لم يكن لحزب الاتحاد الاشتراكي أي دور في إقناع الاشتراكيين الإسبان بجدية المقترح المغربي بشأن الحكم الذاتي، المطروح على طاولة المفاوضات حول الصحراء، لكن إدريس لشكر استبق باقي الأحزاب ليراسل رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز قائلا: ((أحيي فيك، العزيز بيدرو، شجاعتك.. في الحقيقة، سيذكر التاريخ أنك أول زعيم ومسؤول إسباني ما زال يمارس مهامه، يساند الموقف المغربي ويلتزم باحترام الوحدة الترابية لبلدنا.. وكاشتراكيين ديمقراطيين، لا يمكن لنا إلا أن نشعر بالسرور لتطور الموقف الإسباني باتجاه الوضوح الجيوستراتيجي من أجل السلم والأمن والتعاون في المنطقة، وتقوية الديمقراطية ودولة الحق في ضفتي المتوسط)).
كما جاء في المراسلة المكتوبة باللغة الإسبانية: ((إن الدعم الذي قدمتموه لمخطط الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب كحل واقعي للنزاع، يؤكد معرفة حقيقية بأهمية ملف الصحراء للشعب المغربي، وتعلقا صادقا بمبادئ حسن الجوار.. إن هذا الموقف يكتسي أهمية بالنسبة إلينا بالنظر إلى المسؤولية التاريخية لإسبانيا في هذا الملف، ولكون الحكومات الإسبانية لديها معرفة حقيقية بإكراهات وتطورات هذا الموضوع.. تطور الموقف الإسباني يمكن من التحرر من الماضي الفرانكاوي للحقبة الاستعمارية، كما أنه سيساهم في بناء مستقبلنا المشترك في أفضل الظروف)).. هكذا تحدث إدريس لشكر.
إعداد : سعيد الريحاني
لا دخل للأحزاب المغربية في هذا التقارب التاريخي بين المغرب وإسبانيا، والدليل هو أن إعلان الخبر جاء من الديوان الملكي المغربي، وليس من الجانب الإسباني(..) عبر بلاغ جاء فيه: ((إن إسبانيا تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي بمثابة الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية الخلاف المتعلق بالصحراء المغربية))، وفي الحيثيات، أعلن نفس المصدر عن مضامين الرسالة التاريخية التي بعث بها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس، وقد حملت عبارات غير متوقعة، وغير مسبوقة، بعد سنوات من المناورات.
باختصار، يقول بيدرو سانشيز في رسالته للملك محمد السادس: ((إن البلدين تجمعهما، بشكل وثيق، أواصر المحبة، والتاريخ، والجغرافيا، والمصالح، والصداقة المشتركة))، كما يعرب عن ((يقينه بأن الشعبين يجمعهما نفس المصير أيضا، بل إن ازدهار المغرب مرتبط بازدهار إسبانيا والعكس صحيح))، حسب قول سانشيز الذي ضمن رسالته بعبارات غير متوقعة بعد أشهر طويلة من “سوء الفهم” حيث قال: ((إن هدفنا يتمثل في بناء علاقة جديدة تقوم على الشفافية والتواصل الدائم، والاحترام المتبادل، والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، والامتناع عن كل عمل أحادي الجانب، وفي مستوى أهمية جميع ما نتقاسمه))، وأضاف: ((إسبانيا ستعمل بكل الشفافية المطلقة الواجبة مع صديق كبير وحليف.. وستحترم على الدوام التزاماتها وكلمتها)).
صدق أو لا تصدق.. فالمقاطع أعلاه منقولة حرفيا من رسالة رئيس الحكومة الإسبانية إلى ملك المغرب، ولا عزاء لمن كان يقول بأن قضية المهاجرين ستفسد العلاقات بين المغرب وإسبانيا، حيث عبر بيدرو سانشيز عن ((عزمه على العمل جميعا من أجل التصدي للتحديات المشتركة، ولاسيما التعاون من أجل تدبير تدفقات المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والعمل على الدوام في إطار روح من التعاون الكامل)).

ماذا حصل في إسبانيا، وهي نفسها التي استقبلت قبل شهور زعيم جبهة البوليساريو في إطار رحلة علاج ملغومة، بتكلفة باهظة، وصلت إلى درجة توتر العلاقات بين المملكتين المغربية والإيبيرية، وكان من نتائجها أيضا تعديل الحكومة الإسبانيةبعد التورط في حسابات اختلط فيها الجيش بالحكومة؟وما سبب تغيير الموقف الإسباني إلى هذه الدرجة التي أدهشت المتتبعين؟ فالاعتراف بالحكم الذاتي يحمل في حد ذاته اعترافا بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية(..)، كما أن القرار يشكل صدمة مباشرة للأطروحات الجزائرية الداعمة للانفصال، والتي كانت تروج دائما أن إسبانيا تسير في نفس الفلك.
((إن تبني الدولة الإسبانية للمقاربة الواقعية في ملف الصحراء المغربية، له نفس منزلة الموقف الألماني الواقعي/ السياسي بتبني الحكم الذاتي المُقترح من طرف المغرب، لكنه يرتفع عنه بعض الشيء، على اعتبار أن إسبانيا هي الدولة المستعمِرة السابقة للصحراء المغربية (1884/1975)، وهي بذلك تشترك مع المغرب في التاريخ المشترك للمنطقة، أضف إلى ذلك أن أغلب قادة البوليساريو يتكلمون اللغة الإسبانية ويحملون جوازات سفر إسبانية، ويتواجد بها أكبر عدد من جمعيات الانفصاليين، وهو ما جعل الإعلان عن الموقف الإسباني الجديد بحق زلزالا قويا زعزع أركان النظام الجزائري وطارت معه مخيمات تندوف)) (تعليق عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية).
في شرح التطورات الأخيرة، يقول عبد الله بوصوف وهو يؤكد على الدور الملكي: ((.. ونحن نعيد قراءة معالم المرحلة الجديدة بلسان وزير الخارجية الإسباني يوم 19 مارس 2022، نكاد نعيد قراءة نفس فقرات خطاب ثورة الملك والشعب ليوم 20 غشت من سنة 2021 عندما قال جلالته: “إننا نتطلع بكل صدق وتفاؤل، لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية ومع رئيسها معالي السيد بيدرو سانشيز، من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات”.. وبالرجوع إلى نفس الخطاب، سنقف على أن هذه النتيجة التاريخية كان وراءها جلالة الملك محمد السادس، من جهة بقوله يوم 20 غشت 2021: “تابعت شخصيا وبشكل مباشر، سير الحوار وتطور المفاوضات”، ومن جهة أخرى العاهل الإسباني فيليبي السادس، الذي صرح خلال استقباله للسلك الدبلوماسي المعتمد بمدريد في يناير من سنة 2022، بمتانة العلاقات الدبلوماسية بين مدريد والرباط، وضرورة الدفع ببناء علاقات مؤسساتية أكثر صلابة وقوة في الفترة المقبلة قصد إيجاد حلول ناجعة، وقد أتبعها بعد أيام قليلة فقط من ذلك، بزيارة ودية ذات دلالات رمزية وسياسية للرواق المغربي بالمعرض الدولي للسياحة بمدريد”)).
بهذا الشرح الذي يتفق معه نخبة من المتتبعين، يمكن القول أيضا أن الجزائر تلقت عدة ضربات قوية من إسبانيا، ونفس الضربة تلقتها الأوساط التي تدعي نضالها بالأقلام والتقارير، علما أن مبادرة رئيس الحكومة الإسبانية، لا يمكن فصلها عن جميع دوائر القرار الإسباني، والدليل أن الأحزاب الإسبانية التي أكدت عدم رضاها عن الوضع الجديد، لا تتعدى بعض الأحزاب الصغيرة، أو الأحزاب الانفصالية، التي لا تجد موطئ قدم لها داخل الساحة السياسية الإسبانية، مما يعطي لموقفها طابع المزايدة(..).
وتبقى قمة المهزلة، هي تعاطي جبهة البوليساريو مع اعتراف إسبانيا بمقترح الحكم الذاتي.. فبدل التقاط الإشارة والجلوس على طاولة المفاوضات قبل الأوان، اختارت مهاجمة الإسبان، بل إن البوليساريو باتت تتهم إسبانيا بـ”ارتكاب جرائم حرب”، وهي فرصة ليعرف بعض الإسبان الطينة الحقيقية لبعض قياديي الكيان الوهمي الذين كانوا يتسولون الدعم في إسبانيا(..).
ولا حد للجنون الجزائري في إعلامها الذي تحول إلى مهاجمة إسبانيا، لتكتب الصحافة المغربية ما يلي: ((يتزايد الغضب الجزائري من اتخاذ الحكومة الإسبانية لموقف داعم لمقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب كأرضية لحل النزاع المفتعل في الأقاليم الجنوبية، وهو الغضب الذي لم تكتف الجزائر بسحب سفيرها من مدريد للتعبير عنه، بل تجاوزت ذلك بالخروج لاتهام إسبانيا بالخيانة.. وقال مصدر دبلوماسي جزائري – لم يكشف عن هويته – في تصريح لموقع “الشروق أونلاين” الجزائري:”إن مدريد لم تطلع في أي حال من الأحوال وعلى كل المستويات، السلطات الجزائرية، بهذه المساومة الحقيرة”، ووصف، في ذات السياق، موقف مدريد الجديد بـ”الخيانة التاريخية”، واعتبر المصدر الدبلوماسي تصريحات وزير الخارجية الإسباني بالمخزية والكاذبة بالقول: “وزير الخارجية الإسباني وفي تصريحات صحفية، يزعم بأنه ناقش كل المواضيع مع نظيره الجزائري، مما يوحي أن السلطات الجزائرية قد تكون على علم بالقرار المخزي لمدريد، لكن في الواقع هذا التصريح ما هو إلا أكذوبة متعمدة من قبل الحكومة الإسبانية”)).

وبغض النظر عن الحيثيات، فإن ما يفهم من الإعلام الجزائري، هو أن حكام الجزائر لم يكونوا يتوقعون هذه الصفعة الإسبانية، المحسوبة للملك محمد السادس، الذي يعيد تاريخ السلاطين إلى الواجهة، ويعطي زخما أكبر لمؤسسة إمارة المؤمنين بطابعها التاريخي، رغم أن خصومها يعتبرون العلاقة مع إمارة المؤمنين علاقة روحية فقط بينما هي تشكل فعلا امتدادا للسلطة، فالمغرب له جذور تاريخية فيما يتعلق بتطبيق نموذج الحكم الذاتي.. فقد “كان يفوض القبائل وشيوخها لكي يختاروا من هو أصلح لهم، ويأتون للعاصمة للتزكية وأخذ الطابع السلطاني، وكمثال على ذلك: أحمد ولد عايدة، أمير بلاد أدرار الموجودة في موريتانيا حاليا، كان يملك طابع السلطان مولاي الحسن الأول، أي كان يحكم بأوامر السلطان، وأحمد فالوم، أمير قبائل الترارزة الموجودة في أعماق موريتانيا الحالية، أي بلاد شنقيط المغربية، كان يحكم باسم السلطان، وأمير البراكنة ولد بكار، كان يحكم بأوامر السلطان..”، ففي زمن السلاطين، توجد كل الأدلة التاريخية على مغربية الصحراء، وفي زمن مولاي الحسن الأول، لم يكن هناك لا منظمة الأمم المتحدة ولا بان كيمون، ولم يكن هناك مشكل في الصحراء، حيث يؤكد الباحثون، أن مفاتيح السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية واضحة بجلاء في فترة هذا السلطان الذي وصلت شهرته إلى بعض الدول المجاورة، ونخص هنا بالذكر، دولة الجزائر، التي كان بعض رعاياها يعلنون جهرا عن احترامهم لجلالته، وأنهم منبهرون بسياسته في الدفاع عن وحدة بلاده وتصديه لأطماع الأجانب، في هذا الصدد، يخبرنا الطبيب linares قائلا بأن “أحد الجزائريين ويدعى سي قدور بنحمزة، قد بعث سنة 1893 برسالة إلى السلطان مولاي الحسن يعلن فيها عن ولائه له، ويطلب فيها السماح له بالمثول بين يديه، لأنه يرغب في أن يصبح من رعاياه المغاربة”)) (المصدر: كتاب “السلطان مولاي الحسن الأول والسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية 1873 و1894” تأليف نور الدين بلحداد).
وهاهو الملك محمد السادس على خطى السلاطين.. إذ يقول: ((إن مغربية الصحراء حقيقة ثابتة وأمر لا نقاش فيه ولا تفاوض عليه، فمغربية الصحراء لم تكن يوما ولن تكون مطروحة على طاولة المفاوضات، وأن المغرب لا يتفاوض على صحرائه، وإنما يتفاوض من أجل إيجاد حل سلمي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل)) (المصدر: خطاب الملك محمد السادس في الذكرى 46 لخطاب المسيرة الخضراء).



