تحليل إخباري | مؤشرات حملة تطهيرية كبرى خلال شهر رمضان
بين فساد فاس وفساد وزارة الصحة
بغض النظر عن الجائحة، وربما لن يكون هناك مجال للحديث عن “كوفيد 19” بعد الحضور الجماهري دون تدابير احترازية في مباراة المغرب والكونغو الديمقراطية، حيث حج لمركب محمد الخامس ما يزيد عن 65 ألف متفرج.. سيكون لرمضان هذه السنة طعمه الخاص، على غرار “مسلسلات شهر رمضان” في زمن الملك الراحل الحسن الثاني، حيث لا ينسى المغاربة، مثلا، أن هذا الشهر كان أيضا منطلقا لمحاكمة ما عرف بـ”ملف الوزراء المرتشين”، ولم يكن الرأي العام يتوقع أن تتحول حكومة الإمبراطور المالي أحمد العراقي، إلى “حكومة منحوسة”، تضم “عصابة من الوزراء المرتشين”، ولم يكن أحد يتوقع أن توجه تهمة الفساد إلى المجموعة المقربة من الوزير الأول آنذاك، وهم الذين جاؤوا في بلاغ الإدارة العامة للأمن الوطني، خلال شهر مارس 1971، حيث أعلن عن بداية البحث في قضايا الرشوة واستغلال النفوذ، مع كل من وزير المالية المامون الطاهري سابقا، وعبد الكريم الأزرق وزير المالية لاحقا، ومحمد الجعايدي وزير التجارة والصناعة، وعبد الحميد كريم وزير السياحة، ومحمد العيماني وزير الأشغال العمومية، وسيناصر بلعربي مدير مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية، وعبد العزيز بن شقرون مدير المعادن، وإدريس بلبشير مدير مكتب الأبحاث، ويحيى الشفشاوني مدير الأبحاث المعدنية، ورجال الأعمال: محمد البلغمي، ودافيد عمار، وهنري أوحنا، وبيرنار ليفي..
إعداد : سعيد الريحاني
في ذلك الوقت، وصفت جريدة “الكواليس” لمؤسسها الراحل مصطفى العلوي، و”الأسبوع الصحفي” امتداد لها، حالة الوزراء والشعب قائلة: ((بلغ البعد بين الشعب ووزرائه، حدا جعل الوزراء لا يمشون على الأرض.. وزراء كانوا يلعبون “البوكير” حتى الرابعة صباحا، ويذهبون لمراقبة أعمال الفيلا، ثم يعرجون على “الفيرما” لتفقد أحوال الدجاج والبقر، وفي المساء يتحلقون مرة أخرى حول طاولة “البوكير”..))
أما اليوم، فتقرؤون في بلاغ الأمن الوطني الذي تداولته الصحافة ما يلي: ((أحال المكتب الوطني لمكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية، التابع للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، على أنظار النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 29 مارس الجاري، 31 شخصا من بينهم 18 موظفا عموميا بقطاع الصحة، و13 شخصا منهم أصحاب مقاولات ومستخدمين، وذلك للاشتباه في تورطهم في اختلاس وتبديد أموال عمومية من خلال التلاعب في تمرير وتنفيذ صفقات عمومية في قطاع الصحة، والإرشاء والارتشاء، وإفشاء السر المهني واستغلال النفوذ والمشاركة)).
وأوضح نفس بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني، أن ((المكتب الوطني لمكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، كان قد فتح بحثا قضائيا بأمر من النيابة العامة المختصة، للتحقق من شبهات التلاعب في تنفيذ وتمرير صفقات عمومية في قطاع الصحة خلال السنوات القليلة الماضية مقابل مبالغ مالية مهمة تم الحصول عليها على سبيل الرشوة، وتوريد معدات طبية وشبه طبية مستعملة، وتواطؤ بعض الموظفين والمهندسين في المصالح المركزية والجهوية لقطاع الصحة في إفشاء السر المهني لفائدة متعهدي خدمات ومسيري شركات خاصة.. وأضاف المصدر ذاته، أن الأبحاث والتحريات المنجزة في هذه القضية، مكنت من حجز مبالغ مالية مهمة بالعملة الوطنية لدى مهندسين بيوطبيين اثنين يعملان بقطاع الصحة، تم تحصيلها على سبيل الرشوة، كما تم افتحاص وتدقيق ومراجعة الصفقات العمومية المشكوك فيها، فضلا عن تنفيذ أوامر قضائية بشأن عقل الممتلكات وتجميد الأموال والأرصدة المشتبه في كونها متحصلة من عائدات إجرامية، وقد تم تقديم جميع الموظفين العموميين والمستخدمين وأصحاب الشركات المشتبه في تورطهم في المساهمة والمشاركة في اقتراف هذه الأفعال الإجرامية، أمام النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وذلك بعد الانتهاء من القيام بكافة الإجراءات المسطرية والخبرات وعمليات الافتحاص التي اقتضاها البحث التمهيدي في هذه القضية))..
تصوروا مثل هذه الجريمة في بلد من البلدان الديمقراطية، كيف يمكن أن يحصل ذلك دون أن تطال أصابع الاتهام مسؤولين كبار؟ أليست للوزارة مسؤولية سياسية في هذا النوع من الفضائح، ثم إن التدقيق في تاريخ صفقات وزارة الصحة قد يقود إلى فضائح أكبر، وإلا فكيف يمكن أن يتم تفسير الثروات الهائلة التي يتوفر عليها مسؤولون سابقون في مناصب مسؤولية حساسة، كلهم باتوا يدورون في فلك المختبرات المصنعة للدواء(..)؟

هو إذن، زلزال للفساد في وزارة الصحة، وقد تكون تلك مجرد إشارة البداية نحو وزارات أخرى، بل إن الظرفية باتت شبيهة بأيام الحملة التطهيرية، عندما “امتلأت سجون المملكة” برجال الأعمال(..)، وقتها ((شرع ممثلو وزارة الداخلية، القياد والعمال، في إعداد لوائح لرجال الأعمال المهددين بالسجن، فلم يقتصر دور وزير الداخلية إدريس البصري آنذاك، على الأمر بحبس المقاولين، بل إنه تجرأ في أحد الأيام ليقول إنه يتوفر على لوائح تضم 3 آلاف مقاول كلهم مرشحون للسجن، في اجتماع كبير بالدار البيضاء، بالمقابل، كان عمال الأقاليم يتقاضون مبالغ مالية تتراوح بين 30 مليونا و70 مليونا للتستر على رجال الأعمال المشبوهين(..)، وبالموازاة مع ذلك، كانت الحملة قد جرفت في طريقها عددا كبيرا من أصحاب المخازن والمتاجر، بل إن التشويق سيبلغ ذروته مع اعتقال مسؤولين كبار من بينهم المدير العام للجمارك والمدير الذي سبقه)) (الأسبوع: عدد 18 يوليوز 2013).
مؤشرات وجود حملة تطهيرية، يؤكدها أيضا زلزال فاس، بعد أن كتبت الصحافة ما يلي: ((أنهت النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بفاس، يوم الجمعة، الاستماع إلى رشيد الفايق، النائب البرلماني باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، ورئيس جماعة أولاد الطيب (ضواحي فاس) بعد توقيفه يوم الثلاثاء من طرف فرقة للشرطة القضائية، جراء الاشتباه في تورطه في أعمال فساد إداري ومالي.. وأكدت مصادر متطابقة، أن الفايق و10 أشخاص آخرين، قررت النيابة العامة إيداعهم السجن المحلي “بوركايز”، مع إحالتهم رفقة 6 أشخاص آخرين متابعين في حالة سراح، على قاضي التحقيق، وضمن المعتقلين يوجد البرلماني التجمعي الفايق، وشقيقه الذي يرأس مجلس عمالة فاس عن الحزب نفسه، وشقيق آخر للفايق وهو مقاول، وتقني بجماعة أولاد الطيب، وعون سلطة، وعون سلطة مقدم، ونائب ترابي ومقاول ومهندسة معمارية، والنائب الأول لمجلس جماعة أولاد الطيب، وكذا كاتبة المتهم الرئيسي)).
وتكتسي قضية الفايق خطورة كبيرة.. فنفوذ المتهم الرئيسي الفايق هو الذي جعله يظهر كواحد من رموز حملة عزيز أخنوش بجهة فاس، بل إن الفايق هو مفتاح التحالفات التي نتج عنها قطع الطريق أمام عودة العمدة السابق حميد شباط، وأكثر من ذلك، فقد تداولت القصاصات الصحفية، امتداد هذا التنسيق من المستوى الجهوي إلى المستوى الوطني، برعاية الأمناء العامين، وقد نشر ما يلي: ((أخذا بعين الاعتبار معالم الخريطة السياسية الحالية بمدينة فاس، والتي أفرزتها نتائج صناديق الاقتراع العام المتعلق بالانتخابات الجماعية لاستحقاقات 8 شتنبر 2021، انعقدت بمدينة فاس اجتماعات ماراطونية تشاورية انطلقت أشغالها صبيحة أمس الجمعة 10 شتنبر 2021، وامتدت إلى غاية الساعات الأولى من صباح يومه السبت 11 من نفس الشهر، أشرف عليها كل من: المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار النائب البرلماني رشيد الفايق، والمنسق الإقليمي لحزب الاستقلال الدكتور حميد فتاح، والمنسق الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة بفاس محمد السليماني الحوتي الحسني، والكاتب الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية جواد شفيق، وانضباطا مع قرارات وتوجيهات القيادات الوطنية لهذه الأحزاب الأربعة المتحالفة والتي واكبت عن بعد هذه المشاورات المكثفة تحت إشراف رئيس الحكومة المعين السيد عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بتنسيق مع الدكتور نزار البركة الأمين العام لحزب الاستقلال، والأستاذ عبد اللطيف وهبي الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، والأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تم التعهد بشكل رسمي التزمت من خلاله جميع الأطراف الموقعة عليه، بتفعيل انخراطهم الجدي في التنزيل السليم لهذه المخرجات الواردة في البلاغ المشترك وميثاق شرف..)).
ميثاق الشرف المذكور، وإن كان قد تم الالتفاف على الاتحاد الاشتراكي فيما بعد وإبعاده من الحكومة(..)، ما يعني أن التنسيق الوطني كان مجرد أكذوبة(..)، هو الذي مكن من تعيين عبد السلام البقالي عمدة لفاس، ولكن خطورة نكبة حزب الأحرار في فاس، تنبع من كون المعتقل رشيد الفايق هو الذي يعتبر محركا خفيا لمدينة فاس، حتى أن بعض المقالات الصحفية كانت تحذر من العلاقة بين العمدة والمنسق الإقليمي لحزب الأحرار(..).
ويقول نموذج من هذه المقالات الصحفية: ((يبدو أن الوعود الوردية التي بشر بها المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني الأحرار بمدينة فاس، بدأت تتبخر بشكل تدريجي، وأن الاحتجاجات التي كان ينظمها بشكل متواصل ضد المجلس السابق الذي كان يترأسه إدريس الأزمي، لم تكن سوى احتجاجات من أجل أن يحل محله ويسحب الكرسي من تحت أقدامه.. بدليل أن جزء كبيرا من الاحتجاجات التي كانت تقام ضد المجلس السابق لجماعة فاس ورئيسه إدريس الأزمي، كان يتم تدبيرها من طرف ذات المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني الأحرار تحت ذرائع تبين بجلاء اليوم أنها كانت ذرائع واهية، نذكر منها الاحتجاجات التي كانت تقام ضد صفقة “فاس باركينغ” واتهام العمدة السابق ببيع مدينة فاس وغيرها من الاتهامات التضليلية..

محتجو الأمس هم حكام فاس اليوم، ومناهضو صفقة “فاس باركينغ” في عهد الأزمي هم أنفسهم يحاولون اليوم تمريرها بطريقة يلفها الكثير من الغموض والشبهات، وتطرح أمامها أكثر من علامة استفهام، بل أكثر من ذلك، فإن المجلس الحالي يحاول تمريرها بشروط أقسى من تلك التي كانت في عهد الأزمي، والأخطر من ذلك، أن شريحة كبيرة من سكان مدينة فاس يعتبرون أن المنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار هو العمدة الحقيقي لمدينة فاس، وأنه يحاول تمرير – من خلال العمدة عبد السلام البقالي – قرارات على المقاس لا تخدم سكان مدينة فاس في شيء ولا مستقبل المدينة.. فمثلا الطريقة التي يتم بها تعاطي المجلس الحضري لمدينة فاس مع ملف النقل الحضري بواسطة الحافلات، يشوبها الكثير من الغموض، إذ أن مصادر “هبة بريس” تشير إلى أن أنصار المنسق الإقليمي للأحرار بفاس لهم يد في افتعال أزمات على مستوى النقل الحضري وتسويق مجموعة من المعلومات بطريقة تدليسية وتضليلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتمهيد الطريق أمام عمدة فاس لضرب سمعة الشركة واستهدافها وتهييج الرأي العام ضدها، والمصادر ذاتها تشير أيضا إلى أن عمدة فاس ومن يقف خلفه، يخططون لاستهداف شركة النقل الحضري حتى يتسنى لهم استقدام شركة أجنبية.. سؤال يطرحه كل الفاسيين والفاسيات: إلى أين يتجه قطار مدينة فاس، خصوصا وأن عمدة فاس الجديد ينخرط في إذكاء الاحتقان الاجتماعي وتضليل المواطنين، نذكر منها على سبيل المثال، أن أنصار هذا العمدة يسوقون أن إصلاح طريق “وسلام” الرابط بين سيدي إبراهيم وباب الفتوح، من إنجازات مجلسه الموقر، في حين أن هذه الطريق تم إنجازها في عهد المجلس السابق..)) (مصدر المقال: موقع هبة بريس/ 2021.11.10).
إذن، الفايق هو محرك حزب التجمع الوطني للأحرار بفاس، ومن الطبيعي أن يتحسس كل المتعاملين معه رؤسهم، رغم أن بلاغا محتشما تم تداوله في الصحافة، يؤكد أن ((التنسيقية الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار بفاس مكناس، قررت احتياطيا تجميد الوضعية التنظيمية للإخوة الفايق..))، بينما الأصل والأكثر فعالية، كان يقتضي صدور قرار من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، يبين مستقبل العلاقة مع الفايق.. فهذا الأخير كان يظهر في التجمعات الخطابية للرئيس عزيز أخنوش، ويصفه بـ”الفحل”، بالمقابل، كان العمدة السابق لمدينة فاس إدريس الأزمي، يصفه في تجمعات خطابية بالمفسد، في معقله بجماعة أولاد الطيب، بل إنه كان يجمع في ذات الخطابات بين الهجوم على منسق الأحرار جهويا، والهجوم على الرئيس عزيز أخنوش، باعتباره يبيع حتى الأوكسجين للمغاربة(..)، ولا تقف التصريحات ضد الفايق وحزبه عند هذا الحد، بل إن العمدة السابق لمدينة فاس، حميد شباط، كان يقول بأن ((الفايق رجل فوق القانون، يمكنه أن يعتدي ويختطف..))، ومع ذلك، لم تتحرك أي جهة لمحاصرة هذا اللوبي، قبل اندلاع الفضيحة الأخيرة.
تهريب الملايير، سرقة الملايير، أحكام قضائية تدين برلمانيين، ورؤساء جماعات، وتهم الاختلاس، وتبديد الأموال العمومية، سواء في المجالس المنتخبة أو الإدارة التنفيذية، وتهم تلاحق وزراء سابقين.. كلها عناوين تسجل حضورها في الصحافة الوطنية بشكل يعيد إلى الأذهان أجواء الحملة التطهيرية.. فقد سبق للمغاربة أن عاشوا عدة مسلسلات رمضانية، من بينها مسلسل “من أين لك هذا؟”، وهو نفس المسلسل الذي قد يعاد بثه خلال شهر رمضان الحالي، وكما هو معلوم، فإن “ملف الوزراء المرتشين” في عهد الوزير الأول الملياردير العراقي، قد انتهى بسقوط حكومته، ليطرح التساؤل: هل يمكن أن يتسبب الفساد في سقوط حكومة أخنوش، أو على الأقل هل سيعيش المغاربة فصلا جديدا من كتاب “الحملة التطهيرية” ؟



