تحليل إخباري

تحليل إخباري | المغرب يلعب ورقة “طريق الحرير”

المشروع الذي يرعب أمريكا وأوروبا

وقع المغرب والصين مؤخرا اتفاقية مشتركة في إطار تنفيذ مبادرة “الحزام والطريق”، غير أن كثيرا من التغطيات الإعلامية، لم تنتبه إلى العمق التاريخي لاتفاق من هذا النوع، الذي ترجع أصوله إلى قرون، وإذا كان ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، قد وقع عن الجانب المغربي، فإن الموقع من الجانب الصيني كان هو نينغ جي، نائب رئيس لجنة التنمية والإصلاح في جمهورية الصين الشعبية.

ويفرض الحديث عن “طريق الحرير”، الإلمام بالمعطيات التاريخية الخاصة بهذا الموضوع، باعتبار أن “طريق هذا الاتفاق” تعد جزء من الصراع الكبير بين أمريكا والصين.. هل خطر ببالك مثلا أن انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من أفغانستان، هدفه هو محاربة “مشروع طريق الحرير الجديدة”؟ نعم، فرغبة واشنطن في إفشال شراكة الصين مع العديد من الدول المجاورة، وتخريب مبادرة “الحزام والطريق” بكامل فروعها، يؤكدها وضع مدينتين مهمتين في يد “طالبان”، وهما مدينتان تقعان على طريق المبادرة التي كانت تسمى قديما “طريق الحرير”، هما كابول (التي يطلق عليها اسم جوهرة الشرق) وننغرهار، حيث موقع “هَدّه” الأثري الذي يعد مهد الحضارة البوذية.

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    لمعرفة “طريق الحرير”، ينبغي قراءة التاريخ، وقراءة التاريخ تقول أن ((“طريق الحرير” شكل قبل قرون طويلة، شريان حياة للتجارة الصينية، من وإلى دول العالم، وتحاول الصين منذ عام 2013، إحياء هذا الطريق، لإيصال بضائعها بأسهل وأسرع طريقة ممكنة لجميع قارات العالم، عبر طريقين، بري وبحري، ومبادرة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، التي تحمل هذا الاسم، تعتمد على إنشاء بنى تحتية بالتعاون مع 68 دولة، وبالعودة إلى التاريخ، فهذا الطريق هو مجموعة من الطرق البحرية والبرية المترابطة مع بعضها كانت تسلكها السفن والقوافل بين الصين وأوروبا لتجارة الحرير والتوابل والعطور.. ويبلغ طوله 12 ألف كيلومتر تقريبا، ويبدأ من المراكز التجارية في شمال الصين لينقسم إلى فرعين: الأول هو الطريق الشمالي عبر شرق أوروبا والبحر الأسود وصولا إلى مدينة البندقية الإيطالية، أما الجنوبي فكان يمر عبر سوريا والعراق وتركيا وصولا إلى مصر والبحر الأبيض المتوسط.. يغذي الطريقان كلا من قارتي أوروبا وإفريقيا)) (المصدر: وكالات).

وفي تعريف آخر: ((ساهم “طريق الحرير” منذ آلاف السنين، في تحقيق النمو والتكامل الاستراتيجي على مستوى البنى التحتية، وكذلك التنمية الاقتصادية خلال العقود الماضية، إلى أن حدث التراجع بسبب المسارات الجديدة التي اعتمدت عليها حركة التجارة الدولية، كما ساهم الطريق في تحقيق الازدهار للعديد من الحضارات القديمة، منها المصرية والصينية والرومانية والهندية، فضلا عن الالتقاء والتنوع الثقافي والتبادل الفكري، وهو ما أثرى أيضا الحياة في المدن الساحلية المحاذية للطريق، وقد توقف كخط ملاحي للحرير)) (المصدر: ملحة عبد الله /جريدة “الرياض”).

قبل طرح السؤال عن موقع المغرب في اتفاق من هذا النوع، يمكن القول من الناحية الاستراتيجية ما يلي: ((في ضوء ما يحياه العالم الآن من تقدم صناعي وتكنولوجي فاق الأزمنة السابقة والعصور اللاحقة لها، نشهد إجماع العالم على إعادة إحياء هذا الطريق، لكن كل دولة تسعى إلى أن تكون مركزا تجاريا لهذا الطريق كنوع من الاستراتيجية الاقتصادية لها.. فهل يمر إحياء هذا الطريق بسلام؟ من هنا بدأت الاجتماعات والمؤتمرات حول إمكانية الظفر بأن تكون كل دولة هي مركز تجاري ورابط بين أجزاء هذا الطريق)) (نفس المصدر).

طريق الحرير

وسبق للرئيس الصيني أن ترأس اجتماعا كبيرا للتعريف بمشروع “الحزام والطريق”، تحت عنوان “قمة طرق الحرير” بمشاركة ممثلين عن 150 بلدا، وتهدف الصين من خلالها التسويق للمبادرة التي ستجعلها محورا للعلاقات الاقتصادية العالمية، و((يعرف المشروع رسميا باسم “الحزام والطريق”، وهو مبادرة صينية قامت على أنقاض “طريق الحرير” القديم، ويهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير الذي يربطها بالقارة الأوروبية، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافئ وطرقات وسككا حديدية ومناطق صناعية)) (المصدر: موقع الجزيرة/ 17/8/2021).

المغرب إذن، ليس استثناء مثله مثل مجموعة من الدول التي تحاول وضع أرجلها على “طريق الحرير”، لكن هل الأمر سهل في ظل الحسابات الجيوستراتيجية؟ وما هي الخيارات المطروحة أمام المغرب؟

الجواب عن هذا السؤال سبق، أن قدمه الباحث والحقوقي، رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، المصطفى كرين، ويطرح أمام المغرب ثلاث خيارات، من خلال ورقة استراتيجية حيث يقول: ((يتبين لنا بعض الترتيبات الجيوسياسية التي تمهد لرسم “طريق الحرير” الجديد، ولكن هذا المسار الذي يمر عبر أذربيجان بشكل خاص، وكازاخستان وآسيا الوسطى بشكل عام، ليس المسار الوحيد، بل هناك مسارات أخرى تنشط فيها بقوة كل من بكين وموسكو وأنقرة، ولكن لا يتسع المجال لتناولها بتفصيل، ونركز هنا على تلك الطرق التي يعتبر المغرب معنيا بها بشكل مباشر أو غير مباشر، مع ما تشهده تلك المسالك من إكراهات وتعقيدات، وذلك في أفق مقاربة موقع المغرب من هذه الترتيبات، ومعرفة ما المطلوب منه، خصوصا وأن خروج المغرب من معادلة “طريق الحرير”، سيحشره في الزاوية الضيقة وسيفقده بشكل فادح دوره كبوابة لإفريقيا على أوروبا والعكس.. إذن، كيف يمكن للمغرب ركوب قطار طريق أو “طرق الحرير”؟

المصطفى كرين

إن قراءة متأنية في الخريطة الجيوسياسية للعالم، تمكننا من القول أنه أمام المغرب طرقا ثلاثة للتواجد ضمن هذه الترتيبات: الطريق الشرقية (التي أسميها الطريق العربية، والتي تمر عبر عمان نحو الصومال، في انتظار عودة اليمن إلى الاستقرار والسعودية ودول الخليج الأخرى)، ثم السودان فمصر، ومن هناك نحو المغرب عن طريق البحر أو عن طريق ليبيا وتونس برا فالمغرب بحرا، في انتظار عودة الإخوة الجزائريين إلى العقل والمنطق حتى تفتح الحدود ويستمر الطريق برا عبر الجزائر انتهاء بالمغرب، ومن محاسن هذه الطريق كما من متطلباتها، أنها يمكن أن تعيد صياغة خريطة التعاون الاقتصادي والسياسي العربي.. وهناك الطريق الغربية (الإفريقية)، والتي يجب مقاربتها بمنطق مختلف وتتعلق بالعمل على إبداع أسس جديدة للتعاون الإفريقي، وهذه الطريق يمكنها الوصول إلى المغرب عبر خط من الدولة الإفريقية الصديقة أو الحليفة بما يمكنها كذلك من حجز مكانها على طريق التجارة العالمية قيد التشكل، وتبدأ بموريتانيا ثم مالي فالسنغال وغينيا ثم الكوت ديفوار مرورا ببوركينا فاسو نحو الطوغو فالبنين، وصولا إلى نيجيريا فالكاميرون ثم الغابون ثم الكونغو الديمقراطية فبوروندي والمرور عبر تانزانيا نحو كينيا وانتهاء بالصومال… ومن هناك نحو عمان، ومن محاسن هذه الطريق ومتطلباتها أيضا، هي أنها تتيح فرصة تأسيس تحالف اقتصادي إفريقي واسع، وهناك أخيرا الطريق الشمالية (الأوروبية) التي تتطلب المرور عبر إسبانيا ففرنسا وألمانيا (أو بعض الدول الشرقية المجاورة لها)، فروسيا ثم كازاخستان انتهاء بالصين، ويترتب عنها بالنسبة للمغرب، ضرورة إبداع عدد من الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف بمنطق يتماشى مع طبيعة الطريق ومحاذيرها وإكراهاتها، والفرص التي توفرها وبأبعاد مختلفة بما يجعل المغرب في النهاية ملتقى لثلاثة طرق تجارية وملاحية وسياسية وسياحية، حسب تحليل المصطفى كرين.

إن لعب المغرب لـ”ورقة الحرير”، يفرض حتما الإدراك بأن هذا المشروع العملاق لا يروق للإدارة الأمريكية، التي لم يعد أمامها سوى لعب “ورقة الديمقراطية”، وهي الورقة التي باتت محروقة، ولم تعد الحيلة تنطلي إلا على بعض الدول قسرا، بل إن أمريكا التي فشلت في تخصيص استثمارات منافسة لاستثمارات الصين في مشروع “طريق الحرير” الجديد، أصبحت تتحرك لمحاولة تحييد بعض الدول من طريق الصين، وفي هذا الصدد، ((تريد أمريكا أن ترص صفوف الدول الأوروبية في معركتها القادمة ضد النفوذ الاقتصادي الصيني في العالم، والتي عبر عنها بايدن بمواجهة ضد موسكو وبكين خلال المؤتمر الأخير وهو يريد استخدام تعبير الدول الديمقراطية في أوروبا كمسوق إيديولوجي ضد نظامين مازالت واشنطن تعتبرهما أنظمة شيوعية، رغم أن كلا البلدين، روسيا والصين قد تخليا عن الجانب الاقتصادي في الفكر الشيوعي وأخذا بالعمل بسياسة الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة عالميا، أي الأخذ بالنظام الرأسمالي العالمي، لكن واشنطن تصر على اعتبار بكين وموسكو أعداء للنظام الرأسمالي وأعداء للديمقراطية، ولا يستبعد بعض المحللين أن موافقة البيت الأبيض على عقد قمة مرتقبة قادمة بين الرئيسين الأمريكي بايدن والروسي بوتين، في سويسرا، هو من أجل تحييد روسيا في صراع أمريكا ضد الصين لذا يبقى الصراع العالمي حاليا محصورا في حلبة بين أمريكا والصين أو هكذا تريده واشنطن، وتأليب العالم كله ضد الصين بما في ذلك روسيا لكن الأوراق الأمريكية ليست في كلها لصالحها.. فهناك دولا آسيوية كثيرة ودولا عربية، وبعض الدول الأوروبية أصبحت منفتحة سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا على الصين بل هناك شركات أمريكية كبيرة لديها استثمارات اقتصادية في الصين خصوصا في مجال الصناعات الإلكترونية والسيارات وغيرها..

إنه صراع اقتصادي وسياسي وتكنولوجي بين أكبر قوتين في العالم هما أمريكا والصين.. ترى من سيكون له الفوز في النهاية؟)) (المصدر: الكاتب عبد المنعم إبراهيم).

الوزير بوريطة يوقع إلى جانب نينغ جي، نائب رئيس لجنة التنمية والإصلاح في جمهورية الصين الشعبية، اتفاق “الحزام والطريق”

المغرب إذن، على الطريق الصحيح، لكنه مليء بالألغام، وقد يكون أحد الألغام هو قضية الناشط الإيغوري المسلم، إدريس آيشان، الذي تم اعتقاله في المغرب، ولازالت المناشدات الحقوقية تطالب بعدم تسليمه إلى الصين، ليبقى السؤال مطروحا: لماذا سيقوم ناشط صيني صدرت في حقه مذكرة بحث دولية، ويعرف مسبقا أن تحركاته قد تنتهي به معتقلا.. باختار النزول في المغرب، رغم أنه كان يقيم في تركيا لمدة طويلة من الزمن؟ لماذا هذا التوقيت بالذات؟ وهل للأمر علاقة بألعاب المخابرات العالمية؟ سؤال سيجيب عنه الزمن، لكن ما يمكن قوله حاليا، هو أن اعتقال هذا الناشط سبب للمغرب إحراجا كبيرا، ففي حالة تسليمه للصين، ستقول أمريكا أنه تصرف غير ديمقراطي، وفي حالة عدم تسليمه، سيبقى السؤال مطروحا عن أسباب امتناع المغرب في ظل وجود تعاون أمني وعسكري وعطف صيني على المملكة(..) ؟

لحسن الحظ، أن العلاقات المغربية الصينية تحظى بدعم من أكبر المستويات، سواء من طرف الرئيس الصيني تشي جين بينغ أو الملك محمد السادس، وفي هذا الصدد، ولفهم أبعاد هذه العلاقات، تكفي فقط قراءة رسالة الرئيس الصيني للملك محمد السادس التي قال فيها: ((في السنوات الأخيرة، واصلت جمهورية الصين الشعبية والمملكة المغربية تعزيز الثقة السياسية المتبادلة، والنهوض بالتعاون العملي في مختلف المجالات، وتكثيف التبادلات الإنسانية والثقافية، ومنذ ظهور جائحة كوفيد 19، يعمل بلدانا يدا في يد، ويتعاونان بشكل وثيق في مكافحة هذا الوباء))، مضيفا أن ((هذا التعاون أعطى ثماره))، وأشار الرئيس الصيني إلى أنه ((يولي كما دأب على ذلك الملك، أهمية كبيرة لتطوير العلاقات بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة المغربية))، معربا عن استعداده التام للتعاون مع الملك من أجل النهوض أكثر بالعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والمساهمة بالتالي، في تحقيق رفاهية شعبيهما)).. هكذا تحدث رئيس الصين إلى المغاربة.. ولاشك أن الحديث سيطول أكثر كلما قطع المغرب مسافة أكبر في “طريق الحرير” الجديدة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى