ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هل تمهد المظاهرات المتفرقة إلى هزات اجتماعية كبيرة ؟

من مظاهرات "كوميرة" إلى ما بعد 20 فبراير

وجدت الحكومة الجديدة نفسها محاصرة مع بداية ممارسة مهامها، فقد كان أول قرار اتخذ في عهدها وأثار ضجة كبيرة، هو فرض جواز التلقيح، الذي أدى إلى خروج مظاهرات منددة به في عدد من مدن المملكة، أما الأمر الثاني، وهو الارتفاع الصاروخي في المواد الغذائية الأساسية التي رغم أنها وقعت في الدقائق الأخيرة من عهد الحكومة السابقة، إلا أنها نسبت لحكومة عزيز أخنوش، وما رسخ ذلك هو الزيادة في أسعار المحروقات، وكما هو معلوم، فإن الزيادة في أسعار المحروقات لها تبعاتها دائما، حيث تواكبها زيادة في أسعار نقل البضائع، وبالتالي، الزيادة في أسعار البضائع نفسها، ومن الممكن أن تكون هناك زيادة أخرى.. وقد بدأت مؤخرا عدد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تندد بالزيادة في الأسعار، حتى أن بعض المظاهرات بدأت في بعض المدن، مثل بني ملال (المصدر: هسبريس / 8 أكتوبر 2021).

وإذا رجعنا إلى تاريخ المغرب القريب، نجد أن هناك أمثلة جديرة بالاستحضار، تهم إضرابات ومظاهرات حصلت في المغرب بسبب الزيادة في الأسعار وتحولت إلى هزات اجتماعية، يتطرق هذا الملف للبعض منها.

تتمة المقال بعد الإعلان

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

 

مظاهرات “كوميرة” سنة 1981.. أول إضراب ضد الزيادة في الأسعار يتحول إلى هزة اجتماعية

    شهد المغرب عبر تاريخه الراهن منذ استقلاله إلى اليوم، العديد من المظاهرات والإضرابات المطالبة ببعض الإصلاحات السياسية والاجتماعية، والتي تحولت إلى هزات اجتماعية، لعل أهمها أحداث 23 مارس 1965، التي طالبت في البداية بإسقاط مرسوم لوزير التربية الوطنية، وتحولت فيما بعد إلى هزة اجتماعية أدخلت المغرب في حالة استثناء دامت إلى سنة 1972.

غير أن أول هزة اجتماعية شهدها المغرب في تاريخه بفعل ارتفاع الأسعار، كانت يوم 20 يونيو 1981، حيث اتسم السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال تلك المرحلة، بتباطؤ نمو الاقتصاد المغربي، نتيجة عدة عوامل، أهمها أزمة البترول التي أدت إلى ارتفاع سعر هذه المادة في الأسواق العالمية، إضافة إلى إكراهات تتعلق بالدفاع عن الوحدة الترابية، حيث بلغت مصاريف تحديث الترسانة العسكرية ما يعادل 20 في المائة من ميزانية الاستثمار، لتنضاف إلى كل هذه المشاكل، ظاهرة الجفاف التي استفحلت منذ سنة 1979.

وقد كان من نتائج هذه العوامل، تدهور الاقتصاد الوطني، حيث أغلقت المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتدهورت القدرة الشرائية للمواطنين، وتخلى الفلاحون الصغار عن أراضيهم، وهاجروا نحو المدن، مما أدى إلى تضخم حجم البطالة وانتشار الفقر والأمية في هوامش المدن، وفوق كل هذا، تضمن القانون المالي لسنة 1980 اتباع سياسة التقشف المتبعة منذ سنة 1978، وتمحورت أهدافه حول تلبية حاجيات الدفاع عن الوحدة الترابية، إضافة إلى تعزيز الموارد الداخلية للدولة، من خلال العمل على الزيادة في المنتوج الضريبي.

لقد أدت كل هذه العوامل، إلى اندلاع العديد من الإضرابات سنة 1980، ورغم ذلك، لم تتم الاستجابة للمطالب الاجتماعية، بل على العكس، اتخذت الحكومة المغربية يوم 28 ماي 1981، قرار الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية بنسبة 39 في المائة بخصوص مادة السكر، و40 في المائة فيما يتعلق بكل من الحبوب والدقيق، و28 في المائة في مادة الزيوت الغذائية، إضافة إلى 77 في المائة في مادة الزبدة، ثم 14 في المائة في مادة الحليب، أي بلغت الزيادة في المجمل 40 في المائة من مجموع أسعار المواد الاستهلاكية.

وكان أول رد فعل على هذه الزيادات، عن طريق اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أصدر يوم 31 ماي 1981، بيانا طالب من خلاله بإلغاء الزيادة في الأسعار، ثم دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، يوم ثاني يونيو من نفس السنة، إلى التعبئة الشاملة من أجل حث الحكومة على التراجع عن قرار الزيادة في المواد الغذائية، كما تقدمت المعارضة السياسية بطلب إلغاء قرار الزيادة في الأسعار داخل مجلس النواب، الأمر الذي جعل الحكومة، أمام هذه الضغوطات، تعلن عن التراجع عن الزيادة المعلنة، بنسبة 50 في المائة، وكان ذلك يوم 6 يونيو 1981.

إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية في نظر المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي أصدر بيانا وجه من خلاله الدعوة إلى التعبئة لمواجهة الزيادة في الأسعار، وضرورة تلبية الملف المطلبي، خاصة الرفع من الأجور لجميع الموظفين والمستخدمين بنسبة 50 في المائة، ورفع الحد الأدنى للأجور، ثم ضمان الشغل للعاطلين، إضافة إلى احترام الحريات النقابية وإرجاع المطرودين من العمل.

كما دعا المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى القيام بتجمع احتجاجي يوم الأحد 7 يونيو 1981 بمقر الكونفدرالية، وبعد الوقفة الاحتجاجية بيوم واحد، عقد المكتب التنفيذي للهيئة النقابية، ندوة صحفية بالرباط، صرح خلالها أن الزيادة في الأسعار تمت بكيفية أحادية دون استشارة الهيئات النقابية. ويوم 15 يونيو، قررت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل خوض إضراب عام لمدة 24 ساعة على الصعيد الوطني، وبدوره دعا الاتحاد الجهوي لمنظمة الاتحاد المغربي للشغل، يوم 16 يونيو، إلى إضراب عام بمدينة الدار البيضاء يوم الخميس 18 يونيو 1981، وهو الإضراب الذي شارك فيه محسوبون على الكونفدرالية أيضا.

لقد شجع نجاح الإضراب المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على إصدار بلاغ دعت من خلاله إلى خوض إضراب عام يوم 20 يونيو 1981، ونشرت جريدة “المحرر” الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بلاغات تؤيد خوض الإضراب.

بدأ الإضراب يوم 20 يونيو بالدار البيضاء، حيث ساد سكون غير مألوف من الساعة الخامسة إلى الساعة التاسعة صباحا، حيث لم تتحرك الحافلات كما هو معتاد، وحاول رجال الأمن التدخل للضغط على العمال وقمعهم، واعتبر هذا أول حادث خلال ذلك اليوم، وبعد الساعة العاشرة صباحا، أدت محاولات بعض المتظاهرين في مدينة الدار البيضاء لإجبار حافلة على التوقف، إلى تدخل قوات الأمن بقوة، وبدأت هذه الأخيرة تجوب الأزقة والأحياء وتطارد وتعتقل المارة بشكل عشوائي، وحوالي الساعة الثانية بعد الزوال، صدرت أوامر للمستشفيات وجميع سيارات الإسعاف للتعبئة القصوى، وعلى الساعة الثالثة زوالا، أدى إطلاق الرصاص إلى قتل امرأة وسقوط بعض الجرحى، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات شعبية في مختلف الأحياء الشعبية بالمدينة تدخلت على إثرها عناصر الجيش، وواجهت تلك الاحتجاجات بالقمع والعنف والاعتقالات.

وسقط جراء تلك الأحداث عدد من القتلى والجرحى، اشتهروا لاحقا باسم “شهداء كوميرة”، واستمرت أعمال العنف إلى حدود اليوم الموالي (21 يونيو)، وفرضت قوات الأمن والجيش بالمغرب طوقا بالدبابات والسيارات العسكرية على كافة أحياء الدار البيضاء.

وبعد ذلك بأربع سنوات، اندلعت أحداث يناير 1984، المتمثلة في سلسلة من الإضرابات انطلقت من مدينة مراكش وامتدت إلى مدن مغربية أخرى، غير أن هذه الأحداث كانت مختلفة عن سابقتها، حيث لم تدع لها أي منظمة نقابية، ولم تتبنها المنظمات السياسية أو النقابية، وهذا ما أكده الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية عندما صرح بالتالي: ((يمكن أن نجزم بأن ما وقع، ليس من صنع أي قوة سياسية منظمة ومسؤولة.. والنقابات بدورها ظلت بعيدة عن الأحداث ولم تقم فيها بأي دور، بل ولم تتبنها ولم تزكها)).

جانب من الاحتجاجات ضد إلزامية جواز التلقيح

أحداث 14 دجنبر 1991.. عندما تحولت إضرابات ومظاهرات ضد الزيادة في الأسعار إلى مواجهات دامية

    إلا أنه ومع مطلع عقد تسعينات القرن الماضي، كان المغرب على موعد مع هزة اجتماعية أخرى، بفعل ارتفاع الأسعار، حيث شهدت سنة 1990 ارتفاعا كبيرا في أسعار الطاقة على المستوى الدولي، إضافة إلى موجة الجفاف التي ضربت الدول الكبرى المنتجة للحبوب، فارتفع سعر الحبوب على المستوى العالمي، وهو ما انعكس على المستوى الوطني، إذ ارتفعت أسعار المحروقات بشكل كبير، وكذلك أسعار الحبوب.

وقد أضيف إلى ذلك، أزمة عميقة كان يعيشها المغرب، وهي سياسة التقويم الهيكلي التي اعتمدتها الحكومة المغربية منذ بداية الثمانينات، والتي أدت إلى تراجع النفقات ذات الطابع الاجتماعي، فترتب عن ذلك انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وانتشار البطالة، إضافة إلى تنامي التجمعات الحضرية بسبب الهجرة القروية والاستقرار في أحياء سكنية هامشية بضواحي المدن.

ولمواجهة هذه المشاكل، ووعيا منه بحساسية الوضع، أكد الملك الراحل الحسن الثاني في كلمة ألقاها بمدينة أكادير أمام المنتخبين بالأقاليم الجنوبية، إلى أن الخطوات الاقتصادية لسنة 1990 ستتركز على ثلاثة محاور رئيسية: أولا، تجنب المس بالقدرة الشرائية للمواطن المغربي، ثانيا، التمييز في مجال النفقات بين ما هو ضروري أو مستعجل، وبين ما يمكن تأجيله، وثالثا، المحافظة على وتيرة التطور الاقتصادي، وجاء أيضا ضمن نفس الكلمة: ((إن الاقتصاد يقتضي بالضرورة متابعة المجهودات، والتقشف لا يمكن أن يمس ثروات البلاد وآفاقه المستقبلية، فالاقتصاد والتقشف يعني اتخاذ التدابير الضرورية متى تطلبت الظروف والزمان ذلك)).

في ظل هذه الأوضاع المتشابكة، أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن خوض إضراب عام يوم 19 أبريل 1990، وهو الأمر الذي جعل الحكومة تفتح مفاوضات مع مختلف النقابات أيام 13 و14 و15 أبريل، فنتج عن ذلك تأجيل الإضراب مقابل التزام الحكومة بدراسة المطالب النقابية المرتبطة أساسا باحترام الحقوق النقابية وتسوية ملف الموقوفين والمطرودين لأسباب نقابية، والزيادة في الحد الأدنى للأجور.

إلا أن عدم التوصل إلى نتائج ملموسة بعد دخول النقابات في مفاوضات مع الحكومة، أدى إلى صدور بيان عن المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بتاريخ 12 شتنبر 1990، قال فيه: ((إن اللجنة الحكومية المنتدبة للحوار، لم تلتزم بتنفيذ ما اتفق عليه من تسوية أوضاع جميع المطرودين من مختلف الفئات فيما عدا حالات قليلة، ومن نهج الحوار على مستوى القطاعات والجهات بين الإدارات وأرباب العمل من جهة والنقابات العمالية المهنية من جهة أخرى، وبالعودة إلى قرار إضراب 19 أبريل 1990 ودواعي التأجيل، يتضح مرة أخرى أن الحوار الحكومي لم يكن إلا مناورة لربح الوقت)).

وبعد ذلك، اجتمع المكتبان التنفيذيان للكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، في اجتماع استثنائي يوم الثلاثاء 27 نونبر 1990، وأصدرا بيانا يدعو إلى إضراب عام لمدة 24 ساعة يوم الجمعة 14 دجنبر 1990، وأشار البيان إلى أسباب خوض الإضراب، والتي تتلخص في اعتبار جهاز الحكومة يسعى إلى المس بالمكتسبات الاجتماعية، وممارسة أسلوب يعتمد على الطرد الفردي والجماعي للعمال، ومعاداة حق الممارسة النقابية وحق التفاوض حول المطالب العمالية، كما قدم البيان تلخيصا للمطالب الأساسية، التي شملت احترام الحقوق النقابية والتعجيل بتسوية ملف الموقوفين والمطرودين، والزيادة في الأجور طبقا للزيادة في الأسعار، ثم مراجعة جذرية لنظام الاقتطاعات الضريبية عن الأجور، إضافة إلى التعجيل بإخراج مدونة الشغل، فيما تمثل رد فعل السلطات العمومية في إصدار وزارة الإعلام، يوم 5 دجنبر، بلاغا حول الحوار ومنع الإضراب العام جاء فيه: ((إن الدعوة إلى الإضراب العام غير مقبولة، علاوة على أن قانون الوظيفة العمومية ومتطلبات السير العادي والدائم للمصالح العمومية الحيوية، تتعارض مع الإضراب..

ستعقد اجتماعات اللجنة الوزارية مع النقابات والمشغلين والمنظمات الاقتصادية والمهنية بمقر الوزارة الأولى ابتداء من يوم السبت 8 دجنبر على الساعة العاشرة صباحا)).

ولم يتأخر رد المكتبين النقابيين، اللذين أصدرا يوم 6 دجنبر 1990، بيانا نددا من خلاله بالبلاغ الحكومي، الذي اعتبراه يمنع حق الإضراب، مما اضطر الحكومة، تحت ضغط المركزيات النقابية، إلى التراجع عن قرار المنع، وبهذا بدأ الإضراب يوم 14 دجنبر 1990، وتميزت الأجواء بالهدوء في مدينة الدار البيضاء، بينما انفجرت الأوضاع ابتداء من بعد الزوال في كل من فاس وطنجة ومكناس والقنيطرة وبني ملال وعين تاوجطات وسوق السبت وسيدي قاسم والرباط، وذهب ضحية اندلاع تلك الأحداث 42 قتيلا ومجموعة من الجرحى وخسائر مادية مهمة، إضافة إلى متابعة 713 شخصا أمام القضاء.

وقد كانت أقوى المدن التي شهدت هزات اجتماعية قوية، هي العاصمة العلمية للمملكة، التي غصت شوارعها بالمحتجين، الذين أثقلت كواهلهم تكاليف الحياة اليومية، وخرجوا يطالبون بتحسين ظروف عيشهم، وأمام هذا الوضع، أعطيت الأوامر للجيش بالخروج من ثكناته التي كان يرابط فيها، وقمع المتظاهرين، وبدأ يسير بدباباته في وسط الأحياء والشوارع، وشرع في إطلاق الرصاص على المحتجين، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى.

وتضاربت الأخبار بعد ذلك حول عدد الوفيات والجرحى، وذهبت وسائل الإعلام العمومية إلى التقليل من حجم ما وقع، في حين تحدثت المعارضة عن هول ما وقع، مشيرة إلى سقوط مئات القتلى، وساد ارتباك كبير وسط الجهات الرسمية التي قدمت أرقاما متضاربة حول عدد الوفيات، ففي الوقت الذي أشارت فيه النيابة العامة إلى سقوط 23 قتيلا، تحدثت الحكومة عن وفاة ما بين 2 و5 أشخاص.

إحدى مظاهرات حركة « 20 فبراير »

في ظل ضعف النقابات.. من يقود الحركات الاحتجاجية؟

    رغم محدودية النتائج المطلبية التي حققتها كل هذه النزاعات، واختلاف مواقف الفاعلين في تحديد طبيعتها، فقد استطاعت الهيئات النقابية بصفة عامة تسجيل تراكمات في مجال العمل النقابي، وإبراز مطالب الفئات العاملة والتصدي أحيانا لهيمنة أرباب العمل وتعسفاتهم، إضافة إلى الوقوف في وجه التدابير الزجرية للسلطات العمومية والهادفة إلى كسر الحركات الإضرابية، ودفعها إلى مراجعة سياستها الاجتماعية.

كما أن هذه الاضطرابات لعبت دورا أساسيا، رغم طابعها الدفاعي طيلة ثلاثة عقود منذ دخول المغرب مرحلة الاستقلال، في الدفع مع بداية عقد التسعينيات، إلى اقتناع أرباب العمل والسلطات العمومية، بضرورة فتح المجال لمرحلة جديدة تمهد لتجاوز أسلوب المواجهة والصراع، والتمهيد لتوقيع التصريح المشترك في فاتح غشت 1996، بين الدولة وأرباب العمل والنقابات، ثم لجوء الحكومات المتعاقبة، في إطار متابعة عملية إرساء أسس الحوار الاجتماعي، إلى إبرام اتفاق 23 أبريل 2003، والاتفاق الاجتماعي بتاريخ 30 أبريل 2003، وصدور مدونة جديدة للشغل بتاريخ 11 شتنبر 2003.

ويدخل اتفاق “الحوار الاجتماعي” في إطار سلسلة التحولات التي ظهرت خلال عقد التسعينيات بالمغرب، الشيء الذي فتح المجال ليس لعلاقات شغل جديدة، بل لمأسسة الحوار الاجتماعي والسياسي.

ويمكن استحضار اتفاق الحوار الاجتماعي كأحد مؤشرات الانتقال الديمقراطي، بحيث يتم تحويل المشاكل الاجتماعية إلى مجال للحوار الاجتماعي بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، فيصبح أسلوب الحوار والتفاهم مهيمنا على أسلوب المواجهة والصراع.

غير أن الوضع تغير بعد 20 فبراير 2011، حيث تم تسجيل تراجع دور النقابات، وتراجع قدرة الأحزاب الكبرى على توظيف أذرعها النقابية لتحسين شروط التفاوض مع السلطة، بعدما اندمجت في بنيات هذه الأخيرة، وخصخصة القطاعات الاجتماعية الحساسة، وتفقير فئات واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية، ومع تجدد دورة الاحتجاج الجديد في الريف وجرادة والفنيدق وغيرها، ازدادت الفجوة اتساعا بين النقابات والواقع، في ظل عجزها عن إنتاج تسويات تخفف من الاحتقان الاجتماعي الذي بات يغذي هذا الاحتجاج.

وبما أن السياسة، مثل الطبيعة، لا تقبل الفراغ، فقد أفضى انحسار فاعلية النقابات، إلى ظهور فاعلين جدد في ظل الإجهاز الذي بدأت تتعرض له المكتسبات الاجتماعية التي حازتها الطبقة الوسطى نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة، وشكلت التنسيقيات أبرز فاعل في هذا الصدد، إذ نجحت، في سنوات قليلة، في التحول إلى رقم أساسي في حركة الاحتجاج الجديد، ولا سيما بعدما أخفقت النقابات في التصدي لحزمة الإصلاحات الهيكلية التي قادتها السلطة في السنوات الأخيرة، والمتمثلة أساسا في إصلاح أنظمة التقاعد وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية.

ورغم بروز التنسيقيات كفاعل أساسي، إلا أنه لا يوجد حاليا من يقوم بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع بخصوص ملف الزيادة في الأسعار، والتي من المنتظر أن تستمر في الزيادة بفعل ارتفاع أسعار المحروقات، ومن الممكن أن تشمل الزيادة أسعار الخضر والفواكه، وهو ما قد يؤدي إلى مظاهرات غير مؤطرة، لا يُعرف اتجاهها ولا حدودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى