تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل يجب على المغرب الحذر من أمريكا ؟

بعد تاريخ طويل من عدم الوفاء بوعودها

أعلنت الأمم المتحدة، مؤخرا، عن تعيين الدبلوماسي المخضرم، ستيفان دي ميستورا، مبعوثا خاصا للصحراء، بعد رفض المغرب أو جبهة بوليساريو نحو 12 مرشحا منذ شغور المنصب في ماي 2019، وكان المثير للانتباه في هذا المستجد، هو رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن في بيان، أن بلاده “ترحب بحرارة” بتعيين دي ميستورا، وقال أيضا بهذا الخصوص: ((سندعم بحزم جهوده من أجل تشجيع مستقبل سلمي ومزدهر لشعب الصحراء والمنطقة، ومن أجل استئناف عملية سياسية)) بدون أن يذكر قرار الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، والقاضي باعتراف بلاده بسيادة المغرب على كامل صحرائه في شهر دجنبر 2020.

وحسب مسؤول في الأمم المتحدة، رفض الكشف عن اسمه، فإن ((واشنطن لها مصلحة في الإبقاء على الغموض، لأن هذا الأمر يناسبها، ولا يمكنها إلغاء قرار ترامب بدون تغيير العلاقة التي نشأت مقابل ذلك بين المغرب وإسرائيل، ولا يمكنها تثبيته، لأن ذلك يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة))، معتبرا أن ((اعتماد سياسة مبهمة يتيح لها الضغط على المغرب)) (المصدر: فرانس 24، بتاريخ 7 أكتوبر 2021).

تتمة المقال تحت الإعلان

إن هذا الموقف الأمريكي الغامض من قضية الصحراء، منذ صعود الرئيس الجديد جو بايدن، يطرح عدة علامات استفهام حول جدوى ثقة المغرب في أمريكا، والدخول في الحلف الجديد الذي تقوده إلى جانب كل من أستراليا وبريطانيا وإسرائيل في إفريقيا، مقابل التخلي عن فرنسا، والحال أن السياسة الأمريكية قائمة، منذ أن وجدت هذه الدولة، على أنه ليست هناك صداقة دائمة وإنما هناك مصالح دائمة، ويشهد تاريخ العلاقات بين المغرب وأمريكا على أن هذه الأخيرة كانت تتخلى عن المغرب دائما.. فهل تفعلها هذه المرة أيضا ؟ لذلك، يسعى هذا الملف إلى إبراز لحظات من التاريخ تخلت فيها أمريكا عن المغرب، وعاكست مصالحه بعدما قدمت له وعودا كبيرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: سعد الحمري

 

قصة أول تنصل أمريكي عن وعوده للمغرب

    إن للولايات المتحدة الأمريكية تاريخ طويل من تخليها الدائم عن المغرب في محطات فاصلة، بعد أن تقطع معه أشواطا طويلة في بعض المشاريع الكبرى. فقد كانت أول محطة تخلت فيها عن المملكة المغربية هي الحرب العالمية الثانية، عندما حصل أول اتصال مباشر بينهما، وكان ذلك عن طريق مؤتمر أنفا، الذي عقد في شهر يناير 1943 بمدينة الدار البيضاء، والذي شارك فيه أهم قادة دول الحلفاء، وهم الرئيس الأمريكي  فرانكلين روزفيلت، ورئيس وزراء بريطانيا العظمى وينستون تشرشل، وعن فرنسا الحرة، شارك الجنرالان شارل دوغول وهنري جيرو، في حين اعتذر رئيس الاتحاد السوفياتي، جوزيف ستالين، وكانت المفاجأة، هي مشاركة جلالة السلطان محمد بن يوسف، مرفوقا بولي العهد آنذاك، الأمير مولاي الحسن.

وعلى هامش ذلك المؤتمر، أقام الرئيس الأمريكي حفل عشاء، وقبل ذلك، استقبل العاهل المغربي في سرية تامة، بعدما أعجب بقوة شخصيته خلال أشغال المؤتمر، أما ما دار خلال الاجتماع السري، فقد ذكره جورج سبيلمان في كتابه ”المغرب من الحماية إلى الاستقلال”، والذي قال في هذا الصدد: ((قبل حفل العشاء الذي أقامه روزفيلت، استقبل الرئيس، العاهل المغربي في سرية تامة، وعرض عليه آراءه بكل صراحة.. حيث وصف الحماية الفرنسية كنظام متجاوز، ويجب أن يحصل المغرب على استقلاله الكامل في أقرب وقت ممكن وفي أبعد الآجال بعد انتهاء الحرب، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدته على تحقيق تطلعاته المشروعة، نظرا لعبقرية شعبه وماضيه العريق والمجيد)).

وقد كان لهذه الكلمات وقع كبير على السلطان محمد الخامس، الذي كان مطلبه الأول، خلال هذه المرحلة، هو الاستقلال ولا شيء آخر غيره، ومن هناك بدأ مسلسل مطالبة السلطان والحركة الوطنية المغربية، باستقلال البلاد.

أما أمريكا، التي وعدت المغرب بمساعدته بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد تنصلت من وعودها، وبحثت عن مصالحها، عندما منحتها فرنسا امتياز التجارة في المغرب، وإقامة قواعدها العسكرية فوق الأراضي المغربية ابتداء من سنة 1952.

وهكذا.. فقد تخلت أمريكا عن المغرب في المرة الأولى، وفضلت مصالحها عن مناصرة حق المغرب في استقلاله، بل وقع بعد سنة من ذلك، حدث مهم لم تحرك فيه ساكنا، وهو إقدام فرنسا على نفي السلطان الشرعي محمد بن يوسف، وترك الشعب المغربي والسلطان الشرعي يواجهون قوة فرنسا العظمى آنذاك، قبل أن تنتصر الإرادة ويحصل المغرب على استقلاله.

محمد الخامس مرفوقا بولي العهد مولاي الحسن في مؤتمر أنفا (1943) بحضور دوغول وتشرشل وروزفلت

عندما أراد الحسن الثاني الهروب من فرنسا والارتماء في أحضان أمريكا فكافأته بدعم محاولة انقلابية ضده

    المحطة الثانية في مسار تخلي أمريكا عن المغرب، كانت خلال مرحلة الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما حصل تحول بزاوية قدرها ثلاثمائة وستين درجة في العلاقات المغربية الفرنسية، على خلفية اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة فوق الأراضي الفرنسية، في أكتوبر 1965، والذي خلف أزمة حادة بين البلدين استمرت لما يقارب السبع سنوات، سحبت خلالها فرنسا سفيرها من المغرب احتجاجا على إقدام نظام الحسن الثاني على استعمال الأراضي الفرنسية ساحة لتصفية الحسابات واغتيال المعارضين، رغم أن الملك الراحل، الحسن الثاني، ظل يكرر أنه لا علم له ولا دخل له ولا معرفة له بما حصل، ورفض تسليم الجنرال أوفقير لفرنسا، لمحاكمته على اعتبار أنه المتهم الأول في قضية بنبركة.

وكرد فعل من الجانب المغربي، عمل الحسن الثاني على اتخاذ خطوة، اعتبرت إلى الأمام، وهي الخروج من الفرنكفونية بصفة نهائية على جميع الأصعدة، والاتجاه نحو أمريكا والفلك الأنجلوساكسوني، وهو الأمر الذي خلف استياء كبيرا وتوجسا في أوساط النخبة المغربية ذات الثقافة الفرنسية، التي تخوفت من فقدان مصالحها، وبالإضافة لذلك، ساد قلق كبير بين سلطات التفكير الفرنسية التي تخوفت من فقدان فرنسا لمصالحها في المغرب بصفة نهائية، غير أن الأمر المثير، هو أن المغرب، رغم تخليه عن فرنسا وتوجهه صوب أمريكا، كافأته هذه الأخيرة بدعم المحاولة الانقلابية الثانية على الملك الراحل الحسن الثاني، يوم 16 غشت 1972، والتي قادها الجنرال محمد أوفقير، وقد تحدثت العديد من الصحف العالمية عن ضلوع أمريكا في هذه العملية.  

غير أن المغرب، ورغم علمه بأن أمريكا كانت متورطة في المحاولة الانقلابية، إلا أنه لم يعمل على قطع علاقاته معها، بل إن أول تحرك دبلوماسي قام به، كان مغايرا تماما، فقد قام وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيب بنهيمة، بزيارة عمل لأمريكا في أكتوبر 1972، أي شهرين بعد المحاولة الانقلابية، وحاول خلال تلك الزيارة الضغط على نظرائه الأمريكان، عندما كانت قضية مشاركة أمريكا في المحاولة الانقلابية حديثة العهد، من خلال ورقة حيوية ومهمة، تتعلق بالقواعد العسكرية الأمريكية في المغرب، عن طريق المطالبة بإعادة النظر فيها.

كما حاول اللعب على ورقة أحزاب المعارضة، من خلال التلميح إلى إمكانية إشراكهم في الحكم، وهي التي كانت تنادي بجلاء القواعد الأمريكية منذ حصول المغرب على الاستقلال، وقد أنذر الوزير المغربي مخاطبيه الأمريكيين، بأن الحكومة المغربية في حالة ما إذا شاركت فيها المعارضة، فإن مواقفها بخصوص قضية القواعد الأمريكية على أرض المملكة، ستتخذ منحى آخر، حيث ستطالب الحكومة الجديدة بجلاء القواعد الأمريكية، وقد أكد الوزير المغربي، وبصريح العبارة، أن الحكومة المغربية تود فرصة مبكرة لإعادة النظر في مسألة القواعد الأمريكية في المغرب برمتها.

ويبدو أن محاولة إثارة قضية القواعد الأمريكية، كان مجرد محاولة فقط لإثارة الأمريكان إلى أهمية المغرب بالنسبة لأمريكا من الناحية الجيوسياسية، وقد كان هذا الملف مجرد مقدمة لملف آخر أكثر أهمية بالنسبة للمغرب، وهو قضية الصحراء.

فبخصوص قضية الصحراء المغربية، فقد أوضح الطيب بنهيمة، أن المملكة ترى أن إسبانيا لا تقارب الموضوع بطريقة مطمئنة تماما، وأشار إلى أن المغرب اتفق مع إسبانيا لجعل القضية بين يدي الأمم المتحدة، غير أن هذه الأخيرة امتنعت عن جميع القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.

كما أشار الوزير خلال نفس اللقاء، إلى أن كل مكونات الشأن السياسي والرأي العام بالمغرب، بمن فيهم أحزاب المعارضة وغيرهم، قلقون للغاية، ويلومون الملك ويوجهون له انتقادات بشأن سياسته في الصحراء، وكذلك عدم استشارته معهم في اتخاذ القرارات بهذا الشأن، كما شدد على أن الملك بإمكانه أن يحقق الوحدة الوطنية بشكل سريع جدا، من خلال تحدي إسبانيا بشأن قضية الصحراء، وخلق التفاف من طرف أحزاب المعارضة، لكنه لا يريد أن يتسرع أو يستبق الأحداث، بالاعتماد على هذه القضية، وفي المقابل، أكد الوزير المغربي، أن الحسن الثاني كان يخطط وعلى استعداد لتسوية الأمر مع إسبانيا عن طريق منحها حق المشاركة في فوسفاط الصحراء، بل وحتى إقامة قواعد إسبانية تساعد على حماية مكانتها في جزر الكناري.

لقد حاول بنهيمة التغاضي عن دور أمريكا في المحاولة الانقلابية، وفي مقابل ذلك، إثارة انتباه أمريكا إلى أهمية قضية الصحراء وخطورة الوضع فيها، حيث أوضح للمسئولين الأمريكان، أن المغرب قلق بشكل بالغ إزاء زيادة النشاط الليبي في الصحراء، مؤكدا أنه إذا قدم الليبيون السلاح لبعض الحركات الموجودة في الصحراء، فإن ذلك من شأنه أن يضر بالمغرب، ويجعله في موقف حرج، وفي ذات السياق، أكد على وجود نشاط للصين الشعبية والاتحاد السوفياتي في المنطقة، إضافة إلى وجود نشاط جزائري.

وبعد استعراض الوضع في الصحراء والتحديات التي أصبحت تطرحها، طلب بنهيمة من الولايات المتحدة، أن تشارك في قضية الصحراء، معربا عن أمله في أن تساعد المغرب على إقناع إسبانيا بأن تتخذ موقفا أكثر مسئولية بشأن القضية، غير أن وزير الخارجية الأمريكي، أوضح له بأن ((الولايات المتحدة لا يمكن أن تشارك في هذه القضية، وأنها لا ناقة لها ولا جمل فيها))، وتعلل بأن ((الأمر يقف على تطور القضية بين إسبانيا والمغرب)) كما أكد على أنه سيقول نفس الكلام لإسبانيا، وصرح أن بلاده لن تقف إلى جانب إسبانيا أيضا، وأن موقفها من القضية جملة وتفصيلا، هو الحياد.

يبدو أن الأمريكان أخذوا ما قاله الوزير المغربي على محمل الجد، عندما أكد لهم أن الملك الحسن الثاني أصبح يعيش في عزلة وتحت ضغط المعارضة، جراء عدم استشارتهم في قضية الصحراء، فبعد أقل من شهرين من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المغربي إلى أمريكا، أي في مطلع سنة 1973، رفع ويليام روجرز، وزير الخارجية الأمريكي (يناير 1969- شتنبر 1973) مذكرة للرئيس الأمريكي نيكسون، جاء فيها أن ((الحسن الثاني منذ المحاولة الانقلابية التي وقعت ضده في غشت 1972، وهو يعيش على وقع التهديدات الداخلية والخارجية، الأمر الذي نتج عنه مشكلان يتطلبا اهتمام أمريكا بصفة أساسية. فالمشكلة الأولى تكمن في أن الحسن الثاني سار يخشى أن أمريكا فقدت الثقة فيه، وله شكوك في أنها متورطة في المحاولة الانقلابية الثانية، أما المشكلة الثانية فتتمثل في كون أن الحسن الثاني، بدافع إطفاء الغليان الداخلي، فإنه طلب إعادة النظر في الوجود الأمريكي بالمغرب)).

وشددت هذه المذكرة على ضرورة إرسال مبعوث خاص للملك، حيث أبدى روبرت مورفي (وهو الذي يعرف الحسن الثاني منذ أيام الإنزال الأمريكي في المغرب) استعداده للذهاب إلى الملك لنقل تأكيد أمريكا على دعمها له، وقد أكدت المذكرة على ضرورة إرسال المبعوث إلى الملك في منتصف يناير من نفس السنة، أي بعد عشرة أيام من تاريخ رفع المذكرة.

قام مورفي بزيارة غير رسمية للمغرب فعلا، وذلك يومي 28 و29 يناير 1973، وكان هدفه هو جس نبض الحسن الثاني ومعرفة موقفه من أمريكا، خاصة وأن العالم كله كان يتحدث عن تورطها في المحاولة الانقلابية في غشت 1972، غير أن رد فعل الملك كان مفاجئا تماما، فقد أكد أنه لا يشك أبدا في دور أمريكا في المحاولة الانقلابية، وبخصوص هذا اللقاء، فقد أشار مورفي إلى أنه كان حبيا، وكان ينتظر من الملك أن يثير قضية الصحراء معه كما فعل وزير خارجيته في واشنطن، غير أنه لم يثر هذه القضية بالمرة، ولا نعلم لماذا لم يتطرق الحسن الثاني لهذا الموضوع، ولم يعلق على دور أمريكا في المحاولة الانقلابية التي وقعت ضده. 

الحسن الثاني في زيارة لأمريكا

قبل اعتراف ترامب بمغربية الصحراء.. هكذا حاول أوباما دعم الانفصال في الصحراء المغربية

    منذ حادثة دعم أمريكا للمحاولة الانقلابية على الحسن الثاني بقيادة الجنرال أوفقير، لم تحدث بين البلدين هزات قوية، وظل المغرب يعتبر بمثابة الحليف لأقوى دولة في العالم، غير أن العلاقات بين البلدين عاشت أسوأ أيامها في التاريخ خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وبالضبط منذ تقديم هيلاري كلينتون استقالتها من وزارة الخارجية الأمريكية وتعيين جون كيري مكانها في بداية سنة 2013، ومن مظاهر هذا التوتر في العلاقات، بل ومن أسبابه الرئيسية، الأسلوب الذي تعاملت به الولايات المتحدة مع قضية المغرب الأولى، قضية الصحراء، خلال المرحلة المذكورة، وما أظهر عمق الأزمة، النبرة التي استعملها المغرب مع واشنطن، والتي عبرت عن امتعاضه من ازدواجية الخطاب الأمريكي في تعامله مع المملكة.

فمباشرة بعد تقديم هيلاري كلينتون استقالتها من على رأس الخارجية الأمريكية، ظهر ما كانت تخفيه هذه الأخيرة تجاه المغرب، حيث عملت على إعداد مسودة قانون تمكن بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، من التحقيق في احترام حقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى تبني المغرب لموقف حازم من حليفه الأمريكي وإعلان التعبئة العامة في المملكة، وقد أثارت هذه المبادرة هزة مدوية في المغرب، حيث ((استدعى القصر الملكي، بشكل عاجل، جميع القوى السياسية في اجتماع تم فيه تكرار التأكيد على الإجماع الوطني)) حسب بيان بهذا الخصوص.

وقال مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية في لقاء بممثلي وكالات الأنباء العالمية: ((إننا نعرب عن رفضنا القاطع لهذا النوع من المبادرات الجزئية والأحادية الجانب)) معتبرا أنها ((مس بالسيادة الوطنية للمملكة المغربية)).

وبدأ وفد برئاسة المستشار الملكي ووزير الخارجية السابق، الطيب الفاسي الفهري، جولة على العواصم العالمية، من بينها موسكو، بيد أن هذه التصريحات لم تمنع الإدارة الأمريكية من اقتراح مشروع قرار لمجلس الأمن، في شهر أبريل 2013، يدعو إلى توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في الصحراء لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وبفضل الجهود التي قام بها المغرب آنذاك، تراجعت أمريكا عن مقترحها، وبعد الزوبعة التي أثارها ذلك المشروع، عادت أمريكا إلى استعمال التصريحات نفسها التي تعبر فيها عن مصداقية المخطط المغربي وواقعيته، وتم التأكيد على ذلك في البيان الختامي للقاء القمة الذي أجراه الملك محمد السادس مع الرئيس أوباما في شهر نونبر 2013.

ولم تكد تنطفئ نار الأزمة التي أشعلتها واشنطن مع المغرب سنة 2013، حتى استعرت نيران أزمة جديدة سنة 2016، ودائما بسبب ملف حقوق الإنسان، وكان من أهم ما شكل صداما بين البلدين، التقرير الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية والصادر في أبريل 2016، حول أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا، وانتقدها بشدة، حيث تحدث التقرير عن ((استخدام مجموعة من أساليب التعذيب على يد قوات الأمن لانتزاع الاعترافات بالجرائم، إضافة لعدم وجود تحقيقات ومحاكمات للأفراد المتهمين بالتعذيب))، كما اعتبر أن ((أوضاع السجون المغربية سيئة، ولا تخضع للمعايير الدولية، وأن الحكومة المغربية تستخدم بعض القوانين لتقييد منظمات حقوق الإنسان المستقلة والصحافة ووسائل الإعلام)).

إلا أن الرباط اختارت هذه المرة أيضا نفس المقاربة التي استعملتها سنة 2013، وهو رد قاسي وقوي على هذا التقرير، حيث استدعت الرباط السفير الأمريكي بالمغرب، للتعبير عن احتجاجها على خلفية التقرير الذي نشرته الخارجية الأمريكية، كما أصدرت وزارة الداخلية بلاغا في الموضوع، أكدت من خلاله أن ((مضمون تقرير الخارجية الأمريكية، الصادر في 13 أبريل 2016، افترائي بشكل حقيقي، حيث انتقل من تقريب المعلومة إلى اختلاقها جملة وتفصيلا، ومن التقييم المغلوط إلى الكذب الموصوف)).

وسجل البلاغ أن الحكومة المغربية لم تفتأ تثير انتباه السلطات الأمريكية منذ عدة سنوات، إلى افتقار تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان للدقة، وإلى طابعه المنحاز والبعيد عن الحقائق، مبرزا أن ((المصادر الحصرية المستخدمة، غالبا ما كانت غير موثوقة بما يكفي، ومعادية سياسيا، فضلا عن كون المعلومات المتضمنة غير دقيقة، والتقييمات لا أساس لها من الصحة، والاستنتاجات كانت عامة ومتسرعة والإسقاطات جاءت مبالغا فيها بناء على حالات معزولة))، والحالة هذه يضيف البلاغ، ((فإن المغرب الواثق من تطور نموذجه المجتمعي الذي تمت بلورته ويجري تفعيله من قبل المغاربة ومن أجلهم، والذي لا يقبل تلقي دروس من أي كان، لم يشعر قط بأي حرج من النقد البناء أو من المؤاخذة المعللة والموضوعية)).

لم يكتف المغرب بهذا الرد فقط، بل شارك في القمة الخليجية المغربية بالرياض يوم الأربعاء 20 أبريل 2016، وألقى الملك محمد السادس خطابا خلاله اعتبر أقوى خطاب له على الإطلاق منذ اعتلائه العرش، ومما جاء فيه: ((إن الوضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف.. فماذا يريدون منا؟ إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي، فالأمر واضح ولا يحتاج إلى تحليل.. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية)).

وأضاف الجالس على العرش العلوي في نفس الخطاب، في إشارة إلى أمريكا: ((إن المخططات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه، وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب))، وتابع الملك خطابه بالقول: ((وهذا ليس جديدا، فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة، في مناوراتهم المكشوفة، فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها، ومع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل، الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء، فزاعة ترفع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، ولابتزازه أحيانا أخرى)).

وهكذا دخل المغرب في قطيعة مع الولايات المتحدة الأمريكية، خلال ما تبقى من ولاية باراك أوباما، ولم يتغير الحال إلا مع مجيء دونالد ترامب، الذي كان من بين أواخر القرارات التي وقع عليها، اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء مقابل تطبيع المغرب مع إسرائيل، إلا أن الموقف على عهد الرئيس الجديد، يكتسيه بعض الغموض.. فهل يظل الموقف الأمريكي مطبوعا بالغموض، في محاولة للضغط على المغرب، أم ستكون هناك تطورات أخرى، خاصة في ظل الحديث عن تحالف يضم أمريكا وبريطانيا وإسرائيل إلى جانب المغرب، والحديث عن قرب اعتراف بريطانيا بمغربية الصحراء ؟

المستقبل وحده كفيل باستجلاء الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى