لا يحتاج عبد الإله بن كيران إلا لورقة (بغض النظر عن مصدرها) وقلم حبر جاف، والربط بالأنترنيت(..)، ليخلق الحدث السياسي في المغرب فما بالك داخل حزبه العدالة والتنمية.. فقد كتب خلال الأيام الأخيرة، ورقة من أوراقه التواصلية، التي اعتاد ترويجها داخل مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الموقع أسفله عبد الإله بن كيران، وبعد اطلاعي على مصادقة المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية على مقترح الأمانة العامة المستقيلة، بتحديد أجل سنة لعقد المؤتمر الوطني العادي، أعتبر نفسي غير معني بأي ترشيح لي إن صادق المؤتمر الاستثنائي على هذا المقترح، وبه وجب الإعلام، والسلام)).
إعداد : سعيد الريحاني
تسبب هذا الخروج الإعلامي لبن كيران، في ضجة داخل الحزب وخارجه، فهو يؤكد بخلاف ما ذهبت إليه عدة مواقع، رغبته في العودة إلى القيادة، ومجد العدالة والتنمية ارتبط بشخصية بن كيران، بخلاف ما ذهبت إليه عدة مواقع، ومنها مواقع عربية ودولية، حيث قالت أن “بن كيران يمتنع عن الترشح”، والحقيقة الواضحة من خلال بلاغه، هي رفضه المطلق لعقد مؤتمر استثنائي بشروط على المقاس، تقوم من خلاله الأمانة العامة السابقة، بقيادة سعد الدين العثماني، بالتحكم في مستقبل الحزب(..).
خروج بن كيران، أكد وجود “استقالة كاذبة للأمانة العامة السابقة”، التي سبق أن أعلنت استقالتها من قيادة الحزب عقب الخسارة الانتخابية المدوية، واحتلال “ذيل الترتيب” إلى جانب الأحزاب الصغيرة، فمهما كانت المبررات، فإن قرارا من هذا النوع (تحديد أجل سنة في حياة الأمانة العامة المقبلة)، لا يمكن حصوله دون إيعاز من الأمانة العامة التي يترأسها العثماني، والتي قادت الحزب إلى هاوية سياسية، لم تكن متوقعة..
تورط الأمانة العامة السابقة في تبرير قرار مرفوض من طرف أنصار بن كيران، تؤكده تصريحات القيادي لحسن الداودي، الذي لم يكن له أي وزن داخل التنظيم، إلى جانب الصقور(..)، حيث يقول: ((إن هذه الخرجات (يقصد خرجة بن كيران وأنصاره) رافضة للديمقراطية وتفتقد للأسس المتينة، متسائلا: هل المجلس الوطني هو الآخر عنصر متآمر؟ وأضاف: إن سبب تأجيل المؤتمر، هو غياب دعم الدولة وضرورة توفر الميزانية، مؤكدا أنه إذا عقد سنة 2022، فلا موارد مادية من أجل الاشتغال..)) (المصدر: تصريحات الداودي لموقع هسبريس).
الإمكانيات التي يمكن أن يعقد بها مؤتمر استثنائي، هي نفسها الإمكانيات التي يمكن أن يعقد بها مؤتمر عادي، لكن الداودي فضل اللعب على ورقة التمويل في مواجهة بن كيران، وهو مبرر غير منطقي، حسب المتتبعين، وحسب أعضاء الحزب، فقد كشفت أمينة ماء العينين، القيادية في حزب العدالة والتنمية، يوم الأحد الماضي، أن أمورا تجري في حزبها “غير مفهومة”، وأن البعض من “أبناء الحزب مصرون على خنق ما تبقى من أنفاس الحزب”.

تقول ماء العينين: ((إذا كانت القيادة المستقيلة (بقيادة العثماني) تمتلك كل تلك الرؤية والحماس الذي عبرت عنه في المجلس الوطني، لماذا لم “تكمل أجرها” وتعد لمؤتمر عادي؟ لماذا رُفض مقترح تكوين لجنة تحضيرية مستقلة ومتوازنة تتكفل بالإعداد لمؤتمر عادي في ظرف زمني قصير في وقت تستمر فيه القيادة الحالية في تصريف الأعمال الضرورية دون مباشرة الأدوار السياسية؟ ما معنى استقالة قيادة لا زالت تدبر بكل ثقلها، بل وتضغط لفرض منظورها لتدبير المرحلة المقبلة؟
إن المؤتمر الاستثنائي، قد يكون آخر فرصة لحزب العدالة والتنمية، إما لمباشرة محاولة الإنقاذ وتجميع شتات المناضلات والمناضلين، وإما لدفن حزب حقيقي كان يسمى حزب العدالة والتنمية..)) (المصدر: تدوينة “فايسبوكية” لأمينة ماء العينين).
بلغة كلها عتاب، تقول أمينة ماء العينين: ((كل أولئك الذين تكفلوا بإضعاف الحزب من داخله، وكل أولئك الذين أدوا مهمة تصفية تركة نضالية كبيرة، سيخرجون من الباب الصغير مهما كانت منافعهم الشخصية التي حققوها على ظهر نضال البسطاء في الجهات والأقاليم.. أين أولئك الذين صالوا وجالوا يوم كان الحزب يمنحهم المواقع والامتيازات فسارعوا بالانسحاب والاختفاء ومقاطعة مؤسسات الحزب وهيئاته بعد النتائج الكارثية التي تسببوا فيها؟ بعضهم يستقيل، وبعضهم هاجر إلى أحزاب أخرى، وبعضهم ينتظر ما ينتظره، وبعضهم يبشر بإنشاء جمعيات وكيانات جديدة تمهيدا لتأسيس حزب أو أحزاب جديدة بمنطق الانشقاق.. إن الكثيرين يصرون على إحراق السفن قبل المغادرة، وهو أمر مستنكر ويستبطن الكثير من الأنانية وقلة الرجلة في وقت يحتاج فيه حزب يحتضر إلى كل ذوي النوايا الحسنة من بناته وأبنائه المخلصين)).
يذكر أن ماء العينين ليست فقط غاضبة من قرارات “مجموعة العثماني”، والفرق ليس كبيرا بينها وبين “مجموعة أخنوش”، فكلاهما يشتركان في تدبير المرحلة السابقة، التي أدت إلى “المؤامرة ضد بن كيران”(..)، أما أمينة، فهي من أنصار عودة بن كيران، لأن “اسمه مرتبط عند جيل بكامله، بالإشعاع السياسي والنجاح والتفوق الانتخابي، إضافة إلى كاريزما القيادة والحضور السياسي والقدرة على إدارة الأزمات”، حسب قولها.
أمام وضع مفعم بالجدل كهذا، كان لابد أن يعيد بن كيران خروجه الإعلامي، ليوضح الأمور، وليجيب على قيادي مثل لحسن الداودي، حيث صرح في خروج مباشر: ((إذا أراد الداودي أن يفعل الخير في نفسه، عليه أن يصمت، وأضاف في شريط بثه مساء يوم الأربعاء المنصرم، أن له علاقة جيدة مع جميع أعضاء الحزب باستثناء اثنين، لم يذكرهما، قائلا: “هناك مجموعة في الحزب لا أتحملهم ولا أتحمل سماعهم..” وتمسك بن كيران برفضه الترشح لقيادة الحزب في مؤتمره الاستثنائي يوم السبت، إذا تمت المصادقة على انتخاب قيادة لتسيير الحزب لمدة عام وليس أربعة أعوام، وقال: “أنا غير معني إطلاقا بأي ترشيح من المؤتمر لي لقيادة الحزب، إذا وافقتم على أن تتحكم(…) قيادة الحزب التي قدمت استقالتها في القيادة المزمع انتخابها”.
وزاد بن كيران مخاطبا أعضاء حزبه: “إن تراجعتم ورفضتم تحديد عام لقيادة الحزب الجديدة، أنا عضو معكم في المؤتمر الاستثنائي، وإلا فأنا أخوكم والأخوة ستظل مستمرة، ولكنني غير معني بأن ترشحونني للقيادة، وإن فعلتم فأنا أعتذر من الآن”، وتابع: “حزبنا يجب أن يظل موجودا، ونحن عنصر إيجابي في الدولة والمجتمع، وفي حاجة لوقت للبحث عن مقاربة جديدة”، وأردف: “علينا أن نكون نافعين لدولتنا ولشعبنا، ولن تتصورا أنني في حال العودة لقيادة الحزب، سأعيده للمرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة”)) (المصدر: تفريغ لتصريحات بن كيران/ عن موقع “أخبارنا المغربية”).

قرار تأجيل المؤتمر الوطني العادي لـ”البيجيدي”، وتعويضه بمؤتمر استثنائي لمدة سنة، وهي فكرة القيادة السابقة، تتم شرعنتها بكونها قرارا صادرا عن المجلس الوطني للحزب، لكن بعض أعضاء المجلس الوطني لم يتقبلوا هذا القرار، بمن فيهم نائب رئيس المجلس الوطني، فقد ((انتقد القيادي في حزب العدالة والتنمية ونائب رئيس مجلسه الوطني، عبد العالي حامي الدين، فرض أجندة زمنية على قيادة “البيجيدي” الجديدة، قائلا: إن من شأن تحديد أجل سنة لموعد مؤتمر حزب “المصباح” أن يحول القيادة التي سيفرزها المؤتمر الاستثنائي، إلى مجرد “لجنة تحضيرية” للمؤتمر العادي.
واعتبر حامي الدين، في تصريحات صحفية، أنه لا يمكن للمؤتمر الاستثنائي أن ينتخب قيادة جديدة ويفرض عليها أجندة زمنية، موضحا أنه ينتخبها بناء على وضعية استثنائية، وهي استقالة الأمانة العامة بعد نتائج الانتخابات الكارثية. وأضاف القيادي في الحزب، أن القيادة التي سيفرزها المؤتمر الاستثنائي ستكون أمانة عامة لإنقاذ الحزب، مسترسلا: لا يمكن أن نطلب من طبيب توفير العلاج في ظرف أسبوع، معتبرا أن تسليم الحزب لقيادة جديدة يحتم عليها تشخيص الأمراض ومعالجتها، ثم بعد ذلك تحدد موعد المؤتمر، وتابع: إذا كانت الأمانة العامة المستقيلة لا تتقاسم هذا التشخيص، والحزب بالنسبة لها في وضعية جيدة، فلتستمر في الإعداد للمؤتمر العادي بدون حاجة لمؤتمر استثنائي، فرغم استقالتها، يمكن لها أن تشكل لجنة تحضيرية وتعرضها على المجلس الوطني وتتوجه للمؤتمر)) (المصدر: تصريح حامي الدين لموقع “العمق المغربي”/ 25 أكتوبر 2021).
في خضم هذا الجدل الدائر في صفوف مكونات حزب العدالة والتنمية، يقول بن كيران، وهو الشخصية التي يرجع لها الفضل الكبير في تقريب الحزب من دوائر التسيير بعد أن كان مجرد جماعة دعوية، أنه لن يقبل المبررات المرتبطة بالتمويل، وضرب مثلا بالمؤتمر الذي أشرف عليه سنة 1996، حيث “جمع 12 مليون سنتيم من الإخوة”، ووفر منها 5 ملايين سنتيم، وهو المؤتمر الذي عرف مشاركة 700 مناضل، حسب قوله.
لكن اليوم، يجري حوار كسر العظام داخل حزب العدالة والتنمية، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة.. وها هي الأمانة العامة السابقة، بقيادة سعد الدين العثماني، رفقة مجموعة أنصارها من خصوم بن كيران، قد لجأت إلى كافة المبررات لمنع عودة بن كيران، لأن عودته كفيلة بإحراجهم، كما أنها كفيلة بتأكيد صواب اختياره وفشل اختياراتهم، طالما أن الكثير منهم لم يكن لهم وجود لولا بن كيران، الذي كان يسير شؤون الحزب والحركة والجريدة، بصرامته المعهودة، قبل أن ينتهي كل شيء، أمام سخاء الامتيازات، التي حولت الكثير من “الفقراء” إلى أصحاب فيلات، ومساكن راقية، وملابس فاخرة..



