ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هل تستمر أمريكا في تجاهل دور المغرب في إفريقيا ؟

بعدما تركته وحيدا في مواجهة الاتحاد السوفياتي وكوبا في إفريقيا خلال مرحلة السبعينات

تتهامس طائفة من المغاربة بينهم أنه في حال نشوب حرب بين المغرب والجزائر، أو حرب بالوكالة تقودها البوليساريو نيابة عن الجزائر، فإن المغرب لا محالة سيكون هو الرابح، على اعتبار أنه خلال مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لم يواجه المغرب البوليساريو والجزائر وحدهما فقط، بل حارب كوبا وليبيا والاتحاد السوفياتي طيلة خمسة عشر سنة وخرج منتصرا..

لا شك أن هذا التحليل يعتبر مبعثا على الارتياح في نفوس الذين يقيسون الحرب بميزان القوي والضعيف، لكن خلال مرحلة السبعينيات، وللحقيقة التاريخية، لم يقاتل المغرب الجزائر وليبيا وكوبا والاتحاد السوفياتي في الصحراء فحسب، وإنما واجههم في القارة الإفريقية، فقد ظل وحده يقاتل ضد المد الشيوعي في إفريقيا، خاصة بعد سقوط أنغولا في يد الثوار الشيوعيين، والتوسع الجزائري كذلك الذي كان يعتمد على قوة مالية كبيرة جراء تأميم الغاز والبترول، إضافة إلى التوسع الليبي على حساب دول الجوار، ومنها التشاد.

ولعل أكبر اعتراف بذلك، هو الذي جاء على لسان أمريكا، وذلك خلال زيارة الملك الحسن الثاني للولايات المتحدة يومي 14 و15 نونبر 1978، حيث قال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر خلال كلمة استقبال الملك: ((أريد أن أكشف بكل صراحة، أننا نحن الأمريكان استفدنا كثيرا من علاقاتنا مع المغرب أكثر من استفادة المغرب من هذه العلاقات.. إنها مناسبة عظيمة تتاح لنا لاستقبال ضيف اليوم، رجل يعرف القارة الإفريقية، المنطقة التي بدأت تظهر مصالحنا بصورة بناءة، وعندما ظل العالم أجمع مكتوف الأيدي أمام تهديد غزو الزايير من طرف قوات خارجية، ظهرت مرة أخرى أمة أبدت شجاعتها وزعامتها، إنها الأمة المغربية، فقد مارست تأثير الاستقرار وقامت بعمل في حينه بكل ثقة وعزم، وهذا يشكل مثالا يجب الاحتذاء بما قدمه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني للعالم أجمع)).

 

أعد الملف: سعد الحمري

 

    بين الأمس واليوم.. يبرز سياق جديد، يكمن في اهتمام أمريكا بالقارة السمراء في مواجهة محتدمة مع النفوذ الصيني المتصاعد فيها، ولعل آخرها زيارة وزير الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكن، إلى كل من كينيا ونيجيريا والسنغال، وإعلانه من العاصمة النيجيرية أبوجا: ((كمؤشر على التزامنا بشراكاتنا عبر القارة، ينوي الرئيس جو بايدن استضافة قمة قادة الولايات المتحدة وإفريقيا، من أجل الدفع قدما بنوع من الدبلوماسية عالية المستوى والانخراط فيها، يكونا قادرين على إحداث تحوّل في العلاقات وجعل التعاون الفعال أمرا ممكنا)).

ومن جهة أخرى، هناك دور جديد للمغرب داخل القارة، فلماذا لم تشمل زيارة وزير الخارجية الأمريكي المغرب على اعتبار دوره المرتقب في إفريقيا؟ وهل هي إشارة إلى إقصائه من الأجندة الأمريكية في القارة السمراء ؟

عندما عارض المغرب فكرة إنشاء قوة إفريقية دائمة وتدخل بمفرده من أجل دعم الزايير

    كانت للمغرب مواقف داخل إفريقيا بالأمس كما اليوم، فبعد بداية تدهور الأوضاع في القارة، خلال مرحلة السبعينات، وسيادة الانقلابات المدعومة من طرف الاتحاد السوفياتي وكوبا وليبيا، كان هناك اقتراح داخل أروقة منظمة الوحدة الإفريقية خلال سنة 1978، رفضه الملك الراحل الحسن الثاني، ويقضي هذا الاقتراح بخلق قوة إفريقية دائمة للتدخل في الدول التي تندلع فيها حركات تمرد أو اضطرابات، وقد علل الملك رفضه للمقترح خلال حوار لمجلة “الإكسبريس” الفرنسية، يوم 14 يونيو 1978، أكد من خلاله أن خلق قوة إفريقية دائمة للتدخل هو أمر مستحيل وخطير في نفس الوقت، معللا ذلك بكون منظمة الوحدة الإفريقية لا تملك الوسائل المادية كما تملكها مثلا منظمة الأمم المتحدة لخلق قوة إفريقية دائمة تتدخل لحل النزاعات ولا تشكل أمرا خطيرا، واعتبر أن البلدان التي يطلق عليها اسم الدول المعتدلة، ويعني المغرب، لن تكون في مستوى الدول التقدمية المسلحة بصورة مبكرة، في إشارة منه إلى ليبيا والجزائر.

وبخصوص عدم الاستقرار الذي كان يسود في إفريقيا، فقد علق عليه الملك الراحل، بأنه عدم استقرار أوروبا في الواقع، على اعتبار أن الذي سيحرم أوروبا من المواد الأولية ويضاعف من مصاعبها الاقتصادية ويقلل تزويدها بالطاقة، هو الذي سيمتلكها. 

وفي ظل رفض المغرب خلق قوة إفريقية دائمة، عمل على التدخل لوحده عسكريا من أجل دعم دولة الزايير ضد سيطرة الثوار اليساريين، في مناسبتين، وفي مناطق أخرى من إفريقيا، كان هذا موضوع سؤال للملك خلال حوار أجراه يوم 17 يناير 1980، مع مبعوث الأسبوعية الفرنسية “لوفيغارو مغازين” الصحفي ميشيل دروا، حيث أنه عندما انتقل الحديث عن مشاكل إفريقيا، كانت أول قضية طرحت على العاهل المغربي خلال هذا الحوار، هي أن المغرب وقف عائقا في وجه التغلغل السوفياتي الكوبي في إفريقيا، وسأله الصحفي عما إذا كان المغرب مستعدا لإعادة الكرة إذا ما اقتضى الأمر ذلك ؟ فأجاب الحسن الثاني بأنه عندما ذهب المغرب إلى شابا، كان واثقا مما يفعل، فقد اعتبر أن الزايير لم تكن وحدها المستهدفة، بل كل الدول الإفريقية القريبة منها والبعيدة والتي كانت حليفة وصديقة للمغرب، وخلال ذات الحوار، أوضح أن السودان كانت مستهدفة، علما بأن السودان يعني منابع نهر النيل والمنفذ على البحر الأحمر، وأكد أنه من هذا المنطلق، فإنه إذا ما فرض على المغرب من جديد القيام بعملية مماثلة للعملية التي قام بها في الزايير، وإذا ما فرض على المغرب أن يكون عائقا في وجه التغلغل الكوبي والسوفياتي مرة ثانية، وثالثة، فيمكن الاعتماد عليه، اللهم إذا قدر له أن يتحرك وحده، في إشارة إلى ضرورة المساعدة الفرنسية الأمريكية.

وبعد ثلاثة أشهر من هذا التصريح، أعاد الملك التأكيد على التزام المغرب بالدفاع عن إفريقيا ضد المد السوفياتي، حيث خصص حيزا هاما من خطاب العرش ليوم 3 مارس 1980، لهذا الأمر، حيث قال فيه: ((كنا نشعر ونحن نأمل أن تفيء الأحلام إلى الصواب، بأن المكابرة والعناد وليدا خطة مبيتة تستهدف اضطراب حبل الأمن في قارتنا، وزلزلة الأوضاع هنا وهناك، تمهيدا لبسط النفوذ وممارسة الهيمنة، وتحقيق الاستيلاء والاغتصاب، وحدثت أحداث بعد ذلك أكدت صحة الشعور، ونفاذ الحدس، فوقع الانقضاض على الزايير مرتين، وتطاول العدوان إلى بيت الله الحرام، وسرى جيش هام فانتشر غازيا في رحاب أفغانستان، ثم اتجهت الخطة المبيتة تكشف شيئا فشيئا عن مقاصدها ومراميها، واتضح أن الهجوم المتكرر على أراضينا في الصحراء ما هو إلا جزء من مؤامرة ترمي من وراء الهجوم والاعتداء، إلى استبدال وضع بوضع..)).

وتابع الحسن الثاني قوله: ((.. وإلى جانب الأعمال العسكرية العدوانية التي يباشرها أعداء وحدتنا، فإن هناك مبادرات متعددة تتخذ بمناسبة المؤتمرات واللقاءات الدولية على اختلاف مواضيعها وأغراضها، ولا يراد بها سوى مضايقة المغرب وإحراجه، وكسب الأنصار لمزاعم أطروحة خصومنا)).

أحد اجتماعات منظمة الوحدة الإفريقية

تعليق الحسن الثاني على استخدام الجزائر الأموال البترولية من أجل الاعتراف بجبهة البوليساريو عضوا في منظمة الوحدة الإفريقية

    كان الحسن الثاني واضحا وعلى علم بما بدأ يحاك ضد بلده في كواليس منظمة الوحدة الإفريقية، فقد واجه المغرب مشكلا آخر، منذ أن قام بالمسيرة الخضراء، حيث حاولت الجزائر عن طريق الحرب، من أجل الحصول على الصحراء، غير أنها لم تفلح في ذلك، وعلى هذا الأساس التجأت إلى خطة مبتكرة، وهي إدخال جبهة البوليساريو إلى منظمة الوحدة الإفريقية مستعملة في ذلك الأموال البترولية، وانتشرت أخبار طيلة سنة 1979، بأنه خلال قمة مونروفيا، ستطرح قضية عضوية البوليساريو في هذا المنتظم الإفريقي على التصويت، الأمر الذي جعل المغرب يقاطعها، وبعد انتهاء مؤتمر مونروفيا الذي طرحت فيه مسألة عضوية البوليساريو لأول مرة، عقد الملك الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا بالقصر الملكي بفاس، يوم 19 غشت 1979، وطرحت عليه المجلة الأسبوعية “جون أفريك”، السؤال التالي: يبدو أن المغرب أصبح معزولا على الساحة السياسية الإفريقية على الأقل، كيف تفسرون ذلك؟ وكيف تفكرون في العمل على تجاوز هذه الحالة؟ فأجاب الملك: ((سأكون صريحا جدا، لا أعتبر نفسي أبدا معزولا ما دمت أمام مؤتمرات هي عبارة عن تطبيل وتهريج، لأن ما جرى بمونروفيا وما يجري بمنظمة الوحدة الإفريقية منذ سنوات، كان عبارة عن رقصات فلكلورية، مؤتمرات للرقص من نوع ”سانغي”، وأكثر من ذلك، فإنها مؤتمرات لأشخاص مفلسين، فلو وُكل إلي النظر في قوانين منظمة الوحدة الإفريقية، لطلبت إضافة بعض البنود إليها، منها عدم إفلاس الدولة واستطاعتها أداء رواتب موظفيها في نهاية الشهر، وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدد الشيكات التي وزعت بمونروفيا والتي يعرفها الجميع، كانت حقيقة مخجلة، وشيكات بخمسة ملايين دولار وثلاثة ملايين، بل وعشرات الملايين من الدولارات.. شيكات استعملت حتى في وضع ميزانيات بعض الدول، لذلك علي أن أبتعد عن مثل هذه العفونة))، وأضاف: ((إننا ست أو سبع أو عشر دول نحبذ أن نبقى بعيدين عنها، ولكن علينا أن نعمل في يوم من الأيام على إعادة بناء إفريقيا، لأن انطلاقة إفريقيا كانت سيئة، وهذه نقطة أتفق فيها مع السيد دومون على الرغم من أننا لا نتفق معه على أشياء كثيرة أخرى)).

مطالب بالتدخل الأمريكي لمواجهة النفوذ السوفياتي في القارة الإفريقية

    رغم التدخلات السوفياتية في القارة الإفريقية، فإن المغرب كان يقيم علاقات طبيعية معهم، بل إن الملك صرح خلال لقاء صحفي سنة 1978، أن العلاقات بين المغرب والاتحاد السوفياتي كانت ممتازة وستظل كذلك، وأكد أن الطرفين على وشك التوقيع على صفقة القرن، والقاضية بتصدير المغرب للفوسفاط إلى الاتحاد السوفياتي، غير أنه وبعد دعم الاتحاد السوفياتي للبوليساريو علنا في منظمة الأمم المتحدة، أدلى العاهل المغربي بحديث صحفي يوم 28 نونبر 1979 لمراسل مجلة “التايم”، أكد من خلاله أن تصميم المغرب على الاحتفاظ بالصحراء، لا يستند فقط إلى أسباب تاريخية، وأوضح أنه إذا غادر المغرب الصحراء، فستقوم هناك دولة للبوليساريو على حدوده، أي دولة تابعة للسوفيات، وأضاف أنه في ظل هذا المستجد.. كيف يستطيع المغرب الحياة على هذا النحو والمحيط الأطلسي يحده غربا والبحر المتوسط شمالا وفي الجنوب الروس، ناهيك عن وجود الجزائر في الشرق، وأكد أنه لم يحدث من قبل مطلقا أن وضع المغرب في قفص على هذا النحو، والواقع أن الملك الحسن الثاني كان مقتنعا بأن الاتحاد السوفياتي يقف وراء مسألة الصحراء، وتساءل قائلا: ((ضد من نحارب نحن في الصحراء؟ إن جميع الأسلحة تأتي من ليبيا التي تحصل عليها من الاتحاد السوفياتي لهذا الغرض، والكوبيون هم الذين يقومون بالتخطيط التكتيكي، بل إنهم يقودون هجمات البوليساريو؟))

وشبه الملك التكتيك السوفياتي في إفريقيا بببغاء متسلق، فهو يضع قدما ثم يضع القدم الثانية ويعتمد على منقاره لكي يتسلق الشجرة، إنه يتسلق كما يفعل عامل التلغراف عندما يتسلق عمودا للتلغراف، وتابع أن هذا هو التكتيك الروسي، فقد حصل أولا على أنغولا، ثم على الكونغو برازافيل، ثم إثيوبيا، وأخيرا الصحراء المغربية، وعندما يصلون إلى الصحراء، فسيكون لديهم منفذ على المحيط الأطلسي ومفتاح البحر المتوسط.  

ومن هنا بدأ يطرح الموقف الأمريكي من قضية الصحراء، والذي من طبيعة الحال سيكون مناقضا لنظيره السوفياتي، وهو ما كان موضوع حوار للملك الحسن الثاني مع مبعوث “لوفيغارو مغازين”، الصحفي ميشيل دروا، يوم 17 يناير 1980، حيث تركز الحديث على الموقفين السوفياتي والأمريكي من مشكل الصحراء والتغلغل السوفياتي والكوبي في إفريقيا، وقضايا أخرى، وكان من بين الأسئلة، سؤال بخصوص الموقف السوفياتي الجديد من قضية الصحراء، وهو الذي ساند بقوة توصية في هيئة الأمم المتحدة لمصلحة البوليساريو، فأجاب الملك بالقول: ((صحيح، كان بالإمكان أن أفاجأ بهذا الموقف السوفياتي الجديد، كان بالإمكان أن أفاجأ وأن يساورني القلق إذا ما اعتبرنا – كما تقولون – أن الحياد السوفياتي كان دائما بيننا وبين الجزائر حيادا لا هوادة فيه، ولكن على ماذا يدل هذا إن لم يدل على أن الأمور هنا وهناك سائرة في طريق التغير، وأنا مقتنع تماما منذ ذلك الحين، أن ملف الصحراء، كما كنت دائما أعتقد ذلك في خلدي، يوجد بموسكو وليس بالجزائر، علما أن مساندة الاتحاد السوفياتي لهذه التوصية جاءت بعد المقابلة بين مارشي بالنيجر وكاريو في موضوع الصحراء المغربية.. ألا ترون الصلة بين هذين الحدثين؟ إنني أعتقد أننا لسنا في نهاية المطاف والاستغراب بخصوص هذه المسألة)).

وحول ما إذا كانت أمريكا مدركة للتحركات السوفياتية في الصحراء المغربية، أكد الملك أنها ليست مدركة لذلك تماما، إلا أنها نضجت كثيرا في الآونة الأخيرة، وأضاف أنها بدأت تدرك تماما أن الانفراج شيء والسذاجة شيء آخر.

بلينكن والرئيس النيجيري بوخاري

هل استثناء المغرب من جولة وزير الخارجية الأمريكي إلى إفريقيا يشكل إشارة إلى عدم الاعتماد على المملكة في القارة السمراء؟

    لم يتغير شيء منذ ذلك التاريخ.. فقد ظلت أمريكا لا تعير إفريقيا كبير الاهتمام، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظلت لا تعير القارة أي اهتمام رغم الحديث على أنها مستقبل العالم، ولم تقدم الدعم إلى المغرب، إلا أن الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، قدم خلال حملته الانتخابية الكثير من الوعود لإفريقيا.

وتعتبر رحلة أنطوني بلينكن إلى إفريقيا، بمثابة الحدث، حيث كانت بلا شك الزيارة الأكثر شهرة حتى الآن من قبل مسؤول في إدارة بايدن إلى القارة، على اعتبار أنها رحلة تتم في سياق معين، حيث وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إفريقيا، بأنها “وباء الانقلابات العسكرية” (السودان، تشاد، مالي، غينيا…)، فمنذ بداية العام ووصول بايدن إلى البيت الأبيض، حدثت بالفعل العديد من الانقلابات في القارة.. قارة اتسمت أيضا بالحرب الأهلية الإثيوبية التي استمرت لفترة طويلة.

وتكمن أهمية اختيار كينيا ونيجيريا والسنغال في جولة وزير الخارجية الأمريكي، بلينكن، في كونها تجسد أهداف السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة تجاه إفريقيا في عهد إدارة جو بايدن، إذ أن القارة ككل تكتسب أهمية استراتيجية كبرى تجعلها تسهم في تشكيل مستقبل العالم، حسب تعبير بلينكن، ولعل ما يجمع هذه الدول، أنها قد تشكل نموذجا يحتذى به بالنسبة للشراكات الأمريكية الجديدة في مجالات تعزيز التحول الديمقراطي، ودعم محركات النمو الاقتصادي والابتكار، ومكافحة التغير المناخي.   

وقد اتضح ذلك من اجتماع بلينكن مع رائدات أعمال في داكار، وحضوره حفل توقيع صفقات تتعلق ببنية تحتية كبيرة في السنغال، من طرف أربع شركات أمريكية، وتبلغ قيمتها حوالي مليار دولار، كما أنه زار معهد باستور، الذي يعمل على إنتاج لقاح لفيروس “كوفيد 19” بمساعدة من الولايات المتحدة، ولعل ذلك يشكل أحد أهداف هذه الجولة الإفريقية، حيث تعمل الولايات المتحدة على مساعدة عدد من البلدان في القارة السمراء في تكثيف جهود التطعيم ضد وباء “كورونا”.

ومن جهة أخرى، أصبح الدفاع عن الديمقراطية سمة مميزة لسياسة بايدن الخارجية، خاصة وأن الولايات المتحدة تتنافس على النفوذ مع الصين في إفريقيا، وحول العالم.

وقد بدأ بلينكن جولته من كينيا، وهي فاعل رئيسي في كل من إثيوبيا والسودان، كما أنها تتمتع حاليا بعضوية مجلس الأمن الدولي، ولكينيا كذلك مصالح كبرى في الصومال، الذي يعاني من استمرار العنف وعدم الاستقرار منذ عقود.

والملاحظ أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي لم تشمل المغرب، رغم أنه أصبح فاعلا مهما في إفريقيا، بل أكثر من ذلك، فخلال حوار أجرته معه “بي. بي. سي”، قال: ((إن أمريكا تدعم العملية الأممية في الصحراء الغربية، وذلك من أجل إيجاد حل دائم وكريم))، وردا عن سؤال حول اعتراف إدارة بايدن بمغربية الصحراء، كما فعل دونالد ترامب، أجاب وزير الخارجية الأمريكي باقتضاب: ((نركز على دعم عملية الأمم المتحدة لدفعها إلى الأمام، ونتحدث إلى جميع الأطراف المعنية)).

غير أنه بعد ثلاثة أيام من نهاية زيارة بلينكن إلى إفريقيا، قام وزير الخارجية المغربي، بزيارة إلى واشنطن، وفي نهاية اجتماعه مع وزير الخارجية الأمريكي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في بيان صدر عقب اللقاء الذي جمع في واشنطن بين وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، ونظيره الأمريكي أنطوني بلينكن: ((إننا مستمرون في اعتبار المخطط المغربي للحكم الذاتي جادا وواقعيا وذا مصداقية)).

فهل يعتبر إقصاء المغرب من هذه الجولة الإفريقية، إشارة واضحة إلى السياسة الأمريكية في إفريقيا خلال حكم جو بايدن، في إشارة إلى عدم الاعتماد على المغرب كفاعل رئيسي في القارة، رغم مساندة هذا الأخير في دخول إسرائيل كعضو ملاحظ داخل الاتحاد الإفريقي ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى