ملف الأسبوع | ما هي أسباب تزامن المصالحة المغربية الألمانية مع عودة العلاقات الجزائرية الفرنسية ؟

احتفل المغاربة مع بداية السنة الجديدة، بخضوع ألمانيا لشروطهم من أجل عودة العلاقات بين البلدين، والتي كان شرطها الأساسي إقرار ألمانيا بمغربية الصحراء، وبالموازاة مع ذلك، كانت العلاقات الفرنسية الجزائرية تسير نحو عودة المياه إلى مجاريها بعد أزمة دامت ما يناهز ثلاثة أشهر، على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي لمجموعة من المهاجرين الجزائريين بفرنسا، بأن “الجزائر لم تكن دولة في الأصل وأن فرنسا هي من صنعتها”، وقوله أيضا أن “النظام السياسي في الجزائر يسيطر عليه العسكر وأن الرئيس عبد المجيد تبون مجرد رهينة لديهم”.
احتفلت كل من الجزائر والمغرب بكون فرنسا وألمانيا هما من قامتا بالمبادرة من أجل إعادة المياه إلى مجاريها، واختلفت الآراء بين المغاربة والجزائريين بشأن أن المغرب نجح في إخضاع ألمانيا وإملاء شروطه عليها، بينما لم تقدم فرنسا للجزائر شيئا مقابل عودة العلاقات بينهما، وعلى عكس ذلك، تم إغفال الحيز الأهم، وهو تزامن المصالحة الفرنسية الجزائرية مع المغربية الألمانية في وقت واحد، وفوق كل ذلك، فإن هذا التطور حدث بعد صعود حكومة ألمانية جديدة. يحاول هذا الملف مناقشة أبعاد هذه المفارقة، وهل تؤشر على تحول جديد في علاقة المغرب الكبير بالاتحاد الأوروبي ؟
أعد الملف: سعد الحمري
رهان فرنسي ألماني على إفريقيا وراء المصالحة مع المغرب والجزائر
مباشرة مع تولي حكومة المستشار الألماني الاشتراكي، أولاف شولتز، زمام الأمور، قامت حكومته بخطوتين بالغتي الأهمية على المستوى الخارجي، وهو ما عكس بشكل كبير ملامح السياسة الخارجية للحكومة الألمانية الجديدة: الأولى وهي تأكيد وزارة الخارجية ودون سابق إنذار، على أن المغرب شريك مهم لألمانيا، والثانية وهي توجه المستشار الألماني الجديد إلى باريس كأول وجهة خارجية يقصدها كتقليد يقوم به أي مستشار جديد، غير أن الجديد هنا، هو التصريح الذي أطلقته وزيرة الخارجية الألمانية بعد لقاء المستشار الألماني بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث أكدت أنالينا بيربوك، أنه ((يمكن لأصدقائنا الفرنسيين الاعتماد على دعمنا من أول يوم إلى آخر يوم لإرساء الأسس الصحيحة داخل الاتحاد الأوروبي من أجل انتعاش اقتصادي دائم، وفي مكافحة أزمة المناخ، وأيضا في القطاع الرقمي.. من أجل أوروبا ذات سيادة أكبر في العالم)).
وقد جاءت هذه التصريحات القوية من رئيسة الدبلوماسية الألمانية، بالتزامن مع بداية حكومة ألمانية جديدة، ورؤية ألمانية لمشاكل أوروبا، وكذلك تزامنا مع رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي، ورئاسة ألمانية لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى.
لاحظ العديد من المحللين أن زعيمي أوروبا يسعيان للقيام بأدوار كبرى، باعتبارهما أقرب صديقين في قلب أوروبا يتحملان مسؤولية خاصة تجاه اتحاد أوروبي موحد قادر على العمل وموجه نحو المستقبل، مباشرة بعد هذه القمة الألمانية الفرنسية، قام البلدان بخطوات متزامنة ومتوازية تجاه كل من المغرب والجزائر، فقد رممت الحكومة الألمانية الجديدة ما هدمته أنجيلا ميركل من علاقات مع المغرب، واستأنف السفير الجزائري مهامه في باريس، لكن ما علاقة القمة الفرنسية الألمانية بعودة العلاقات الفرنسية الجزائرية والألمانية المغربية؟ وما دخل المغرب الكبير في أوروبا ذات سيادة أكبر في العالم؟
الجواب هو أن العلاقة بين المغرب الكبير وأوروبا قوية وذات سيادة على المستوى العالمي كبيرة جدا، فالمغرب الكبير يقع في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وهو بالتالي، حدود أوروبا الجنوبية، إضافة إلى كونه يعتبر صلة وصل بين أوروبا وإفريقيا.
تلتقي حكومة ألمانيا الجديدة وفرنسا على فكرة واحدة، وهي الحفاظ على هيبة الاتحاد الأوروبي على المستوى العالمي، ومن العوامل التي من الممكن أن تجعل هذا التكتل القاري قويا، هو لعب دور أكبر في القارة الإفريقية، فألمانيا بدأت تؤمن منذ عقد من الزمن، بأن مستقبلها ليس في أوروبا وأوروبا الشرقية فحسب، بل في إفريقيا أيضا.. فقد بدأ الحديث عن ضرورة اهتمام ألمانيا بإفريقيا منذ بداية الألفية الثالثة، عندما نبه الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني تروتز فون تروتا، (1946-2013)، إلى ذلك، حيث كتب دراسة نشرتها صحيفة “دي تسايت” بعنوان: “مستقبل ألمانيا يوجد أيضا في إفريقيا”، وكان ذلك في أوج اهتمام بلاده بأوروبا الشرقية، حيث نبه من خلال تلك الدراسة إلى أن ((انهيار الدولة وتفكك عناصر النظام العالمي الأحادي في القارة السمراء ستكون له عواقب دراماتيكية على ألمانيا وأوروبا)).
ولم يمر الكثير من الوقت حتى بدأت ألمانيا تهتم بقوة بأفكار فون تروتا، حيث بدأت تظهر بقوة معالم ما نبه له من قبل، وهي أن مشاكل القارة السمراء بدأت تلقي بظلالها على أوروبا بصفة عامة، وعلى ألمانيا بصفة خاصة، ثم ظهرت فكرة جديدة، وهي أن مستقبل العالم من الناحية الاقتصادية يوجد في إفريقيا.. وهكذا ظهر الاهتمام بالقارة الإفريقية بشكل واضح في خطاب ساسة ألمانيا ووثائق استراتيجياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية إزاء القارة السمراء، وتجلى ذلك من خلال مؤتمر عقدته الحكومة الاتحادية عن إفريقيا بالعاصمة برلين، بتاريخ 29 مارس 2017، وأعلن وزير التنمية الألماني، غيرد مولر، عن “خطة مارشال مع إفريقيا”، لإعادة هيكلة شاملة للمساعدات الاقتصادية، وتنطلق هذه المبادرة من تصور ألماني يرى بأن النمو الديمغرافي المتسارع في القارة الإفريقية، بمعدل مليون نسمة سنويا، والذي لا يوازيه تطور اقتصادي، سيؤدي إلى تفاقم الفجوة مع أوروبا واتساع ضغط الهجرة نحو الشمال، وقوبلت الرؤية الألمانية تجاه القارة الإفريقية لقضايا الأمن والتنمية والاستقرار السياسي، بأهمية كبرى، كما أنها تستند إلى حوافز تعد بمستقبل اقتصادي واعد للعلاقات مع القارة السمراء، إذ أن ثمانية من أسرع 12 اقتصادا نموا في العالم توجد في إفريقيا.
ومن هذا المنطلق، أملت التحولات والتحديات المرتبطة بإفريقيا تغيرا واضحا في سياسة ألمانيا الدفاعية، من نهج متحفظ تقليديا إلى انخراط أكثر كثافة للجيش الألماني في عمليات السلام، ويأتي ذلك إدراكا من ألمانيا بأن ما يحدث في الجوار الجنوبي لأوروبا، ليس سوى حلقة تختمر داخلها المشاكل، سواء كانت مصدرة من العمق الإفريقي مثل الهجرة غير الشرعية، أو من صلب المنطقة المغاربية في انتظار تحولها إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.
وإذا كان الاهتمام الألماني بإفريقيا وليد العقد الأخير، فإن حليفتها في الاتحاد الأوروبي فرنسا كانت أهم القوى الفاعلة في إفريقيا طيلة قرنين من الزمن، بل إنها كانت أهم من شارك في تشكيل خريطتها، غير أن أغلب الدول الإفريقية التي كانت محتلة من طرف فرنسا، بدأت منذ العقد الأخير تسعى إلى التخلص من فرنسا بسبب ما يعتبرونه “عجرفة فرنسا”، وبسبب كذلك لاعبين جدد على رأسهم تركيا وروسيا والصين.. وهذا الواقع الجديد أصبحت الطبقة السياسية والعسكرية الفرنسية، تعترف به وتقر بأن فرنسا لا تملك حتى الآن الوصفة المناسبة للحفاظ على وضعها ونفوذها في المسرح الدولي عموما وإفريقيا خصوصا، ويبدو أن الحكومة الألمانية الجديدة ستشرع في إعداد خطة إلى جانب فرنسا من أجل نفوذ أكبر في إفريقيا، من الممكن أن يكون قائما على شراكة من نوع جديد وبمعايير جديدة.

مشاكل المغرب الكبير عقبة في وجه ألمانيا وفرنسا
يلتقي قطبا أوروبا على نقطة واحدة، وهي الرهان على المغرب الكبير، غير أن هذا الأخير تعيش معظم دوله على وقع مشاكل وصراعات داخلية، أو صراعات مع كل من فرنسا وألمانيا، أو دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، مثل مشكل المغرب مع إسبانيا، كما أن هناك تسابقا من بعض القوى الأخرى على منطقة شمال إفريقيا، ونعني هنا الصين وروسيا وتركيا، ويبدو أن وضع الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط ونعني هنا المغرب الكبير، أصبح يفرض حصارا أمنيا واقتصاديا على الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مشاكل أخرى يصدرها إلى الاتحاد الأوروبي، ويمكن إجمال هذه المشاكل، حسب منصف السليمي، الخبير في الشؤون المغاربية بمؤسسة DW الألمانية كما يلي:
1) المشكل الاقتصادي:
سجل في السنوات الأخيرة تراجع الحضور الاقتصادي الأوروبي مع عدد من الدول المغاربية، في مقابل اختراقات حققتها كل من الصين والولايات المتحدة وحتى تركيا، فبالإضافة إلى تجميد التعاون المغربي الألماني في عدد من المجالات خلال العام الماضي، تراجعت مكانة فرنسا منذ سنوات في ترتيب الشراكة مع الجزائر وليبيا، ويشكل قطاع الطاقة، وهو قطاع حيوي، الوجه البارز لهذا التراجع، إذ أنه إضافة إلى المشاكل التي طرأت على برامج التعاون القائمة مثلا على مستوى أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، تعطلت المحادثات حول مشاريع الطاقة النظيفة بين ألمانيا والمغرب على خلفية الأزمة الأخيرة، كما تعثرت مشاريع أخرى منذ سنوات مع الجزائر وليبيا وتونس.
2) الجانب الأمني والعسكري:
يمكن القول أن المشكل الثاني الذي تسببه البلدان المغاربية للاتحاد الأوروبي، يكمن في ما هو أمني وعسكري، بعد أن حقق الروس والأمريكيون والإسرائيليون والأتراك تقدما ملحوظا في شراكاتهم مع دول المنطقة، عبر اتفاقيات عسكرية وأمنية، أو عبر صفقات وحضور عسكري، في الوقت الذي سجل فيه الأوروبيون تراجعا أو على الأقل جمودا، ويعتبر ملفا ليبيا ومالي والاختراق الأمني الذي حققته مجموعة “فاغنر” الروسية هناك، تحديا أمنيا يؤرق العواصم الأوروبية التي ازدادت الضغوط عليها في ظل إعلان فرنسا عن سحب قواتها وقواعدها من شمال مالي وإنهاء عملية “بارخان” لحفظ السلام ومكافحة الجهاديين في منطقة الساحل الإفريقي.
3) مسألة الهجرة:
أما القضية الثالثة، فهي مسألة الهجرة، إذ في ظل عدم الاستقرار والأزمات بمنطقتي شمال إفريقيا والساحل والصحراء، تزايد تدفق المهاجرين إلى أوروبا المنقسمة أصلا في تعاطيها مع ملف الهجرة واللجوء، وفي نهاية العام الماضي رصدت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس”، ارتفاعا ملحوظا في معدل الهجرة غير النظامية إلى أوروبا بنسبة 64 في المائة مقارنة مع سنة 2020، وتُعزى عودة موجات الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، إلى رفع قيود جائحة “كورونا”، وإلى تزايد مشاكل المناخ، ومظاهر عدم الاستقرار والأزمات في تونس وليبيا والسودان ودول إفريقيا جنوب الصحراء.
ويشكل التوتر بين المغرب والجزائر وتداعياته على ملف الصحراء المغربية ومخاطره المحتملة على أوروبا، أحدث حلقة في التطورات الأمنية والاستراتيجية في منطقة شمال إفريقيا التي تشكل مجالا حيويا لأوروبا، حيث شهدت العلاقات الأوروبية المغاربية في العامين الأخيرين اضطرابات ملحوظة، وكشفت عن مظاهر تضارب في سياسات العواصم الأوروبية الكبرى إزاء قضايا المنطقة، ومؤشرات على عجز أوروبا، سواء كتكتل أو كدول رئيسية مثل فرنسا وألمانيا، على القيام بدور مؤثر في تسوية أزمات حساسة بجوارها الجنوبي، تكاد تتحول إلى حرب مدمرة على الإقليم وبمثابة قنبلة موقوتة على أمن أوروبا.

محاولات ألمانية فاشلة لجعل بعض الدول المغاربية قاعدة نحو إفريقيا وتقلص للنفوذ الفرنسي
في ظل هذا الواقع، حاولت ألمانيا أن تصبح لاعبا مهما في منطقة شمال إفريقيا والعمل على عقد شراكات ثنائية مع بعض الدول المغاربية من أجل جعلها قاعدة نحو إفريقيا، غير أنها فشلت.. فقد قامت بعدة مبادرات، منها محاولة مساعدة تونس على الانتقال الديمقراطي، واستثمرت ألمانيا خلال السنوات الأخيرة الكثير من المال والدعم السياسي والأمني من أجل ترسيخ عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، وحاولت تنفيذ برامج تعاون واعدة ليس للتنمية في تونس فقط، بل أيضا في أفق فتح فرص للشباب في القارة الإفريقية، على غرار برنامج للتكوين المهني ودعم تشغيل الشباب التونسي والمهاجرين الأفارقة، وقد تم الاتفاق عليه خلال زيارة رسمية للمستشارة أنجيلا ميركل بداية سنة 2018، لكن الديمقراطية الناشئة في تونس ما تزال نتائجها الاقتصادية لم تترجم على أرض الواقع للتونسيين، كما أنها تبدو محاطة بمحيط إقليمي مضطرب، مما يحدّ من فرص تحول الشراكة التونسية الألمانية إلى قاعدة نحو العمق الإفريقي، ومؤخرا وقعت تحولات سياسية في تونس حكمت على تجربة البلد بالفشل، وكذلك الرهان الألماني على تونس من أجل جعله قاعدة للانطلاق نحو إفريقيا يفشل، أما النفوذ الفرنسي في تونس، فقد تراجع كثيرا بفعل التطورات التي شهدتها هذه الأخيرة منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي.
وتبدو الجزائر أهم معضلة الآن بالنسبة للسياسة الإفريقية الألمانية، فهي أول شريك اقتصادي في شمال إفريقيا والبلد الأكبر في امتداداته الجغرافية بالقارة السمراء، وخصوصا ببلدان جنوب الصحراء التي تركز عليها السياسة الألمانية، وفضلا عن انحصار التعاون والتبادل بين ألمانيا والجزائر في قطاعات محددة، وهي الطاقة والسلاح والسيارات، فإن هذه القطاعات بدورها تواجه عدة تقلبات، فالأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر منذ بداية السنة الحالية، قد تضع قيودا على صادرات السلاح الألمانية.
كما أن غياب رؤية واضحة لإصلاح الاقتصاد الجزائري وانفتاحه على الخارج، يجعل فرص ألمانيا في الاعتماد على الجزائر كقاعدة نحو الأسواق الإفريقية، أمرا صعب المنال، على الأقل في المدى المنظور، بخلاف الوضع مع الصين وتركيا، اللتين يتنامى حضورهما في السوق الجزائرية، بل إن الصين تسعى لتنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة لنقل مصادر الطاقة بين الجزائر ونيجيريا.
أما فرنسا، فقد دخلت مع الجزائر في مشاكل على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي، وعقب ذلك، أعلنت الجزائر على لسان رئيسها عبد المجيد تبون، عن تقليص النفوذ الاقتصادي الفرنسي عبر الرهان على إيطاليا كشريك، وفي الوقت ذاته، تقليص التنسيق السياسي في الملفات الإقليمية، مثل مالي وليبيا، بتفضيل التنسيق والحوار مع تركيا وروسيا.
وعلى صعيد العلاقة مع المغرب، البلد الأكثر استقرارا في المنطقة المغاربية، والأكثر نشاطا حاليا في القارة الإفريقية، فإن علاقاته التقليدية مع ألمانيا لم تحقق زخما أو طفرة، سواء على المستوى الثنائي أو على مستوى إشعاعها إفريقيا، ويُعزى ذلك، إلى عوامل تاريخية، مثل النفوذ الفرنسي، ووجود منافسة أوروبية للصادرات المغربية نحو ألمانيا، ثم جاءت الأزمة السياسية التي خلقتها حكومة أنجيلا ميركل لتزيد الطين بلة.
وبخصوص ليبيا، فهي تشتعل منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في صراعات داخلية، ويتدفق من هذا البلد، الذي يمتد ساحله المتوسطي على طول 1800 كيلومتر، عشرات الآلاف من المهاجرين سنويا بطرق غير قانونية. وبسبب الأزمة، تراجعت صادرات ألمانيا نحو ليبيا إلى أدنى مستوياتها، كما تتعرض وارداتها من الطاقة الليبية إلى اضطرابات بسبب المخاطر المتواصلة. وسعت برلين خلال مرحلة أنجيلا ميركل، إلى احتضان الحوار الليبي، من خلال مؤتمري برلين الأول والثاني، غير أنها فشلت بسبب محاولة إقصاء بعض القوى الفاعلة في المنطقة ونقصد المغرب، أما فرنسا، فقد فقدت المبادرة حول مستقبل هذا البلد، بسبب الثقل التركي.
هل تكون المصالحة الفرنسية الجزائرية والألمانية المغربية الجديدة بداية حقبة أخرى ؟
المبادرة الألمانية الفرنسية من أجل ترميم العلاقات مع الدول المغاربية، تبدو أنها ستكون واعدة، لكن معالمها ما زالت لم تتضح، هل سيكون هناك عمل مشترك من داخل الاتحاد الأوروبي من أجل رؤية جديدة لعلاقات هذا التكتل القاري مع المغرب الكبير، أم أن الأمر سيقتصر فقط على مبادرات من أجل بعث العلاقات الثنائية بين بعض الدول، كرهان ألمانيا على المغرب من أجل جعله قاعدة نحو الانطلاق إلى إفريقيا بعد فشل الحل التونسي، أو ترميم فرنسا علاقاتها مع الجزائر فقط من أجل السماح بمرور الطائرات العسكرية الفرنسية فوق أجوائها؟
تبدو المهمة صعبة جدا أمام الاتحاد الأوروبي، خصوصا وأن العائق الأكبر هو وجود صراع مغربي جزائري تطور إلى مستوى الخطورة وغياب التنسيق بينهما والمنافسة والصراع في الملفين الليبي التونسي، كما أن التاريخ يشهد أن الاتحاد الأوروبي والمغرب الكبير أضاعا الفرصة التاريخية التي أتيحت إثر الحرب الباردة، من خلال عدم الاستمرار في الشراكة الأوروبية المتوسطية التي أطلقت قبل عقدين ونيف ببرشلونة.. فهل يستفيد الطرفان من أخطاء الماضي وتدارك ما فات وإقامة شراكة جديدة مبنية على المصالح المشتركة ؟



