تحليل إخباري

تحليل إخباري | وزير أكبر من رئيس الحكومة

قائد اللوبي الفرنكفوني في الوزارة.. شكيب بنموسى

لا أحد يستطيع أن يحدد مصدر الجرأة التي جعلت وزراء في حكومة عزيز أخنوش يتطاولون على الدستور، فبغض النظر عن التطاول على الاختصاصات الملكية من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أدخل نفسه في “أزمة وجودية” بعد تدخله في شؤون العفو الملكي، جاء الدور على شكيب بنموسى، الذي أعلن عن سقف 30 سنة كشرط لولوج مهنة التدريس، وهو شرط غير منطقي، ولا يتلاءم مع الدستور الذي يضمن احترام مبدأ تكافؤ الفرص.

وإذا كانت خرجات وهبي، التي تعد ضمن خانة زلات اللسان، مفهومة بالنظر إلى ماضي الرجل(..)، فإن الأمر يستحق وقفة كبيرة في حالة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الذي أصدر قرارا تسبب في تهييج الشارع العام، بعد التأكد من حرمان شريحة عريضة من المواطنين من حقها في العمل.

 

إعداد : سعيد الريحاني

 

    يقول المعلقون على شكيب بنموسى، الذي لم يستطع الدفاع عن قراره أمام الحشود بأدلة منطقية، على شاشة التلفزيون: ((بدا شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، غير مقنع إطلاقا خلال خرجته الإعلامية على القناة الثانية، والتي تأتي عقب قراره المتعلق بخفض سن الولوج لمباريات التعليم إلى 30 سنة، وما خلفه من ردود فعل غاضبة ومستنكرة.. ومن الأجوبة الغريبة التي أدلى بها الوزير في رده عن سؤال مدى قانونية شرط السن المعلن، قوله: “ولوج هذه المباراة مفتوح أمام المواطنين الذين يستجيبون لشرط السن، المهم هو أن تمر في جو من الشفافية، وبطريقة تجعل تكافؤ الفرص بين المترشحين..”، ويبدو أن كلام المتحدث فيه من التخبط وعدم الوضوح ما الله به عليم، بل يصادر على المطلوب بإعادة تكرار مبدأ المساواة دون ربطه بالقرار المتخذ، ذلك أن مبدأ الشفافية هو الذي يريده عامة المواطنين، كما أنه أيضا لا يمكن المقايضة أو وضع تقابل بين هذا المطلب وبين احترام الدستور والقوانين الجاري بها العمل، والتي جميعها ليس فيها ما يساند ويعضد كلام الوزير وقراره.. لقد جعلت خرجة بنموسى فئة من الذين انتظروا سماع رواية الوزير، يحسمون موقفهم إلى جانب الرافضين لقرار 30 سنة، حيث تبين أن كلام المسؤول الحكومي غير علمي وغير واقعي وغير منسجم وغير مقنع، فضلا عن أن القرار غير قانوني ولا يراعي متطلبات السلم الاجتماعي، ولما اجتمعت هذه الصفات في خرجة بنموسى، حق لنا أن نقول شفقة عليه: ليته سكت)) (المصدر: تعليق حزب العدالة والتنمية/ 25 نونبر 2021).

ويطرح موقع بنموسى داخل الحكومة، عدة علامات استفهام.. فهو وزير غير منتخب، وغير سياسي، وأكثر من ذلك، فتكليفه في وقت سابق برئاسة لجنة النموذج التنموي، التي صاغت مشروعا قدم للملك محمد السادس، يطرح السؤال عن طبيعة علاقته برئيس الحكومة الجديد، عزيز أخنوش، كيف يمكن أن يكون بنموسى تابعا لأخنوش وهو صاحب مشروع النموذج التنموي؟ وكيف يمكن لأخنوش أن يصدر الأوامر لرئيس اللجنة الملكية لصياغة النموذج التنموي؟ هل يعقل أن يكون البرنامج الحكومي أكبر من مشروع النموذج التنموي؟ ما العمل في حالة التعارض بين التوجهين، في حالة وجود وزير أكبر من رئيس الحكومة؟

احتجاجات حاشدة ضد قرارات شكيب بنموسى

بنموسى الذي اختارته “الأسبوع” شخصية السنة، سبق له أن شغل منصب وزير الداخلية، غير أنه محسوب على حزب فرنسا (اللوبي الفرنسي)، فخلال مهمته على رأس لجنة النموذج التنموي، تم إغراق هذه الأخيرة بـ”بروفايلات” شخصيات محسوبة على التيار الفرنسي، حيث ((ضمت اللجنة التي أعلن عنها بلاغ ملكي، 35 عضوا، ويقودها سفير المغرب في فرنسا، وزير الداخلية الأسبق، الذي جاء إلى المنصب بعد وصول موجة الحاملين للجنسية الفرنسية إلى أعلى منصب في وزارة الداخلية(..)، وقد كان يعاب عليه ضعف تواصله مع الأحزاب السياسية، والدخول في معارك هامشية خلقت جوا من الارتباك خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2009، والأكثر من ذلك، فقد هاجم فؤاد عالي الهمة عمله على رأس وزارة الداخلية مباشرة سنة 2009..)) (المصدر: أرشيف الأسبوع).

عدم الرضى على طريقة اشتغال شكيب بنموسى، قد تلتقي فيه تيارات مختلفة، ومسؤولون من مختلف الأسلاك، وأحد أكبر عيوبه، هو تبعتيه العمياء للوبي الفرنسي، فـ((عندما كان المغاربة ينتظرون قرارا حاسما من الحكومة للشروع في تخفيف إجراءات الحجر الصحي (يونيو 2020)، أكدت تغريدة لسفيرة فرنسا في الرباط، هيلين لوغال، أن الرجل الذي كلفه الملك محمد السادس بالبحث، رفقة مجموعة من الفعاليات، عن نموذج تنموي للمغرب، عقد اجتماعا مع السفيرة، ليقدم لها تقريرا مرحليا، في زمن الحجر الصحي(..)، وإذا كان من الطبيعي أن تبحث السفيرة الفرنسية عن مكان مرموق لفرنسا في مشروع النموذج التنموي المغربي، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لشكيب بنموسى، الذي يفرض عليه منصبه الدبلوماسي أولا، ومنصبه كرئيس للجنة ملكية ثانيا (وقت حصول الحادث)، الالتزام بواجب التحفظ فيما يخص تحركاته، إذ لا يعقل أن يتورط مسؤول في منصب حساس في لقاء مع ممثل دولة أجنبية، ثم يخرج للناس مقللا من قيمة هذا اللقاء بعد فضحه، بشكل مقصود من طرف السلك الدبلوماسي لفرنسا)) (التفاصيل: سقوط بنموسى على أعتاب السفارة الفرنسية/ الأسبوع الصحفي).

انتقاد اللوبي الفرنسي ولجنة النموذج التنموي إبان رئاستها من طرف شكيب بنموسى، الوزير الحالي في حكومة عزيز أخنوش، لم يقف عند حدود المسؤولين السياسيين والمناضلين، بل إن واحدا من كبار أطر الدولة، هاجم هذا اللوبي، بعد إبعاده من عضوية اللجنة بطريقة غامضة، حيث كان يقول والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري بالدارجة: ((وكلنا الله على الفرنسيس اللي ورطونا ف عدد من الأشياء))، ورغم أنه لم يذكر الأشياء التي ورطنا فيها الفرنسيون، غير أنه شن هجوما قويا على وزير خارجية فرنسا، الذي قال بأن ((نموذج رونو بالمغرب فاشل..))، وأوضح بأن ((كلام الوزير الفرنسي اللي قال ليهوم أرجعو رونو وبوجو لفرنسا.. ما بقا ليه غير السبان..)).

لجنة النموذج التنموي المغربي

كلام الجواهري بهذه الطريقة عن الفرنسيين، والذي لا يفهم سبب إبعاده من عضوية لجنة النموذج التنموي، طالما أنها كانت تضم رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ورئيس المجلس الأعلى للحسابات.. يؤكد على الأرجح الصراع الخفي بين التوجه الأمريكي والفرنسي داخل دواليب الاقتصاد المغربي، فالجواهري حسب الأمريكيين، يعد من أحسن محافظي البنوك المركزية في العالم، وفق تقرير تقييم أداء محافظي البنوك المركزية الذي تعده مجلة “غلوبال فاينانس” الأمريكية المتخصصة، لكن اللوبي الفرنسي ربما تكتل، لحرمان لجنة النموذج التنموي المغربي من أفكار اقتصادية أمريكية، يحملها الجواهري أكثر من غيره(..) (المصدر: أرشيف الأسبوع).

وكان وزير التربية الوطنية، الذي بدأ مهمته على وقع الانتقادات، قد أنهى مهمته على رأس اللجنة بتقرير نهائي صدرت في شأنه عدة مؤاخذات، ما يدل على طريقة اشتغال هذا الوزير، حيث تعد أكبر عيوب تقرير النموذج التنموي، تحديده لتاريخ 2035 كتاريخ للإنجاز، بينما الواقع يفرض آجالا أقرب.

في الانتقادات الموجهة لتقرير اللجنة التنموية، التي أشرف عليها بنموسى، يقول الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي المعروف، محمد حركات: ((إن تقرير لجنة النموذج التنموي تميز بعدم الاستجابة بما فيه الكفاية لمختلف مضامين ومتطلبات “كناش التحملات”، وفق التسمية الشائعة عند الخبراء، وكما سطرها الخطاب الملكي بكل حذافيرها (التحملات)، والقاضية بمطالبة اللجنة بالتحلي بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع للملك الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول)) حسب قوله.

وأضاف حركات، وهو خبير دبلوماسي وأحد أساتذة الاقتصاد في جامعة محمد الخامس بالرباط، ((ملاحظة ثانية، تتمثل في غياب الاستناد إلى التجارب الدولية المقارنة والناجحة والفضلى في تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة، مثل تجربة سنغافورة وكوريا الجنوبية والتايوان.. وأسباب نجاحها وتألقها عالميا، والدروس المستنتجة من ذلك في بناء نموذج مثالي وعملي، فابن خلدون يقول: “بأضدادها تعرف الأشياء”.

نفس المصدر خلص إلى عدة أخطاء تضمنها التقرير وهي تتجلى فيما يلي:

1) غياب المرجعية النظرية والجيواستراتيجية والاقتصادية في طرح الأسئلة الكبرى، والمخاطر المحدقة بالبلاد في بناء براديغمات النموذج التنموي المثالي، وبناء عقيدة تنموية قوية تستند إلى المعرفة العلمية العميقة في بلورة المشروع المجتمعي، فكرا وممارسة (بزوغ ملامح اقتصاد الصالح العام والحياة).

2) عدم استثمار مفهوم الحلم المغربي لتعبئة المجتمع في تحقيق هذا الحلم في عمقه الاستراتيجي والإنساني والحضاري، الدولي والإفريقي والمغاربي والعربي، عبر تمجيد قيم العمل والإنتاج والاستحقاق والكفاءة على حساب سلوكيات وعقليات الريع.

3) المعيقات المنهجية المتمثلة في تشتت الأفكار وعدم الربط الجدلي بين المكونات وغياب التركيب.. مما جعل التقرير ركيكا وغير محفز على القراءة، وغير قادر على إعطاء خريطة طريق واضحة المعالم.

4) عدم استثمار التقرير للدائرة الفاضلة لربط المسؤولية بالمحاسبة وبمعيقات هيئات الحكامة وتعددها، وكلفة اشتغالها الباهظة على مالية الدولة، في ظل غياب أي نجاعة في الأداء وأي مردودية تذكر في مواجهة تنامي الفساد والزبونية في التوظيف وتهريب الأموال وتضارب المصالح وعيوب السوق والاحتكار.

5) طرح الاستدانة (المديونية الخارجية) في تمويل التنمية كجزء من الحل بدل كونها جزء من المشكلة، اعتبارا لحمولتها الثقيلة على الأجيال المقبلة، بدل التركيز على التضريب التصاعدي للفلاحة والثروة، من خلال تبني إصلاح جبائي وتعبئة الموارد الداخلية وترشيد النفقات وتقوية المراقبة الداخلية على المال العام.

6) عدم استثمار مفهوم السعادة الإجمالية الداخلية عند المغاربة والمتدنية دوليا، واعتماد تحليل كمي (PIB) في تضاعف الدخل الفردي في 16000 دولار في أفق سنة 2035 في غياب مقاربة نوعية..

7) غياب التطرق للتجارب والممارسات الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية والثقافية والفنية والأدبية، وضعف التموقع المغربي في المنظمات الدولية والإقليمية، ودورها البارز في ترسيخ نموذج تنموي جديد، والترافع حوله استنادا إلى أجندة الأمم المتحدة 2030 وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063.

8) عدم تحديد السيناريوهات المحتملة في إدارة المخاطر في غياب أجندة خاصة حول القضاء النهائي على الأمية، وتغيير العقليات وبناء الصلابة والصمود في المجتمع، لرأب التصدعات العميقة التي أصابت الاقتصاد بفعل جائحة “كوفيد 19” وما نتج عنها من تفاوت فادح بين الفقر المدقع والثراء الفاحش، عبر ترسيخ قيم التضامن ودعم الوساطة والقضاء على النزاعات داخل الإدارة والمجتمع المغربي، لكي لا تفشل البلاد ويذهب ريحها)) (المصدر: الأسبوع عدد 3 يونيو 2021).

هذا من حيث الأخطاء المحسوبة على بنموسى في مراحل سابقة إبان السفارة، أما الآن وقد صار وزيرا للتعليم في حكومة عزيز أخنوش، فإن تطاوله على قانون الوظيفة العمومية والدستور، يجعل السؤال مطروحا، أيهما أكبر.. رئاسة الحكومة، أم وزارة التعليم ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى