تحليل إخباري | هل لعب الحموشي دورا في الحفاظ على العلاقات المغربية الإسبانية ؟
التدخلات الملكية لإنهاء الأزمة مع مدريد
للتقاليد الملكية طقوس بروتوكولية معقدة، لكن الملك الإسباني فيليبي السادس، اختار اصطحاب زوجته إلى الجناح المغربي في المعرض الدولي للسياحة المقام في مدريد، دون أن يكون في استقباله لا وزير ولا رئيس حكومة، ولا حتى سفير(..)، بل استقبله فقط موظفون تابعون لوزارة الخارجية والمكتب الوطني للسياحة، بينما احتفى عمال الجناح، الذين كانوا يرتدون الزي المغربي، بهذه الزيارة الغير متوقعة.
إعداد : سعيد الريحاني
بعيدا عن الشكليات، فإن زيارة العاهل الإسباني لجناح المغرب، تم اعتبارها رسالة ودية إزاء المغرب، بعد توتر العلاقات، بعد تورط الحكومة الإسبانية في تنظيم واستقبال زعيم البوليساريو في رحلة علاج مشبوهة دون إخبار الجانب المغربي، بل إن الوقائع التي تم كشفها بطابع فضائحي، أكدت أن الاستقبال تم بوثائق مزورة، وبتورط عدة مسؤولين(..).
زيارة العاهل الإسباني للجناح المغربي، سبقتها تصريحات ودية إزاء المغرب، ما يعني أن الملك الإسباني يتزعم مبادرة لتصفية الأجواء، حيث قال أن بلاده (بخلاف بعض السياسيين) ((متمسكة بمتانة العلاقات الدبلوماسية بين مدريد والرباط، من أجل تجاوز الخلاف السياسي الحالي، وبأهمية إعادة تحديد العلاقة القائمة بين البلدين على أسس أكثر قوة ومتانة، مشيرا إلى أن “إسبانيا تتشبث بموقفها حيال قضية الصحراء، من خلال دعم الحوار الأممي بين الرباط والبوليساريو”.. وذكر فيليبي السادس أنه “ينبغي على الأمتين السير معا من أجل الشروع في تجسيد هذه العلاقة بدءا من الآن” وتابع: “قربنا وكثافة الصلات المتعددة التي تجمعنا، تجعل علاقتنا مترابطة بشكل واضح”، وزاد موضحا “لهذا السبب، سيواصل بلدنا بذل كافة الجهود اللازمة لإحداث وتعزيز فضاء مشترك من السلم والاستقرار والازدهار”.. جاء ذلك في كلمة ألقاها العاهل الإسباني خلال استقبال خص به السلك الدبلوماسي المعتمد في إسبانيا)) (المصدر: عدة وكالات).
ولأن رجال الدولة يفكرون في الأجيال المقبلة، بينما يفكر السياسيون في الانتخابات المقبلة.. فقد قال الملك الإسباني، رغم وجود أزمة حكومية بين المغرب وإسبانيا، أن ((العلاقات التي تجمع بلاده مع دول المنطقة المغاربية، تكتسي طابعا استراتيجيا)).
يمكن القول إن تصريحات الملك الإسباني تمثل أفضل جواب عن تصريحات الملك محمد السادس في خطاب الذكرى 68 لثورة الملك والشعب، والذي قال فيه: ((إننا نتطلع بكل صدق وتفاؤل، لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية ورئيسها بيدرو سانشيز، من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين، على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات)) قبل أن يوضح: ((صحيح أن هذه العلاقات مرت في الفترة الأخيرة بأزمة غير مسبوقة، هزت بشكل قوي الثقة المتبادلة وطرحت تساؤلات كثيرة حول مصيرها، غير أننا اشتغلنا مع الطرف الإسباني بكامل الهدوء والوضوح والمسؤولية))، بل إن الملك محمد السادس تحدث بشكل واضح وهو يقول أن ((هدف الرباط لم يكن الخروج من هذه الأزمة فقط، وإنما أن نجعل منها فرصة لإعادة النظر في الأسس والمحددات التي تحكم هذه العلاقات.. إن المغرب تغير فعلا، ولكن ليس كما يريدون، لأنه لا يقبل أن يتم المس بمصالحه العليا، وفي نفس الوقت يحرص على إقامة علاقات قوية بناءة ومتوازنة، خاصة مع دول الجوار، وهذا المنطق هو الذي يحكم توجهنا اليوم في علاقتنا مع جارتنا إسبانيا)).

سواء في المغرب أو في إسبانيا، وبخلاف الحكومتين، كانت “التحركات الملكية” هنا وهناك، كفيلة بعدم تفاقم الأوضاع، وبخلاف العلاقات السياسية والحكومية التي طبعتها تصريحات قوية من كلا الجانبين، حيث كانت وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة تتهم المغرب بـ”الابتزاز”، بينما يقول وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أن ((المغرب لا يقبل بازدواجية الخطاب والمواقف من إسبانيا))، موضحا (وقتها) أنه ((يتعين على مدريد أن تعي بأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وعلى بعض الأوساط في إسبانيا أن تقوم بتحيين نظرتها تجاه المغرب)).
منذ استقبال إبراهيم غالي وهو خطأ محسوب على الحكومة الإسبانية، وما تبعه من تطورات، ظلت الأزمة مع إسبانيا هي نفسها، حتى أن المغرب حال دون مشاركتها في مناورات “الأسد الإفريقي”(..)، ولكن من الناحية الأمنية، ظل التعاون مع إسبانيا مستمرا، وهذا جوهر الخلاف بين “الأزمة المغربية الإسبانية” و”الأزمة المغربية الألمانية”.. فإذا كان التعاون الأمني مع إسبانيا قد بقي مستمرا رغم التوتر السياسي، فإن “التقارير الأمنية” هي التي كانت وراء وقوع أزمة مع ألمانيا، هي بدورها في طور التجاوز مع وصول مستشار جديد هو أولاف شولتز بدل المستشارة السابقة المعادية للمغرب، أنجيلا ميركل.
في ظل استمرار الأزمة مع إسبانيا، والتي لا تخفف منها سوى “التحركات الملكية”، كتبت الصحافة الوطنية والعالمية، عن بعض نتائج التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا، من خلال “تفكيك أكبر شبكة لتهريب القرقوبي”، حيث قالت المواقع ما يلي: ((قام الحرس المدني الإسباني، بمعية مصلحة الضرائب الإسبانية والمديرية العامة للأمن الوطني، في عملية مشتركة، بتفكيك منظمة إجرامية دولية مقرها بإسبانيا لتصنيع الأقراص المهلوسة (القرقوبي) في المغرب، حيث أسفرت التحقيقات النهائية عن ضبط أكبر كمية مخدرات في تاريخ الجارة الشمالية.. وبحسب المعطيات المنشورة على الموقع الإلكتروني الرسمي للشرطة الإسبانية، فقد تمكنت السلطات الإيبيرية من ضبط 200 ألف قرص مهلوس من نوع البنزوديازيبين، واعتقال ثمانية أشخاص متورطين في هذه العملية الإجرامية، مع ضبط أكثر من 500 ألف قرص مهلوس في المغرب وإسبانيا)) (المصدر: موقع هسبريس/ 12 يناير 2022).
ما كتبته المواقع، يؤكد وجود تعاون أمني رغم الخلاف السياسي، حيث قالت أيضا: ((نُفذت العملية الأمنية المشتركة، التي جرت على أربعة مراحل، في مقاطعات: لاردة (مقر زعيم المنظمة) ومدريد، وأليكانتي.. وقد بدأ التحقيق الذي همّ هذه العصابة، التي يوجد مقرها المركزي بإسبانيا، في يونيو 2021، بفضل التنسيق الأمني بين المديرية العامة للأمن الوطني والشرطة الإسبانية.. وجاءت هذه القضية الكبرى في أعقاب العملية التي نفذتها الشرطة المغربية في شهر ماي المنصرم، حيث تمكنت مصالح الأمن الوطني، بتنسيق مع عناصر الجمارك بميناء طنجة المتوسط، من إجهاض عملية كبرى لتهريب 361 ألفا و672 قرصا طبيا مخدرا، وحجز أربع كيلوغرامات و477 غراما من الكوكايين كانت موجهة نحو المغرب انطلاقا من إسبانيا)) (نفس المصدر).
هكذا إذن، يتماشى الخط الأمني مع التوجه الملكي، بخلاف الخط السياسي الحكومي، وهو ما يعطي قيمة أكبر لـ”كبير مستشاري الملك في الشؤون الأمنية” عبد اللطيف الحموشي، هذا الأخير بصفته رجل دولة، يحظى أيضا بالتقدير والاحترام لدى الجهات الإسبانية، بل إنه حاصل على أكبر وسام إسباني شأنه شأن الجنرال حرامو، ما يعني أن الخبرة الأمنية المغربية حاضرة في الملفات الإسبانية.
وسبق أن تردد صدى أخبار منح وسام إسباني للحموشي في مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية، بعد أن كتبت ما يلي: ((حصل عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير مديرية مراقبة التراب الوطني (21 شتنبر 2019)، على وسام الاستحقاق من الحرس المدني الإسباني، وتم توشيح الحموشي خلال اجتماع المجلس الوزاري تحت رئاسة العاهل الإسباني فيليبي السادس، حيث تقرر بناء على اقتراح من وزير الداخلية الإسباني، خورخي فرنانديز دياز، منح الحموشي وسام الاستحقاق “الصليب الأكبر” للحرس المدني الإسباني، فيما صدر مرسوم ملكي بشأن ذلك، ويأتي هذا التوشيح لتأكيد متانة التعاون الأمني المغربي الإسباني المثالي في مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة، وأيضا كإشادة من الأجهزة الإسبانية بما قدمته الأجهزة الأمنية المغربية وتعاونها المكثف والفعال في مكافحة التهديدات المشتركة.. هذا التعاون الأمني الوثيق بين أجهزة الأمن في المغرب وإسبانيا، سمح بتفكيك العديد من الخلايا الإرهابية، التي كان بعضها يستعد لتنفيذ أعمال إرهابية داخل المملكتين باستخدام الأسلحة النارية والمتفجرات، وأيضا بتحييد خطر العديد من شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والبشر)) (المصدر: القدس العربي/ 23 شتنبر 2019).
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تم فيها توشيح الحموشي من طرف إسبانيا، فقد سبق له أن وشح في سنة 2014، بوسام “الصليب الشرفي للاستحقاق الأمني بتميز أحمر”، من إسبانيا أيضا، وكل ذلك يؤهل المدير العام للأمن الوطني المغربي ومدير مديرية مراقبة التراب الوطني، إلى لعب دور أكبر في “تأمين” العلاقات المغربية الإسبانية أمام تقلبات السياسيين، ومن هنا يأتي السؤال: هل حال التعاون الأمني دون تفاقم الأزمة المغربية الإسبانية؟ وهل لعب الحموشي دورا في تجنب التصعيد(..)؟

جدير بالذكر، أن فضح تواجد إبراهيم غالي في إسبانيا، وإن كان قد اكتسى طابع الضربة الحكومية، في حينه، إلا أنه في الواقع ضربة مخابراتية مغربية لإسبانيا، لازالت تداعياتها تلاحق المؤسسات الإسبانية، حتى أن وزيرة الخارجية السابقة، أرانشا غونزاليس لايا، لازالت تحاكم بسبب هذه القضية.
كما يذكر أن التصعيد المغربي في مواجهة المناورة الإسبانية، المتمثلة في استقبال إبراهيم غالي، والذي انتهى بتعديل حكومي خرجت من خلاله وزيرة الخارجية الإسبانية من الحكومة، كانت مؤشراته واضحة من خلال بعض فقرات بلاغ وزارة الخارجية المغربية، والذي جاء فيه: ((منذ أن استقبلت إسبانيا على أراضيها زعيم ميليشيات البوليساريو، المتهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ضاعف المسؤولون الإسبان من التصريحات التي تحاول تبرير هذا الفعل الخطير الذي يخالف روح الشراكة وحسن الجوار))، علما أنه ((لا يمكن للاعتبارات الإنسانية أن تشكل وصفة سحرية يتم منحها بشكل انتقائي لزعيم ميليشيات البوليساريو في وقت يعيش فيه آلاف الأشخاص في ظل ظروف لاإنسانية في مخيمات تندوف، ولا يمكن للاعتبارات الإنسانية أن تشكل تفسيرا للتواطؤ بخصوص عملية انتحال هوية وتزوير جواز سفر بهدف التحايل المتعمد على القانون، بل إن موقف بعض المسؤولين الحكوميين (الإسبان)، والذي يتضمن حكما مسبقا على رد الفعل المغربي ويحاول التقليل من التداعيات الخطيرة على العلاقات، لا يمكن أن يحجب هذا الوضع المؤسف)) المصدر (أرشيف الأسبوع).
وأخيرا، إن تطور العلاقات المغربية الإسبانية في الفترة الأخيرة، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تطورات القضية الوطنية، التي عززها اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، ولهذا اجتمع وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن بواشطن، بوزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس، للحديث بشكل رئيسي حول النزاع في الصحراء المغربية، وحسب صحيفة “إلموندو” الإسبانية، فإن ((الوزير الأمريكي اتفق مع الوزير الإسباني على توحيد الجهود، لأجل حل النزاع بالصحراء المغربية، وهذه الخطوة تأتي بعدما ظلت إسبانيا بعيدة عن الموقف الأمريكي، الذي اعترف بسيادة المغرب على صحرائه في دجنبر 2020..))، وأكدت الصحيفة أن ((الأزمة بين المغرب وإسبانيا لم تحسم بعد، رغم محاولات حكومة مدريد طي الخلاف في أسرع وقت ممكن))، مشيرة إلى ((دعوة الملك الإسباني المغرب إلى بدء علاقة جديدة)) في خطابه الأخير.



