تحليل إخباري

تحليل إخباري | بداية تحرير الاقتصاد الوطني من قبضة الشركات الأجنبية

أكبر امتحان لرئيس الحكومة

يعرف رئيس الحكومة عزيز أخنوش مخاطر “التحركات الشعبية” ضد الشركات، لأنه كان واحدا من المعنيين بـ”حملة المقاطعة” الشعبية التي استهدفت ثلاث شركات، بل إن الصحافة الدولية كانت تتوقع تبعا لذلك، “اندثار” حزب التجمع الوطني للأحرار، وقد كتبت إحدى الوكالات الأجنبية: ((انعكست حملة المقاطعة الشعبية بالمغرب، التي استهدفت ثلاث شركات، بقوة على المشهد السياسي في وقت قصير للغاية.. ولعل أبرز ملامح هذا التأثير، هو تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار، واختفاء إعلامي لزعيمه عزيز أخنوش، رغم أنه كان قبل الحملة يلعب دورا كبيرا في اللعبة السياسية، وكان واضحا منذ بداية حملة المقاطعة الشعبية، أن حزب التجمع الوطني للأحرار دخل دوامة من الانحدار السياسي، لأن مشروعه السياسي قام على فكرة أخنوش لا على فكرة الحزب، وبالتالي، فإن الحملة كانت لها رسائل سياسية واقتصادية، ما يعني هبوط أسهم أخنوش السياسية التي كانت تسير بإيقاع سريع للغاية)).

حصل ذلك سنة 2018، وكان هذا الأسلوب عنوانا لرفض شعبي انتهى بانتهاء حملة “المقاطعة”، لكن مجموعة أخنوش، وباقي الشركات المعنية، أخذت الدرس فغيرت من سياستها التواصلية، بل إن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار حاول الابتعاد عن تسيير “شركاته”، وكلف ابنته بمواصلة العمل، بعد أن أصبح رئيسا للحكومة.

تتمة المقال بعد الإعلان

 

إعداد : سعيد الريحاني

تتمة المقال بعد الإعلان

 

    إن ما أدى إلى خفوت “مقاطعة” شركات أخنوش، وغيرها، هو الحملات التواصلية التي أدارها المستهدفون، والتي حاولوا التأكيد من خلالها أنهم بمثابة شركات مغربية تشغل المغاربة، وتعود بالخير على الاقتصاد الوطني، أما شركة “سانطرال”، فقد حاولت التقليل من أهمية كونها شركة فرنسية، باعتبار أن فرعها في المغرب يعتمد على يد عاملة مغربية، وعبر شراكات مع ضيعات فلاحية مغربية.. إذن، طوق النجاة من الغضب الشعبي، كان هو إشهار صفة الانتماء للبلد.

((بدأت القصة من حي شعبي في مدينة طنجة، حيث انتقل سكان الحي إلى مقر وكالة تابعة لشركة “أمانديس” الفرنسية المسيرة لقطاع الماء والكهرباء في المدينة، للاحتجاج على غلاء الفواتير، لتنتقل العدوى بعدها بشهر إلى باقي أحياء المدينة وتحولت إلى مسيرات هي الأضخم منذ مظاهرات 20 فبراير.. مظاهرات طنجة صارت تعرف برمز الشمعة وتوصف إعلاميا بـ”ثورة الشموع”)).. هكذا حكى موقع “دوتشه فيلة” الألماني قصة أكبر رفض شعبي في المغرب لممارسات إحدى الشركات الأجنبية، سنة 2015، وهي “أمانديس”، بل إن ممارسات هذه الشركة أدت إلى اندلاع ما يشبه ثورة، لأن المغاربة استشعروا خطر ربط اقتصادهم، وحاجياتهم المعيشية، بشركة أجنبية تجيد الاستنزاف، ولا تفكر في السلم الاجتماعي، وفي هذا المثال المذكور، نزلت الدولة بكامل ثقلها لتمنع تفاقم الأوضاع، بسبب ممارسة الشركة الفرنسية، ليطرح السؤال: ما فائدة التعاقد مع شركات من هذا النوع إذا كانت ستسبب في ثورة اجتماعية، أليس الهدف هو خدمة المواطنين؟ ولماذا إسناد قطاعات حساسة لشركات أجنبية، طالما أن المغاربة بإمكانهم خدمة أنفسهم بأنفسهم، وبروح وطنية أكبر؟

ارتهان المصالح الحيوية للمغاربة، لشركات أجنبية، ليس مرفوضا شعبيا فحسب، بل إن التقارير الرسمية نفسها، والصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، تؤكد أن هذه الشركات تعاني من عدة أعطاب، ولا تلتزم بما يتم الاتفاق حوله، علما أن جلها يعمل على استنزاف مخزون العملة الوطنية بتحويلها إلى الخارج(..).

يقول المجلس الأعلى للحسابات في تقرير حول التدبير المفوض، بلغة صريحة في تقرير حول “التدبير المفوض للمرافق العامة المحلية في قطاعات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل والنقل العمومي الحضري والنظافة”: ((إن الشركات المفوض إليها تدبير قطاع توزيع الماء والكهرباء، والتطهير السائل، والنقل العمومي الحضري والنظافة، لم تنجز إلا جزئيا الاستثمارات المتعاقد بشأنها، كما أنها قامت، في بعض الأحيان، باستخدام “صندوق الأشغال”، الذي يعد رافعة أساسية للاستثمار، في أغراض لا تتطابق مع الأهداف التي أنشئ من أجلها هذا الصندوق.. كما أن عقود التوزيع التي تربط الجماعات بالشركات المفوض إليها، والتي من المفروض تعديلها كل 5 سنوات، لا تخضع للمراجعة إلا بعد مضي أكثر من 10 سنوات، بل إن التفاوض بشأنها ينتهي أحيانا دون نتيجة، مما يترتب عنه اختلال التوازن المالي والاقتصادي لهذه العقود)) (المصدر: تقرير المجلس الأعلى للحسابات).

هل يتدخل لفتيت وعبد النباوي للتحقيق في اختلالات التدبير المفوض ؟

سؤال يطرح نفسه، من يحمي هذه الشركات، ولماذا تواصل مجالس الجماعات والمدن التعامل معها، رغم هذه التقارير الرسمية الخطيرة، إذا لم يتعلق الأمر بحسابات أخرى(..)؟

تصوروا، في مجال النقل الحضري، يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الصادر وقتها (سنة 2014): ((تغطي الشركات المفوض إليها 260 جماعة وبلغ رقم معاملاتها 1.79 مليار درهم فيما بلغ عدد مستخدميها 12 ألفا و950 سنة 2013، كما التزمت هذه الشركات بإنجاز استثمارات بقيمة 5.68 ملايير درهم… غير أنه في أغلب الحالات، لم ينجز هؤلاء الفاعلون البرنامج الاستثماري المتعاقد بشأنه، سواء فيما يتعلق باقتناء الحافلات أو بالتجهيزات المرتبطة بجودة الخدمات، كالمرائب وورشات الصيانة والأماكن الواقية، كما أن هذه الشركات استخدمت في بعض الأحيان أسطولا متقادما وملوثا لا يستجيب للمعايير التقنية المطلوبة، ولا يتم إخضاعه للمراقبة التقنية الدورية)).

الكل يعلم أهمية قطاع النقل، لكن الكل يعلم أيضا أن هذه الشركات التي تسعى إلى الهيمنة على القطاع، لا تقدم أي إضافة، بل إن الاستغناء عن الفاعلين الوطنيين في قطاع النقل الحضري، جلب الويلات على مدن بكاملها كما حدث في العاصمة الرباط، على امتداد أعوام، بسبب “مناورات” مجلس المدينة..

في هذا القطاع بالضبط، يمكن الحديث عن شركة بعينها (إسبانية) اسمها “ألزا”، كانت موضوع تقارير خطيرة من لدن قضاة المجلس الأعلى للحسابات، والغريب في الأمر، هو أنه رغم الاختلالات التي تسكت عنها الصحافة في غالب الأحيان، تواصل الشركة تقديم نفسها كمستثمر بديل في القطاع، حيث تلعب الحسابات الخفية لصالحها، في مواجهة شركات أخرى لها تجربة كبيرة في المجال، وهنا يمكن قراءة ما يكتبه الفاعلون المهنيون هذه المعضلة في مراسلات مرفوعة إلى الجهات المسؤولة، وتفترض التحقيق، من قبيل القول: ((إن شركة النقل الحضري “ألزا” قد دخلت إلى المغرب سنة 1999 بعد توقيعها لعقد التدبير المفوض بمدينة مراكش، وذلك في سعي من المدينة إلى تحسين الولوج إلى خدمات النقل الحضري لفائدة ساكنة المدينة، فبعد مراكش، امتد نشاط مجموعة “ألزا” إلى مدينة أكادير سنة 2010، ثم مدينة طنجة سنة 2014، وخريبكة في سنة 2015، وفي مدينة الرباط والدار البيضاء في سنة 2019، وبعد استفادتها من عقود التدبير المفوض لقطاع النقل الحضري بالمدن المغربية التي سبقت الإشارة إليها، وبالرغم من جميع الاختلالات المالية الخطيرة الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، والتي قامت بها ولا زالت تقوم بها في كل المدن التي تتواجد بها، فقد تمكنت شركة النقل الحضري “ألزا” من توقيع عقد التدبير لشبكة النقل الحضري مع مؤسسات التعاون بين الجماعات البيضاء، بشروط جرى فيها انتهاك للمال العام (أكادير نموذجا))).;

«أمانديس» «ليديك» «ألزا».. نماذج شركات في قفص الاتهام

هل يعقل أن يتم التعاقد في مصالح حيوية مع هذه الشركة؟ الجواب حتما: لا، لكن لكل طريقته في العمل، وليست هذه الشركة وحدها هي موضوع اتهام، بل إن شركة “ليديك” في الدار البيضاء، تعتبر أيضا رمزا للفساد، بتعبير نشطاء “أطاك”.. كيف ذلك؟

الجواب على لسان نشطاء “أطاك” يقول: ((“ليديك” هي رمز للفساد والاستبداد بالدار البيضاء، فرغم ملفها الأسود، تستمر في جني الأرباح وتهريبها خارج المغرب، وبعض الإشارات السريعة عن فشل “ليديك”، هي كالتالي:

– 250 مليون درهم من الاستثمارات لم تنجز (مشاريع البنية التحتية)، مما نتج عنه فيضانات 2010 .

– تأخر إنجاز مشاريع أساسية، كمكافحة التلوث بشرق الدار البيضاء.

– في الشق الخاص بالربط الاجتماعي: من أصل 9000 عائلة، قامت “ليديك” بالربط للنصف فقط.

– في المقابل، قامت الشركة بتوزيع 560 مليون درهم من الأرباح بطريقة مناقضة لمقتضيات عقد التدبير المفوض، أضف إلى ذلك تهريب 833 مليون درهم تحت يافطة المساعدة التقنية، ورغم كل هذا، قام مجلس المدينة بمراجعة العقد في سنة 2009 وتجديده بـ 30 سنة إضافية، واليوم تستعد “ليديك” لتسلم 7 جماعات إضافية في محيط الدار البيضاء بدون أن تدفع درهما واحدا.

– حصيلة 18 سنة من حضور شركة “ليديك” بالمغرب في نظرنا داخل “أطاك” المغرب، هي حصيلة سلبية بكل المقاييس: في الجانب المالي، كلفت الشركة ميزانية ضخمة بفعالية متوسطة، ولم تخلق مناصب شغل، بل اعتمدت على شركات المناولة وشركات تابعة لها ساهمت أيضا في تهريب أرباحها خارج المغرب، ومن الناحية التقنية والخدماتية، لم تساهم “ليديك” في تحويل التكنولوجيا للمغاربة، بل إنها اعتمدت على الخبرة الأجنبية المدفوعة من مال الشعب، واجتماعيا، لم تحترم الشركة الفرنسية التزاماتها بخصوص الربط الاجتماعي على الرغم من دعم الدولة عن طريق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وأخيرا، اختيارات “ليديك” الإيكولوجية بئيسة، فمشروع محاربة التلوث عرف تأخرا بـ 15 سنة ولم ينجز إلا بعد ضغط ومشاورات طويلة مع الشركة ولمصلحة مشروع مدينة زناتة الجديدة)) (نفس المصدر).

عدم الالتزام بالبنود، وعدم الوفاء بالتعهدات، والإخلال بالاحترام الواجب لهيبة الدولة والمواطنين، وتهريب العملة في بعض الحالات، واستنزاف مالية الأبناك بالقروض، حيث أن بعض شركات التدبير المفوض لا تحمل معها إلى المغرب سوى اسمها في السوق، والتمويل والعمال يأتون من المغرب.. كلها خروقات، تفرض تحرير الاقتصاد الوطني من قبضة هذه الشركات التي لا تحترم السلم الاجتماعي، وتنتهك السيادة الوطنية، بل إن التغييرات الدولية اليوم تفرض وضع حد لأسلوب التدبير المفوض الذي يهدد الدولة، كما أن استنزاف خيرات البلاد بشركات أجنبية، ليس له انعكاس على مواقف بعض الدول من القضية الوطنية، مثل فرنسا وإسبانيا، حيث أن فرنسا لم تعترف بشكل صريح بمغربية الصحراء، وإسبانيا بالكاد تتجاوز محنتها مع المغرب بعد استقبال زعيم البوليساريو في رحلة علاج مريبة ومساندة للطرح الانفصالي(..).

تعليق واحد

  1. إلى السيِّد أحمد رحّو: الشعب المغربي لم يتَراجَع عَن المُطَالبَة بِتقرِير مِلفّ المَحرُوقات، الأولَوِية الآن لِاستِرجاع مِصفَاة “لاسامير”، وقَد كَتَبَ مَوقِع Media24 بِدَاية فَحْص مُمتَلكات العمودي ، ونَحنُ نَنتَظِر الخُطُوات القَادِمَة.
    مُباشَرةً بَعدَ استِرجَاع مِصفَاة “لاسامير” سَنُطالِبُ بالتَّقرِير المُتَعَلِّق بِمِلَف المَحْرُوقَات وَالعُقوبَات المُتَرتَّبة.
    مِلَف المَحْرُوقَات لَم يَتقَادَم ولَن يَتقَادَم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى