تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل تمهد فرنسا لأزمة سياسية مع المغرب ؟

ما بعد الخسائر الاقتصادية الفادحة لماكرون

تقول الدبلوماسية الفرنسية: ((تربط فرنسا بالمغرب علاقات ثنائية درجت على الامتياز، وتتسم بالحوار المكثف والمنتظم منذ أواسط تسعينات القرن العشرين. واختار الملك محمد السادس أن يزور فرنسا في أول زيارة دولة له في مارس 2000، وزار رئيس الجمهورية المغرب في زيارة صداقة، تلبية لدعوة الملك محمد السادس، يومي 14 و15 يونيو 2017، أي بعد أقل من شهر واحد على توليه رئاسة الجمهورية، وفي أول زيارة ثنائية يقوم بها رئيس الجمهورية خارج القارة الأوروبية، ويجري رئيس الجمهورية والملك اتصالات متواصلة، ولا سيما عبر الهاتف، وأجرى الملك محمد السادس محادثات مع رئيس الجمهورية في باريس في 10 أبريل 2018، وشارك كذلك في إحياء الذكرى السنوية لهدنة 11 نونبر 2018، وزار رئيس الجمهورية المغرب بتاريخ 15 نونبر 2018 من أجل القيام، إلى جانب الملك محمد السادس، بتدشين خط القطار فائق السرعة الذي يربط بين طنجة والقنيطرة والذي يعد ثمرة شراكة ثنائية بين البلدين)) (المصدر: وزارة أوروبا والشؤون الخارجية).

 

تتمة المقال بعد الإعلان

إعداد : سعيد الريحاني 

 

تتمة المقال بعد الإعلان

    بهذه اللغة تعرف الدبلوماسية الفرنسية علاقاتها مع المغرب، بل إنها تقول: ((لا تزال فرنسا الشريك الاقتصادي الأساسي للمغرب، على الرغم من اشتداد المنافسة في مجالي التجارة والاستثمارات، ومن عام 2012 إلى عام 2019، زادت وارداتنا من المغرب بنسبة 70.5 في المائة وصادراتنا إلى المغرب بنسبة 18.3 في المائة، وأصبحت فرنسا تحتل المرتبة الثانية في قائمة موردي المملكة المغربية، إذ تبلغ حصتها في السوق المغربية 12.2 في المائة، خلف إسبانيا التي تحظى بنسبة 15.6 في المائة، وتثبت هذه الزيادات عامة ارتقاء الصادرات المغربية التي تزداد هيمنة المنتجات الصناعية عليها، وتحافظ فرنسا على تصدرها قائمة المستثمرين الأجانب في المغرب، ولا سيما في قطاع الخدمات)) (نفس المصدر).

بخلاف هذا الكلام الدبلوماسي الجميل، ((أعلنت الحكومة الفرنسية، مؤخرا، عن تشديد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب والجزائر وتونس، بدعوى رفض الدول الثلاث إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستعادة مهاجرين من مواطنيها))، غير أن هذا الكلام غير مبرر منطقيا: ((أولا، لأن المغرب كان دائما يتعامل مع مسألة الهجرة وتنقل الأشخاص، بمنطق المسؤولية والتوازن اللازم بين تسهيل تنقل الأشخاص، سواء طلبة أو رجال الأعمال، وما بين محاربة الهجرة السرية (غير النظامية)، والتعامل الصارم حيال الأشخاص الذين هم في وضعية غير قانونية. ثانيا، المغرب من منطلق هذه المسؤولية، أعطى تعليمات واضحة لاستقبال عدد من المواطنين الذين كانوا في وضعية غير قانونية بفرنسا، حيث بلغ عدد وثائق جواز المرور (تسمح للمواطنين بالعودة لبلادهم) والتي منحتها القنصليات المغربية خلال 8 أشهر من السنة الحالية، 400 وثيقة. ثالثا، يبقى هذا المشكل فرنسيا، وغير مبرر)) (المصدر: مبررات عرضها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة في آخر خروج إعلامي له).

ولازالت الحكومة الفرنسية، التي تعترف بما تجنيه اقتصاديا من أرباح انطلاقا من المغرب، تصر على تشديد الشروط حول فرض التأشيرات على المواطنين المغاربة، بل إن الناطق الرسمي باسم الحكومة الفرنسية، أصر على تأكيد الموقف الفرنسي قائلا: ((لقد تحاورنا، ثم وجهنا تهديدات، واليوم ننفذ التهديد))، وأضاف: ((هذه الدول (يقصد المغرب والجزائر) لا تقبل باستعادة رعايا لا نرغب بهم، ولا يمكننا إبقاؤهم في فرنسا)).

إن السؤال الذي يطرح أمام قرار من هذا النوع: “هل هو قرار إداري كما يتم الترويج له، أم أنه قرار انتخابي؟”، ليقول المحللون: ((إن هذا ليس قرارا وليد الصدفة، والدليل هو ظروف استقبال المهاجرين غير الشرعيين المهينة خلال السنوات العشر الأخيرة، معظمهم يفترشون الشارع أو يعيشون في مخيمات. فرنسا تريد أن تمرر رسالة للمهاجرين، مفادها أنها لم تعد أرض استقبال، وذلك عبر سن أنظمة تكبح الهجرة وتؤكد على أن واقعا أسودا في انتظار المهاجرين وطالبي اللجوء، وتضرب بعرض الحائط كل القوانين التي تم التصويت عليها خلال السنوات الماضية، أما محلل آخر فيرى أن “القرار من جهة هو إداري، إذ أن فرنسا تشتكي منذ سنوات من وضع المهاجرين غير النظاميين للدول الثلاث، بالإضافة لمالي وإفريقيا جنوب الصحراء، وتحاول حل الملف عبر طرق دبلوماسية باءت بالفشل، فاختارت اليوم الضغط بورقة التأشيرات، ويضيف: لكن هذا لا ينفي أن القرار يمكن أن يدخل في إطار الاستعراض الانتخابي لماكرون، ويوضح أن الرئيس الفرنسي يحاول استمالة الرأي العام عبر هذه القرارات، وجلب أصوات اليمين لصالحه، خصوصا وأن اليمين المتطرف أصبح يلعب بورقة الهجرة في الأيام الأخيرة ويلح على أنها خطر يجب مواجهته)) (المصدر: موقع سكاي نيوز عربية).

صفقة اللقاح مع الصين

بغض النظر عن هذه التفسيرات، يمكن إدراج القرار الفرنسي الأخير في إطار الضغط على المغرب، للحفاظ على مكاسبها الاقتصادية، التي باتت مهددة من قبل منافسين آخرين، فإذا كانت فرنسا قد قامت ببيع القطار فائق السرعة للمغرب في عز الربيع العربي، فإن الظروف الحالية تلعب في صالح المغرب، لتنفيذ المشروع الثاني من هذا القطار، والرابط بين مراكش وأكادير، بشراكة مع الصين، بل إن ((العملاق الصيني، المجموعة الصينية المحدودة للسكك الحديدية، قدم عرضا لا يمكن رفضه للسلطات المغربية من أجل الظفر بصفقة إنجاز الخط السككي للقطار فائق السرعة الذي سيربط بين مدينتي مراكش وأكادير، ووفقا للمعطيات المتوفرة، فإن العرض الصيني، بالإضافة إلى تكلفته المنخفضة مقارنة بنظيره الفرنسي (أقل بـ 50 في المائة)، يتضمن قرضا بدون فوائد لتمويل المشروع من بدايته إلى نهايته مع تسهيلات في أداء أقساطه على المدى المتوسط)) (المصدر: موقع أخبارنا).

إن التحركات الصينية في المغرب، تشكل مصدر إزعاج كبير لفرنسا، ويقول المحللون: ((الصين منافس قوي لفرنسا في المغرب، ولبكين فائض كبير من الدولار تريد التخلص منه، وتمنح قروضا بفوائد هزيلة، الأمر الذي يجعل فرنسا في وضع صعب بهذه الشروط))، وأكثر من ذلك، فإن التحليلات العميقة تذهب في اتجاه تأكيد قدرة الصين على رأب الصدع بين البلدين الجارين، المغرب والجزائر، فقد نشر موقع “إيست آسيا فوروم” (منتدى شرق آسيا)، تقريرا يتناول مصالح الصين الاقتصادية في كل من الجزائر والمغرب، وكيف أصبحت بكين لاعبا رئيسيا بوسعه تقريب وجهتي النظر الجزائرية والمغربية حول مسألة السيادة المغربية على الصحراء الغربية، وقد أعد التقرير كل من مايكل تانشوم، الأستاذ الزائر بجامعة “نافرَّا” الإسبانية والخبير بالمعهد النمساوي للدراسات الأوروبية والأمنية، ونيريا ألفاريز أريزتغي، الطالبة بجامعة “نافرَّا” الإسبانية، ويقول التقرير: ((تسعى الصين لأن تلعب دورا استراتيجيا في تنمية الترابط الأوروبي – الإفريقي عبر منطقة غرب المتوسط، كما أن للصين مصلحة في تمدد ممر النقل التجاري المغربي بين غرب إفريقيا وغرب أوروبا، المعتمد على خط قطارات “البراق” المغربي فائق السرعة، وعلى التوسعة الجديدة في ميناء “طنجة المتوسط”، أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط اليوم، ويضيف نفس المصدر: لم تكن توسعة ميناء طنجة المتوسط لتحدث لولا استثمارات مجموعة التجار الصينية. فقد فتحت شركات صينية مصانع في المغرب، بغرض الاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية – الإفريقية، التي نشأت إثر تدشين خط قطارات “البراق” وميناء “طنجة المتوسط”، كما دشنت شركة “سيتيك ديكاستال” الصينية، مصنعا بقيمة 400 مليون دولار أمريكي، لإمداد مصنع تجميع معدات السيارات، المملوك للمجموعة الفرنسية “بي إس إيه” ((PSA بالمعدات اللازمة، علاوة على ذلك، تبني شركة “تشييد الاتصالات” الصينية “مدينة محمد السادس / طنجة تيك”، لتصبح مركزا صناعيا يجذب المزيد من الشركات الصينية والشركات متعددة الجنسيات إلى المغرب)) (المصدر: ترجمة الجزيرة).

مدينة “طنجة تيك” المشروع الصيني الكبير في المغرب

لا تقف المصالح الفرنسية، المهددة في المغرب، عند حدود القطار فائق السرعة، أو التنافس مع الصين التي حظيت في السنوات الأخيرة بثقة كبيرة لدى المغاربة، بفضل جهودها في محاربة وباء “كورونا” وتوفير اللقاح، ونقل خبراتها إلى المملكة(..)، بل إن البلاد التي خسرت صفقة كبرى مع أستراليا، تتعلق بشراء 12 غواصة، قبل أن يتراجع الأستراليون، ما يعتبره الفرنسيون طعنة في الظهر(..)، وقد تتعمق الأزمة مع المغرب، بخسارتها للمزيد من عقود “التدبير المفوض”، حيث حاولت الشركة الفرنسية “ليديك” على سبيل المثال، استباق الأزمة المقبلة، بإبداء نيتها في الاستمرار، وجاء في بلاغ عممته على وسائل الإعلام، أنها تطمح لشراكة جديدة مع المغرب، على بعد ست سنوات من نهاية عقد التدبير المفوض الموقع معها لتوزيع الماء والكهرباء وتجميع مياه الصرف الصحي ومياه الأمطار والإنارة العمومية، وهو العقد الموقع على امتداد 30 سنة، وقالت “ليدك” إنها علمت بقرار وزارة الداخلية، وأوضحت أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات في الدار البيضاء، ستتدخل في التراب الجهوي باستثناء نطاق عمل مؤسسة التعاون بين الجماعات، الدار البيضاء، وهو النطاق الذي تشتغل فيه “ليدك”، إذ تعتزم وزارة الداخلية إحداث شركات جهوية متعددة الخدمات في أربع جهات كمرحلة تجريبية، من بينها جهة الدار البيضاء، في أفق تعميم التجربة على باقي جهات المملكة في إطار إصلاحات لتحسين أداء الشركات العمومية ومنح الجهات صلاحيات أوسع، ومن المرتقب أن يتم إطلاق هذه الشركات ابتداء من شهر يناير المقبل، وهو ما يعني أنه لن يجري تجديد العقود مع الشركات المحلية التابعة لشركتي المرافق الفرنسيتين: “فيوليا” صاحبة “ريضال”، و”سويز” صاحبة “ليدك”، اللتين تديران تدبير قطاعي الماء والكهرباء في مدن مغربية رئيسية (المصدر: موقع هسبريس).

بين المناورات الانتخابية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والخسائر الاقتصادية الفادحة لفرنسا، وعجزها عن تحقيق نتائج مرضية فيما يتعلق بمكافحة وباء “كورونا”، وتقدم العملاق الصيني، وخسارتها لعدد من البلدان الإفريقية، تقاوم فرنسا “موجة تمرد إفريقية ضدها”، بقرارات “عقابية”، غير أن ذلك قد لا يتعدى كونه تكريسا لواقع، ستعزل فرنسا من خلالها نفسها عن محيطها التقليدي، الذي يحلم هو الآخر بركوب قطار التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى