها، حيث سيتأثر المغرب بشكل غير مباشر من ذلك، في هذا الصدد ((اعتبر السفير الروسي في الرباط فاليريان شوفايف، أن بإمكان روسيا والمغرب التقليل من تأثير العقوبات الغربية على بلاده على المبادلات التجارية بينها وبين المغرب من خلال اللجوء إلى المقايضة واستخدام عملات أخرى غير الدولار واليورو))، وقال شوفايف في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”: ((من الممكن مناقشة عمليات المقايضة، وكذلك إيجاد حلول للتسويات المتبادلة باستخدام عملات أخرى باستثناء الدولار واليورو أو العملات الوطنية ولم يستبعد المسؤول الروسي أن تعاني المبادلات التجارية بين البلدين من صعوبات في المدفوعات نتيجة استبعاد بنوك روسية عدة من نظام “سويفت” للمعاملات المالية، ومع ذلك، شدد على أن هذا الإجراء، الذي تم إنشاؤه كرد فعل غربي على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، قد أثر على أقل من عشرة بنوك من بين 300 بنك تشكل جزءً من النظام المصرفي الروسي)).

هكذا كانت تتحدث روسيا عن المغرب، لكن الضغط الأمريكي وحلف شمال الأطلسي، يحاول أن يخلق أزمة بين روسيا والمغرب عن طريق لي ذراع المملكة، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقات الأمنية والعسكرية(..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى