تحليل إخباري | قصة الكومسير المظلوم الذي أنصفه الحموشي
"جلماد" من السجن إلى العودة لأسلاك الأمن الوطني
نجح عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمديرية مراقبة التراب الوطني، في عملية رفع أسهمه ببورصة المسؤولين الكبار، بعد أن تداولت الصحافة خبرا غير متوقع، خلال الأيام الأخيرة، يؤكد أن المديرية العامة للأمن الوطني قررت إعادة إدماج عميد الأمن الإقليمي، محمد جلماد، في صفوفها، بإرجاعه إلى العمل بعد 11 سنة من اعتقاله على خلفية متابعة قضائية.
إن الطابع “الاحتفالي” الذي تمت به صياغة هذا الخبر، مع إهمال كثير من التفاصيل، بحكم مرور الوقت، يجد سنده في كون العميد جلماد عنوانا لإحدى صفحات الظلم في مسار أكبر قضية لتجارة المخدرات والقتل، وتصفية الحسابات، حيث أن العميد جلماد لم يكن ليدخل السجن بعد مسار مهني حافل، لولا ارتباط اسمه بتفكيك شبكة لتجارة المخدرات يوجد على رأسها نجيب الزعيمي وسعيد شعو، صاحب مبادرة انفصال الريف(..).
إعداد : سعيد الريحاني
اليوم، تمت تبرئة العميد جلماد، وأعيد إلحاقه بأسلاك الأمن الوطني، لكن الزعيمي لازال يواجه مصيره في السجن، بعد الحكم عليه بالإعدام، والمؤبد، أما البرلماني السابق، سعيد شعو، وهو أحد ألغاز هذا الملف، فإنه لازال هاربا من العدالة، بعد تحوله من مواطن يريد الاستثمار في الريف، إلى زعيم مجموعة تطالب بـ”انفصال الريف”، وتسببت في أزمة غير مسبوقة بهذه المناطق..
ولأن المناسبة شرط، فإن الحديث عن “براءة جلماد” الذي صمد مثل الجلمود في مواجهة حكم قضائي طويل، تخللته عقوبة سجنية، تأكد القضاء أنها ظالمة دامت ثلاث سنوات، فإنه لا يمكن الحديث عن هذا الكومسير دون الحديث عن بعض الحيثيات، وإعادة تركيب سيناريو الملف، المعروف إعلاميا باسم “شبكة الزعيمي”، حيث كان جلماد ضمن عدة متهمين، قدرت الصحافة عددهم بـ 38 شخصا، وجهت لهم تهم “تكوين عصابة إجرامية، والاختطاف والاحتجاز بالعنف، والإيذاء العمد، واستعمال التعذيب المفضي إلى الموت، وإخفاء جثة وطمس معالم الجريمة والإرشاء والارتشاء، والتهريب الدولي للمخدرات والاتجار فيها، وعدم التبليغ والمشاركة والخيانة الزوجية والشراء غير المشروع كل حسب المنسوب إليه”، فيما وجهت لجلماد تهمة “النية في الارتشاء”.

وتقول القاعدة أن “المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته”، لكن العميد جلماد ظل متهما ولم تثبت براءته، ولم يتم إنصافه من طرف إدارة الأمن الوطني، إلا بعد مسار قضائي طويل، حيث لم ينل البراءة الأولية إلا بعد تسع سنوات من إلقاء القبض عليه بتهمة الارتشاء، قبل أن يصل إلى مستوى “البراءة النهائية” قبل أيام.. ((بعد سنوات من الحجز على ممتلكاته وممتلكات عائلته، تصوروا أن الرجل لم يشرع في البحث عن براءته إلا بعد أن قضى عقوبته السجنية المتمثلة في ثلاث سنوات سجنا، كلها داخل السجن، إلى جانب المجرمين الذين كان هو من يلقي القبض عليهم، بحثا عن تحقيق العدالة، وتصوروا أن الرجل الذي حصل على تهنئة من طرف المدير العام السابق للأمن الوطني، الشرقي اضريس، ينوه فيها بالدور الذي قام به جلماد لتفكيك أكبر شبكة لتجارة المخدرات بالشمال، والحجز على كمية مهولة من المخدرات في حي عاريض بالناظور، سيجد نفسه قد تحول من بطل أشادت به القناة الثانية، إلى متهم في نفس الملف)).
و((كان اسم جلماد قد ارتبط في وقت سابق، سنة 2006، بنجاحه في محاربة “الإرهابيين”، فهو الكومسير الذي يقف وراء تفكيك خلية “أنصار المهدي”، المتهمة بمحاولة اختراق الجيش الملكي سنة 2006، وهي الخلية التي دفعت المغرب إلى التخلي عن سياسة التجنيد الإجباري، قبل العودة إليه مؤخرا، وربما لا يعرف كثير من المواطنين، أن محمد جلماد كان مرشحا، بفضل ضرباته المتوالية، لمنصب أمني كبير(..)، غير أن إلقاء القبض عليه حول حياته رأسا على عقب، بعد أن قيل أنه كان صاحب نية مبيتة لتلقي رشوة كبيرة من البرلماني السابق، سعيد شعو، في حالة ما إذا نجح في تخليص الزعيمي من الورطة التي دخل فيها عقب افتضاح أمر الشبكة، حسب ما نشرته الصحف، التي أكدت في نفس الوقت، أن جلماد قام باقتحام مزرعة نجيب الزعيمي واحتجز 7488 كلغ من الحشيش(..)، انظروا التناقض..)) (المصدر: تحليل إخباري سابق/ الأسبوع الصحفي / عدد 14 مايو 2019).
لم تسنح الفرصة، وربما لن تسنح، للزعيمي بالحديث عن الصحافة، مستقبلا، وكل ما بقي هو أرشيف كبير من المقالات الصحفية التي تتحدث عن هذه القضية، ومسارها القضائي الشائك، حيث كان الزعيمي وشركاؤه يشهرون ورقة الإنكار في مواجهة التهم الموجهة إليهم، كما يمكن العثور في سابقة من نوعها، على بلاغات للمديرية العامة للأمن الوطني، تتحدث عن مواصلة الزعيمي لنشاطه من داخل السجن، فقد سبق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أن أكد أنه توصل بمعلومة مفادها أن ((المسمى نجيب الزعيمي، الذي يقضي عقوبة سجنية من أجل الاتجار والتهريب الدولي للمخدرات والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاختطاف والاحتجاز والتعذيب، ما زال يزاول نشاطه الإجرامي من داخل أسوار السجن، وأوضح المكتب في بلاغ نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء، أنه على إثر ذلك، انتقل فريق بحث تابع للمكتب إلى الضيعة التي مازالت في ملكية المسمى نجيب الزعيمي، والكائنة بجماعة أركمان إقليم الناظور، حيث أنه وبعد القيام بأبحاث وتحريات، تم اكتشاف وحجز كمية هامة من البنزين (1830 لتر)، وأربع سيارات بترقيم مزور، وصفائح معدنية أجنبية مزورة، بالإضافة إلى مرسى بحرية، مما يدل على أنه مازال يدير شبكته الإجرامية المتخصصة في تهريب المخدرات، وأنه على وشك القيام بإحدى العمليات انطلاقا من ضيعته)) (المصدر: بلاغ الأمن الوطني المنشور في عدة مقالات خلال شهر أبريل 2016).

جلماد عاد إلى عمله، والزعيمي لا زال في سجنه، لكن ذلك لا يمنع من الحديث عن تعقد هذا الملف الشائك، خاصة وأن واحدا من المتهمين الرئيسيين في القضية، وهو سعيد شعو، لازال هاربا خارج المغرب، وسبق للسلطات المغربية أن طالبت بتسليمه لولا أن السلطات الهولندية لا يمكن أن تسمح بذلك(..)، ذلك أن شعو انتقل من الدفاع عن “مشروع الحكم الذاتي في الصحراء” كما تشهد بذلك فترة انتمائه لحزب “العهد” الذي كان يقوده نجيب الوزاني (رئيس بلدية الحسيمة حاليا)، إلى أشهر شخصية تطالب بانفصال الريف، حيث كانت شخصية سعيد شعو قد حجزت مكانها ضمن قصاصات الصحف الدولية باعتباره “حالما بتأسيس جمهورية”، رغم أنه عندما دخل إلى المغرب، كان يروج لمقترح الحكم الذاتي(..)، وكانت الصحافة الفرنسية، على سبيل المثال، قد كتبت أن ((شعو اتبع نهجا راديكاليا بعد ذلك، بحيث سيؤسس سنة 2014 “حركة 18 شتنبر”، للمطالبة باستقلال الريف، وسيجمع من حوله عددا من النشطاء الريفيين المقيمين بمختلف الدول الأوروبية، واعدا إياهم بإحداث “حكومة ريفية في المنفى”، و”جمعية تأسيسية تضم ممثلي مختلف قبائل الشمال المغربي”))، وبهدف تحقيق هذه الأهداف، أوردت “جون أفريك”، أن ((شعو يمول قناة تلفزيونية تسمى “أنوال تي. في”، وموقعا إلكترونيا للقيام بالدعاية لمشروعه، الذي يهدف إلى مضاعفة الواقفين وراءه عبر التقرب من عدد من الصحافيين والنشطاء الجمعويين في أوروبا))، وبعد حادث الوفاة المأساوي لـ”سماك الحسيمة” محسن فكري، داخل آلة ضغط خاصة بشاحنة للنفايات، سـ((يدخل شعو على الخط، باقتراحه على عدد من نشطاء الحراك، التمويل اللوجستيكي لهذا الأخير، وهو ما أكده عدد من الموقوفين على خلفية احتجاجات الحسيمة خلال جلسات التحقيق معهم))، يورد المصدر نفسه عن موقع “هسبريس”/ 27 يونيو 2017، (تفاصيل أخرى نشرت في عدد سابق من “الأسبوع الصحفي”).
إن الحديث عن براءة جلماد، وإعادته لممارسة مهامه في هذا الوقت بالذات، تم اعتباره من لدن المتتبعين، إشارة قوية في احترام المقررات القضائية من لدن الإدارة العامة للأمن الوطني، حيث ((كان جلماد قد حشر ضمن عشرات المتهمين، من بينهم “الحاج” الزعيمي، وخمسة دركيين، وأربعة من رجال القوات المساعدة، وقائد لإحدى المقاطعات بالناظور، وبرلماني سابق، وطبيب، وممرض، وصحافي، وإطار بنكي، ورائد، ومقدم ورئيس ينتميان للقوات المساعدة، و3 عناصر من القوات المساعدة.. كلهم تم التحقيق معهم بتهمة الاتجار في المخدرات، وجناية القتل العمد، والاختطاف والاحتجاز بالعنف، والإيذاء العمدي، واستعمال التعذيب المفضي إلى الموت، وإخفاء جثة وطمس معالم الجريمة، وعدم التبليغ والمشاركة، والخيانة الزوجية، والشراء غير المشروع، كل حسب المنسوب إليه.. حسب ما ذكرته وسائل الإعلام، والمواقع في منطقة الريف على الخصوص)) (تفاصيل أخرى في “الأسبوع” عدد 30 أبريل 2016).
إن إسدال الستار عن قضية جلماد، وحصول الحموشي على “تنويه شعبي” بإعادة هذا “الكومسير المظلوم” إلى عمله، سيمكن من الاستفادة من الخبرات الجامعية لهذا الإطار الأمني (جلماد)، الذي ارتبط اسمه في وقت سابق، بنجاحه في محاربة “الإرهابيين”، والأكيد أن الرجل الذي حصل على براءته اليوم، كان بإمكانه تحصيل الملايير لو فضل خيانة رسالة الأمن الوطني، وهو الأمر الذي لم يحصل مع جلماد.



