ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | المدافعون عن العرش المغربي

من الفلاحين إلى رجال الأعمال

شكلت جائحة “كورونا” منعطفا هاما في تاريخ البشرية، فقد صرح العديد من زعماء الدول المتقدمة أن العالم بعد الجائحة لن يعود كما كان، وأصبح الكل يتحدث عن عالم جديد.. عالم ما بعد “كورونا”، وقد كان المغرب سباقا لمحاولة مواكبة هذه اللحظة التاريخية وركوب قارب العالم الجديد، ومن أجل ذلك، تم الإقرار بفشل النموذج التنموي السابق والانكباب على الإعداد لنموذج تنموي جديد، إضافة إلى بناء تحالفات جديدة، والعمل على إظهار صورة المغرب كقوة إقليمية من خلال تحدي العديد من البلدان الكبرى كألمانيا وإسبانيا.

وقد واكب ذلك انتخابات 8 شتنبر، التي أسفرت عن تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار للانتخابات، وتعيين رئيسه عزيز أخنوش من طرف الملك محمد السادس، كرئيس للحكومة، وبالموازاة مع ذلك، بدأ الحديث عن قيادة رجال الأعمال لمغرب ما بعد “كورونا”، والنموذج التنموي الجديد، لذلك، نقترح من خلال هذا الملف، تتبع علاقة الملكية برجال الأعمال منذ استقلال المغرب إلى عهد الملك محمد السادس، وكيف سيكون مستقبل العلاقة بين الملكية ورجال الأعمال.. هل ستكون علاقة ود أم صدام ؟

تتمة المقال بعد الإعلان

 

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

 

عندما تحالفت الملكية في بداية الاستقلال مع الفلاحين الكبار ليكونوا مدافعين عن العرش

    ارتكز النظام السياسي في المغرب، منذ الأزل، على التحالف مع الأعيان، وخصوصا النخب الاقتصادية التي كانت ممثلة في طبقة التجار، واستمر هذا النسق حتى بعد استقلال البلاد، حيث تحالفت الملكية مع الأعيان القرويين أو الفلاحين الكبار مباشرة بعد حصول المملكة على استقلالها، على اعتبار أن المجتمع المغربي كان مشكلا بنسبة كبيرة منه من 80 في المائة من سكان البوادي والقرى، وفي هذا المضمار، ألف عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، ريمي لوفو، كتابا قيما وسمه بعنوان: ”الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، عنوان يدل عن الفكرة التي يريد أن يبرزها من خلال مؤلفه.

وقد أكد الباحث المذكور في كتابه، أن ما جعل الملكية تتحالف مع الفلاحين الكبار بعد الاستقلال مباشرة، هو أن الحركة الوطنية ممثلة في حزب الاستقلال، أصبحت خلال مرحلة بعد الاستقلال تستعد لحكم المغرب، في محاولة منها لتجاوز النخب القروية المشكلة من الفلاحين الكبار، وكذلك غدت تسعى للحد من سلطات الملك، بل ودسترتها وتحديث الدولة، بيد أن فطنة القصر ووعيه مبكرا بتلك الإرادة، جعلته يمضي تحالفا مع الأعيان القرويين المراد تهميشهم، معيقا بذلك أي عملية للتحديث، ومعززا الأشكال التقليدية، مجمدا بذلك انتشار أي قوة تغييرية.

وذكر ريمي لوفو، أن النخبة القروية فقدت سمعتها إبان الاستعمار، نظرا لوقوفها إلى جانبه حفاظا على سلطتها الاقتصادية، وهو السبب الذي عرضها للانتقام من لدن الوطنيين، وكان الملك يعلم في قرارة نفسه أن أي مسؤول من حزب الاستقلال قد يعقد تحالفا مع العالم القروي، فإنه سيضمن لنفسه السيطرة على النظام السياسي المغربي في شموليته.

وأضاف نفس الباحث بأن البورجوازية الحضرية الناشئة أصبحت تستعمل الجهاز الإداري لإخضاع القطاعات الأخرى لحسابها وتدخلها في سياق العصرنة، وعلى هذا الأساس، ساهم القصر في تخليص الأعيان من شبهة التعاون مع الحماية مقابل التأمين له من قبل الأرياف، وهذا التكتيك نفسه استخدمته الحماية ضد الملك، وهو الذي استخدمه الملك ضد الأحزاب.

ورغم ذلك، أكد نفس الباحث، أن الأعيان لم يكونوا مطلقا يشكلون مجموعة متجانسة، ففي مقابل قاعدة عريضة تشكل الدعم الأساسي للنظام الملكي، هناك حالات لمستثمرين كبار، مثل منصور النجاعي بسوق أربعاء الغرب، وعباس القباج بأكادير، كان بإمكانهم إنشاء تحالفات مع البورجوازية مستغنين عن كفالة النظام الملكي، غير أن روح المحافظة التي كانت تسري وسط الأعيان، جعلتهم يرفضون كل ما من شأنه أن يصيب تماسكهم بالضرر، وقد جعل هذا التحالف بين الملكية والفلاحين الكبار، البوادي التي كانت تستحوذ على 80 في المائة من سكان المغرب، محافظة على هدوئها التام خلال العديد من المحطات التي تعرض فيها النظام لمحاولات الانقلاب، أو الانتفاضات الشعبية.

وكمكافأة لهم على ذلك، عاد الملك الحسن الثاني سنة 1984 ليؤكد تحالف النظام الملكي مع النخب القروية، حين أعلن في خطاب العرش، عن إلغاء الضريبة على الفلاحين إلى حدود سنة 2000، غير أنه انطلاقا من هذه المرحلة، أي أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، انتقل ميزان القوى من القرية إلى المدينة إن على مستوى الكثافة السكانية أو الإنتاج أو الحراك السياسي والاجتماعي، وبرزت أقطاب حضرية كبرى مستقطبة لتيارات مختلفة من السكان والأفكار..

البصري

من تخوف نظام الحسن الثاني من رجال الأعمال المغاربة إلى الانفتاح عليهم

    في الوقت الذي كانت فيه النخب القروية ممثلة في كبار الفلاحين، تشكل تحالفا مع الملكية، حتى نعتت بأنها المدافع عن العرش، كان رجال الأعمال المغاربة في المدن ممثلين في الكونفدرالية العامة للمقاولين المغاربة CGEM))، بعيدون طيلة ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عن المعترك السياسي، وفضلت هذه النخبة، من أجل الدفاع عن مصالحها، نهج أساليب تشبه إلى حد ما الأساليب المنتهجة من طرف اللوبيات، وقد تجلى ذلك بالخصوص، حسب الباحث المغربي محمد شقير، من خلال مساندة مختلف الأحزاب السياسية المغربية، إما من خلال التمويل أو عن طريق انتماء بعض الأعضاء شخصيا إليها، من أجل الضغط على الحكومة، خصوصا أثناء تقديم قوانين الميزانية، وذلك لإدخال تعديلات على هذه القوانين لتساير مصالحها، أو الضغط على اللجان البرلمانية من أجل تعديل أو إلغاء قوانين لا تساير مصالح الكونفدرالية، أو الضغط على الفرق البرلمانية، لا سيما أثناء مناقشة قانون الميزانية، وقد بقيت الكونفدرالية العامة للمقاولين المغاربة ملتزمة بهذا الدور طيلة فترة الستينات والسبعينات والثمانينات، وحتى منتصف التسعينات من القرن العشرين.

ولعل تشبث الكونفدرالية بهذا الدور، يرجع بالأساس إلى عدة عوامل من أهمها: أولا، حساسية النظام من مشاركة رجال الأعمال المغاربة في اللعبة السياسية، وبالأخص مساندة أحزاب المعارضة، وثانيا، استفادة رجال الأعمال المغاربة من الحماية الاقتصادية التي كانت توفرها لهم الدولة من خلال الترسانة القانونية، التي تمثلت على الخصوص في القوانين الجمركية وقانون مغربة المؤسسات الوطنية.

غير أن الأمر لم يستمر على هذا النحو، ففي بداية تسعينيات القرن الماضي، بدأ رجال الأعمال المغاربة يستعدون لدخول المعترك السياسي، إذ ظهرت إحدى بوادر هذا الاستعداد خاصة في دعوة الكونفدرالية أعضاءها إلى التصويت بنعم على المراجعة الدستورية لـ 13 شتنبر 1996، وتعود أسباب هذا التحول إلى عدة عوامل، من أهمها العوامل الاقتصادية المتمثلة في العولمة التي اكتسحت مختلف الاقتصادات الوطنية، وحطت برحالها في المغرب متجسدة في اتفاقية “الغات” التي تم التوقيع عليها بمراكش في أبريل 1994، وإذا كان اختيار مراكش كمكان للتوقيع على هذه الاتفاقية قد منح للمغرب سمعة دولية، فإنه حرك تخوفات رجال الأعمال، وجعلهم يدركون أن العولمة وصلت إلى عقر دارهم، وأن الحماية التي كانت توفرها لهم الدولة، هي في طريقها إلى الزوال.

ومما زاد من ترسيخ هذا الشعور لديهم، دخول المغرب في مفاوضات مع السوق الأوروبية المشتركة، والتي انتهت بالتوقيع على اتفاقية للتبادل الحر في 26 فبراير 1996، وتتلخص هذه الاتفاقية في عدة مقتضيات من أهمها: التخفيض التدريجي للرسوم الجمركية، فتح السوق الوطنية للاستثمارات الاوروبية، إلغاء التفضيلات التجارية والجمركية التي كانت تمنحها أوروبا للمغرب، والشراكة بين رجال الأعمال المغاربة ونظرائهم الأوروبيين.

ورغم أن حبل الود كانت الملكية قد بدأت تمده لرجال الأعمال المغاربة، إلا أن ذلك لم يمنع وجود بعض الصدامات، التي تجسدت في حملة التطهير الكبرى التي بدأت في منتصف سنة 1995، ورغم التجاوزات التي شابت العملية، إلا أن الحسن الثاني اعتبر أن الهدف منها هو أنه ((يتعين على رجال الأعمال والتجار ببلدنا، صغارا كانوا أو كبارا أو متوسطين، وعلى رجال الصناعة، أن يدركوا أنه مع المنظمة العالمية للتجارة ومع اتفاقية الشراكة بيننا وبين أوروبا، سنكون خاضعين لقواعد جديدة تتمثل في التنافس والشفافية وحقيقة الأسعار والجودة، إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا، ولهذا، فقد لفتنا الانتباه ربما بشيء من الشدة، لحالات واضحة بشكل صارخ كان يصعب غض الطرف عنها، لكننا نعتقد أننا قمنا في نفس الوقت بعمل بيداغوجي، ونأمل أن يفهم الجميع، وعلى أية حال، فقد استقبلت مسؤولي أوساط رجال الأعمال وشرحت لهم كل ذلك، وتحدثنا بكل صراحة، وطلبت منهم مساعدتي على القيام بهذا العمل البيداغوجي، لأننا لا يمكن أن ندخل المنافسة الدولية إذا لم نكن قادرين عليها وإذا لم تكن لنا منتوجات ذات جودة، وإذا لم نكن نتحلى بالشفافية، ويتعين من حين لآخر التحرك على نطاق واسع، لينتبه الناس وينضبطوا)).

إن ضرورة تحول عقلية رجال الأعمال المغاربة لم يكن مطلبا فقط بالنسبة للحسن الثاني، بل أيضا الرهان الأهم بالنسبة للعاهل الجديد، الذي صرح للصحافة الإسبانية عندما كان وليا للعهد في ماي 1997، حيث قال: ((يجب على المنتجات المغربية والعقلية المغربية، بل وحتى على المغاربة أنفسهم، أن يصبحوا تنافسيين، ويجب تغيير هذه العقليات، وسيصبح من الضروري مسايرة الأوربيين، فعلى سبيل المثال، يتعين على المقاولات المغربية أن تصبح أكثر جدية على مستوى الجودة، فإذا كنا نرغب في مسايرة أوروبا في هذا الوقت الذي يتم فيه الحديث عن توسيعها، فإنه يجب التذكير بأننا سنكون في الوقت ذاته شركاء ومتنافسين، وبالتالي، لا ينبغي تصور أوروبا كحصن، ولكن يجب تصورها ككيان منفتح)).

عهد الملك محمد السادس.. رجال الأعمال المغاربة المدافعون الجدد عن العرش

    خلال نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، التي تميزت بنهاية عهد وبداية عهد جديد، نهاية مرحلة الحسن الثاني وبداية مرحلة الملك محمد السادس، بدأ رجال الأعمال المغاربة يقتحمون عالم السياسة، وأصبحت مشاركتهم علنية، وأخذ بعض رجال الأعمال يقبلون على تأسيس أحزاب سياسية وقيادتها، وهذا يعتبر طفرة نوعية في الحقل السياسي المغربي، نتيجة للتحفظ والحذر اللذين كانا يطبعان دائما مشاركتهم العلنية في المعترك السياسي.

ويمكن تفسير هذه الطفرة السياسية بعدة عوامل من أهمها: الانفتاح الذي عرفه النظام السياسي المغربي، خاصة بعد التغيير الذي طال هرم السلطة منذ شهر يوليوز 1999، لكن بالإضافة إلى هذا العامل، يبدو أن هناك عاملا آخر، حسب الباحث محمد شقير، جعل بعض رجال الأعمال يقدمون على اقتحام غمار السياسة، وهو الشعور القوي لدى بعضهم بأنه ليست هناك ضمن التركيبة الحزبية لتلك المرحلة تنظيمات تستطيع أن تعبر عن رؤاهم ومصالحهم، فهم يعتبرون الأحزاب التي تكونت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، رغم تأكيدها على الليبرالية وحرية المبادرة، إلا أنها فشلت في استقطاب شرائح من رجال الأعمال، وهي عكس منظورها السياسي والاقتصادي، نظرا لأن هذه الأحزاب لم تنبثق من أرضية ليبرالية، بل تشكلت بالأساس لتحقيق توازنات سياسية محضة، كما أن هذه الأحزاب فشلت فشلا ذريعا في تسيير الشأن الوطني والمحلي بما يتوافق وطموحات ورؤى مختلف شرائح رجال الأعمال، ولعل هذا ما لمح إليه رجل الأعمال البارز، علي بلحاج، في أحد البرامج بالقناة الثانية، حيث برر تأسيسه لحزب جديد باستهداف استقطاب عدة شرائح سوسيو-اقتصادية تتحفظ على الانخراط في الأحزاب، نظرا لأن هذه الأخيرة لا تعبر عن أفكارها واهتماماتها وانشغالاتها السياسية، كما اعتبر أن حزبه يعكس مشروعا ليبراليا شكلا ومضمونا، وسيقوم بالدفاع عن الأفكار الليبرالية ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل حتى على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

إن تخلي الدولة عن قبضتها الاحتكارية في مجموعة من القطاعات من خلال خوصصة عدة مؤسسات عمومية، وتشجيعها على المبادرة الخاصة (التعليم الحر، المقاولون الشباب…) وفسح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، قد أدى إلى خلق أرضية سوسيو-اقتصادية سمحت بتكوين شريحة اجتماعية تعتنق الليبرالية وتؤمن بقيمها الفكرية والمذهبية، وتتوفر على تكوين عصري من مستويات عليا.

وهكذا.. فقد تكونت مجموعة من الأحزاب بزعامة شخصيات تنتمي إلى عالم رجال الأعمال في بداية عهد الملك محمد السادس، فقد أسس عبد الرحيم الحجوجي، الرئيس السابق للكونفدرالية العامة للمقاولين المغاربة بين سنتي 1994 و2000، حزب اتحاد القوى المواطنة سنة 2001، كما أنشأ علي بلحاج، الذي تنقل بين حزبي الاتحاد الدستوري وحزب التقدم والاشتراكية لفترة معينة، حزب رابطة الحريات سنة 2002، لكن يبدو أن هذه التجربة لم تدم طويلا، حيث تم إدماج حزب علي بلحاج ضمن الأحزاب الصغرى التي شكلت الأرضية التي اعتمد عليها حزب الأصالة والمعاصرة في بداية تأسيسه.

وبذلك، فقد أصبح يسمى عهد محمد السادس بعصر رجال الأعمال المغاربة، حيث وصفتهم الباحثة الفرنسية ميريام كاتوس بأنهم “المدافعون الجدد عن العرش” في كتابها المعنون بـ :

le temps des entrepreneur? Politiques et transformations du capitalisme au Maroc.

ورغم شهر العسل الذي كانت تمر منه العلاقة بين الملكية ورجال الأعمال، إلا أنه نشب بينها وبين حكومة عبد الإله بن كيران صراع قوي في بداية مسار الحكومة، حيث ظهر صراع بينه وبين الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وكانت الشرارة الأولى التي أدت إلى اندلاع هذه الحرب، هي انتقاد لوبي رجال الأعمال لمشروع ميزانية 2013، والذي صادق عليه مجلس النواب، وهو القانون الذي رأت فيه نقابة رجال الأعمال، أنه أحدث ضرائب جديدة تؤثر سلبا على عوامل الإنتاج، وأنه لا يبعث على تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

الحكومة نزعت مؤقتا فتيل الحرب، باستجابتها لبعض التعديلات التي فرضها رجال الأعمال على ميزانية 2013، مثل تخفيض نسبة مساهمات الشركات في صندوق التضامن، ورفع سقف الأجور التي ستساهم في هذا الصندوق إلى ثلاثين ألف درهم بدل 25 ألف درهم، غير أن المتتبعين لاحظوا أن هذه أول مرة يعلن فيها اتحاد المقاولات معارضته العلنية للحكومة عكس مساندته طيلة العقود الماضية للحكومات السابقة، بما فيها حكومة التناوب التي ترأسها حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1998.

الحجوجي

هل يمكن أن يحصل صدام بين رجال الأعمال والملكية ؟

    تنعت الحكومة التي أفرزتها صناديق الاقتراع اليوم بحكومة رجال الأعمال، على اعتبار أن حزب التجمع الوطني للأحرار مشكل أساسا من رجال الأعمال حاليا، ورئيسه هو عزيز أخنوش، الذي عينه الملك رئيسا للحكومة هو رجل أعمال بارز، غير أن هناك بعض علماء الاجتماع والسياسة يذهبون إلى الاعتقاد بإمكانية حصول صدام بين الملكية ورجال الأعمال، على اعتبار أن الملكية فاعل اقتصادي، وقد أجرى الباحثان جواد النوحي وعمر الشرقاوي، حوارا مع الباحث في العلوم السياسية محمد مدني في مجلة “رباط الكتب” حول هذا الموضوع، ومما جاء في الحوار:

((سؤال: ارتباطا بعلاقة المؤسسة الملكية بالمحيط الاقتصادي، تدفع الباحثة الفرنسية ميريام كاتوس في أطروحتها “دخول المقاولين المغاربة للسياسة”، أن رجال الأعمال أصبحوا هم المدافعون عن العرش، وقد استوحت ذلك من الأطروحة التي قال بها ريمي لوفو، بكون الفلاح مثل تاريخيا المدافع عن العرش، غير أن هناك من يذهب إلى أن المنطق الاقتصادي، الذي تهيمن عليه المصلحة، قد يؤدي إلى تنازع بين المؤسسة الملكية والفاعلين الاقتصاديين، الذين قد يطالبون بشفافية أكثر في الصفقات العمومية وتقليص سلطات الملك في المجال الاقتصادي. في نظركم كيف تتحدد العلاقة بين المؤسسة الملكية والفاعلين الاقتصاديين؟ وكيف تنظر إلى أدوار النخبة الاقتصادية؟

الجواب: سؤال مركب جدا فيما يخص رجال الأعمال، أعتقد أن أول ملاحظة ينبغي التنبيه إليها، هو أنه يمكن تقسيم الطريقة التي ينظر بها إلى رجال الأعمال إلى فئتين: هناك رجال الأعمال الذين يبرزون في الصحافة، أي الذين تتحدث عنهم الصحافة، وهناك رجال الأعمال العاديين، ولفهم العلاقة بين المؤسسة الملكية ورجال الأعمال، ينبغي التذكير أكثر ببعض العناصر التي هي حالية وأخرى تاريخية.

تاريخيا، فسلطة المؤسسة الملكية تشكلت حول تواجد اجتماعي رئيسي تشكل مما يسمى بالنخب الفردية المحلية وبعض رجال الصناعة ونخب تكنوبيروقراطية، وهو التوازن الذي تأسس، واعتبر الباحثون أن في هذا التوازن كان للنخب القروية المحلية دور أساسي، وهذا جوهر أطروحة ريمي لوفو، ذلك أنه نظرا للتشكيلة الديموغرافية والاقتصادية للمغرب وغلبة المجتمع القروي، لم يكن المجتمع الحضري يشكل كتلة قوية… إلخ.

هذا التوازن عرف نوعا من التحولات مع المغربة ومع ظهور رجال أعمال استفادوا من تحولات داخلية وما عرفه الاقتصاد المحلي، وأيضا نتيجة لما عرفه الاقتصاد المغربي من تطورات في علاقته بالخارج، وخصوصا مع أوروبا. طبعا علاقة المؤسسة الملكية مع كل طرف من هذه الأطراف، سواء النخبة الإدارية التكنوقراطية أو مع النخبة العقارية والقروية أو نخبة رجال الأعمال، هو تعامل يخضع للتنافس ويخضع للتعاون.

يخضع للتعاون، لأن هناك مصالح مشتركة لرجال الأعمال والنخبة في سير النظام، ولكن مصالح الملكية لا تتطابق دائما مع كل فئة من هؤلاء، بحيث أنه في بعض الأحيان، وللحفاظ على التوازن العام الذي يتشكل من هذه الفئات، قد تحدث تناقضات مع هذا الطرف أو ذاك، وربما لحد الآن لم تظهر بشكل قوي تناقضات مع التكنوقراطية، ولكن قد تظهر وقد نلاحظها في بعض الأحيان حينما يتم تغليب التوجه الحزبي، نسمع هنا وهناك انتقادات لا يهتم بها الصحافيون بنفس القوة، ولكن عندما يصدر انتقاد من رجل أعمال تعطى لها أهمية باعتباره معبرا عن طبقة معينة، وهذا ليس دائما صحيحا، فرجال الأعمال لا يمثلون طبقة وهم يشكلون مجموعة من فئات لهم مصالح مختلفة، ولكن بشكل عام، هناك مصالح مشتركة وهناك توافقا بين المؤسسة الملكية ورجال الأعمال حول قضايا معينة، الشيء الذي لا ينفي وجود بعض الأصوات التي قد تكون داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب أو خارجه تعبر عن تصور مخالف أو من طرف الجهة التي قد تتضرر مصالحها، والتي طبعا قد تعالجها الدولة بشكل عنيف أو بشكل مرن، وربما هذه الوقائع هي التي تهتم بها الصحافة بشكل أساسي.

إذن، في تصوري، العلاقة يحكمها التعاون والتناقض والتوتر في بعض الأحيان)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى