تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل تنجح حكومة رجال الأعمال بعدما فشلت حكومة الإسلاميين ؟

"الخيار الليبرالي" والنموذج التنموي

أخطر فكرة يمكن أن تهدد المستقبل السياسي لرئيس الحكومة المكلف، عزيز أخنوش، هي “جمعه بين المال والسياسة”، لذلك، فإن أول قرار اتخذه قبل أن يشرع في تشكيل الأغلبية، وقبل كل المشاورات، هو “الانسحاب من تسيير الهولدينغ العائلي”، حيث كتبت الصحافة: ((قرر عزيز أخنوش الشروع في مسطرة الانسحاب التام من جميع مناصب التسيير داخل الهولدينغ العائلي.. وفي إطار نفس دينامية الانسحاب، قرر عزيز أخنوش الانسحاب بشكل كلي من جميع الأنشطة، بما فيها تلك المتعلقة حصريا باقتناء مساهمات في الرأسمال وتسيير القيم المنقولة، وذلك رغم غياب أي مانع قانوني.. وقد اتخذ عزيز أخنوش قرار التخلي عن جميع أنشطة التسيير في القطاع الخاص رغم كون القانون يسمح بذلك، متفرغا بشكل كامل للمسؤوليات الجديدة التي كلفه بها جلالة الملك)) (المصدر: الأحداث المغربية، الثلاثاء 14 شتنبر 2021).

إعداد : سعيد الريحاني

تتمة المقال بعد الإعلان

    لقد دار الزمان دورته، ليصبح رئيس حزب الأحرار القادم من الحركة الشعبية، رئيسا للحكومة، بينما لازال امحند العنصر أمينا عاما، ولو بقي في الحركة لانتهى به المطاف مطرودا أو مغضوبا عليه من طرف القيادة.. وها هو أخنوش اليوم مكلف بتشكيل الحكومة، وتطارده آمال كبيرة ومشاكل كثيرة، ليس بصفته السياسية فقط، ولكن لكونه “رجل أعمال” اختار ممارسة السياسة، والقاعدة تقول أن السياسة تأكل المال(…).

وإذا كان عزيز أخنوش قد اختار حماية نفسه، وحماية الهولدينغ العائلي، بالابتعاد عن ممارسة أعماله، فإن كثيرا من المنتسبين لحزبه، وعدد كبير منهم يندرج في خانة رجال الأعمال، لم يحد أي واحد منهم حدو أخنوش، بمن فيهم صاحب “1000 مليار”، وصاحب الملايير الذي تطارده الملفات الضريبية الضخمة(…).

تتمة المقال بعد الإعلان

أخنوش ومن معه، ليس سوى عنوانا للاختيار الإيديولوجي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وهو “الاختيار الليبرالي”، وقد لاحظ المتتبعون كيف أن حزب الأحرار ردد دوما خلال السنوات الأخيرة أنه يتبنى خيار “الليبرالية الاجتماعية”.. فهل يفهم الذين صوتوا على حزب الأحرار، والأحزاب التي تسعى للتحالف معه، معنى “الليبرالية” أولا؟

تكفي العودة إلى محركات البحث، ليأخذ المواطن فكرة عن الليبرالية، وهي: ((فلسفة سياسية، أو رأي سائد، تأسست على أفكار الحرية والمساواة، وتشدد الليبرالية الكلاسيكية على الحرية، في حين أن المبدأ الثاني وهو المساواة، يتجلى بشكل أكثر وضوحا في الليبرالية الاجتماعية. يتبنى الليبراليون مجموعة واسعة من الآراء تبعا لفهمهم لهذين المبدأين، ولكن يدعم الليبراليون بصفة عامة أفكارا مثل حرية التعبير، وحرية الصحافة، والحرية الدينية، والسوق الحرة، والحقوق المدنية، والمجتمعات الديمقراطية، والحكومات العلمانية.. بدأت الليبرالية بالانتشار بسرعة خاصة بعد الثورة الفرنسية، وقد شهد القرن التاسع عشر تأسيس حكومات ليبرالية في دول أوروبا، وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، وفي هذه الفترة، كان الخصم الإيديولوجي المهيمن لليبرالية الكلاسيكية، هو المُحافظة، ومع ذلك نجت الليبرالية من تحديات إيديولوجية كبرى من معارضين جدد مثل الفاشية والشيوعية)) (المصدر: وكالات).

الكلام عن الليبرالية بهذه الطريقة قد لا يقود للفهم الصحيح، حيث لا يعقل أن يعود كل المواطنين لفصول الدراسة من أجل فهم المقصود بـ”الليبرالية” التي وصفت غالبا بـ”المتوحشة”، ولكن يمكن العودة لكلام قياديين في حزب الأحرار لمعرفة المعنى التقريبي، حيث يعترف وزير العدل السابق، محمد أوجار، بخطورة “الاختيار الليبرالي” في ارتباطه بمرحلة معينة عندما قال: ((إن مشكلة الليبرالية التي عانى بسببها العالم في القرن العشرين، باعتبارها كانت تتعلق دائما بالليبرالية الاقتصادية المتوحشة والتي تعني التحرر الكامل للاقتصاد وهيمنة منطق السوق والربح على حساب العدالة الاجتماعية، وإيقاف دور الدولة في المجتمع وتحويل الخدمات الصحية والتعليمية إلى القطاع الخاص ونظام السوق، مع ما ترتب عن ذلك من أوضاع وأزمات اجتماعية كارثية)).

زعماء الأحزاب المشاركين في مشاورات تشكيل الحكومة

فما هو الحل إذن؟ الحل حسب أوجار، هو “الديمقراطية الاجتماعية”، أي “الليبرالية الاجتماعية”، وهو ما يعني حسب نفس المصدر: ((إن الديمقراطية الاجتماعية تعتمد على الإصلاح التدريجي للنظام الاقتصادي للدولة، بإدخال مفاهيم العدالة الاجتماعية ودمجها مع الليبرالية السياسية المعتمدة على الحريات وحقوق الإنسان، وتنظيم الحرية الاقتصادية والمبادرة الفردية بما لا يتعارض مع مصالح المجتمع، لأن المجتمعات التي أطلقت العنان للحرية الاقتصادية بدون ضوابط قانونية، عرفت أزمات اجتماعية، فما يحدث الآن في عدد من دول العالم من اضطرابات اجتماعية وحركات احتجاجية، سببه هيمنة الليبرالية المتوحشة على السياسة الاقتصادية دون أن تترك مجالا للديمقراطية الاجتماعية: المساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي والحماية الاجتماعية)) (المصدر: موقع العمق / 27 ماي 2019).

بالنسبة لقيادي مثل محمد أوجار، فإن “الديمقراطية الاجتماعية” وهي مرادف عنده لما يمكن أن يسمى “الليبرالية الاجتماعية”، فهي توجد في قلب “التوجيهات الملكية” والخيارات الدستورية للمملكة، حيث يقول: ((يعتبر ترسيخ الديمقراطية، ودعم الحقوق والحريات، من أساسيات مشروع المجتمع الديمقراطي والمتضامن الذي يتبناه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، حيث سجل المغرب تقدما كبيرا في هذا الشأن خلال السنوات الأخيرة. فقد نص الدستور المغربي لعام 2011، على أن نظام الحكم في المغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية، كما يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، كما أدرك المغرب الأهمية المركزية للعدالة الاجتماعية والمجالية في ترسيخ الديمقراطية ودولة القانون، فعمل على التنصيص عليها في الدستور حتى تكون هدفا ملزما للجميع وأفقا التقائيا للسياسات العمومية، إدراكا منه لضرورة إعطاء الديمقراطية مضمونها وبعدها الاجتماعيين والمجاليين، واستيعابا للأجيال الجديدة لحقوق الإنسان، وفي هذا الإطار، نسجل بارتياح كبير الملامح الكبرى الأساسية التي وردت في خطاب جلالة الملك خلال افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان بتاريخ 13 أكتوبر 2017، والتي تتجسد في السعي إلى إقرار نموذج تنموي متوازن ومنصف قادر على ضمان العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية من خلال الحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية.

محمد أوجار

تجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، صادق خلال اجتماع له بتاريخ 17 فبراير 2018 بمدينة الدار البيضاء، على مشروع أرضية وهوية الحزب، ومشروع العرض السياسي المتعلق بالنموذج التنموي الجديد للمغرب)).

من حيث الشكل، يمكن القول إن ما يدعو إليه رفقاء عزيز أخنوش، في إطار ما يسمونه “مسار الثقة”، يبدو حلا مقنعا للجميع، لكن المنهج الليبرالي بات اليوم معرضا للانتقاد عبر العالم، بما في ذلك نموذج “الليبرالية الأمريكية” من خلال عدة كتب، منها على سبيل المثال كتاب: “الوهم الأعظم: الأحلام الليبرالية والواقع الدولي” لمؤلفه الفيلسوف السياسي، جون ميرشايمر، هذا الأخير يبين في مقدمة كتابه أن ما يسميه بـ”الليبرالية المستحكمة، كسياسة خارجية أمريكية كان محكوم عليها بالفشل، وذلك منذ عام 1989″، ولفهم هذا الفشل الذريع بالسياسة الخارجية الأمريكية الليبرالية، يقترح الكاتب فهم العلاقة الثلاثية بين الليبرالية والقومية والواقعية.. فمثلا ((إذا ما تعارضت القومية مع الليبرالية، فإن القومية تنتصر دوما، فعندما حاولت أمريكا احتلال العراق لنشر القيم الليبرالية، فإن العراقيين يعرفون أنفسهم على أنهم عراقيون أولا حتى لو كانوا ليبراليين. الليبرالية وبحسب الكاتب، لم تكن لا واقعية ولا تمتلك فهما عميقا لمفهوم القومية عند الشعوب التي كانت تريد أن تنشر الليبرالية فيها، وفي الفصل الأول، “الحلم المستحيل”، يوضح ميرشايمر كيف أن “الليبرالية المستحكمة” لن تحقق أهدافها بنشر الديمقراطية والاستقرار والسلام والانفتاح الاقتصادي في العالم، بل توجهاتها سوف تؤدي إلى مزيد من الحروب والصراعات التي لا تنتهي، كما أن الحروب والإرهاب على المستوى الدولي ازداد انتشارا، حتى أن السياسات الليبرالية أدت إلى تقييد القيم الليبرالية داخل البلدات الليبرالية، لذا ـ وبحسب الكاتب ـ فإن نشر الليبرالية بالخارج يؤدي إلى تقويض القيم الليبرالية والحريات بالعالم وحتى في أمريكا)) (المصدر: ملخص عن موقع “العربي 21”).

إلى حدود اليوم، لازالت القراءات السياسية تراوح مكانها، بسبب التركيز على نتائج انتخابات 8 شتنبر، كما أن تهافت جل الأحزاب السياسية على المشاركة، غيب كل حديث عن المرجعيات، وكل الزعماء الحزبيين الآن يتحدثون وبعضهم “يتملقون” للحصول على بعض الحقائب الوزارية، بينما يجب أن يكون النقاش منصبا حول “المرجعية السياسية للحكومة”، والعلاقة مع “رجال الأعمال” الذين سيقودونها، وجدوى “الاختيار الليبرالي”.

المصطفى كرين

ويبقى أقوى تعليق على نتائج الانتخابات الأخيرة، هو ذلك الصادر عن رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، الذي قال: ((سواء كان ذلك مرتبا أم عفويا، فإن الانتخابات الأخيرة أسفرت عن انتصار صفوف التوجه الليبرالي في الحكم، ومن غريب الصدف، أن هذا التوجه هو بالضبط الآلية التي كان لا بد للمغرب منها حتى يقوم بتنزيل نموذجه التنموي الجديد، وكأن نتائج الانتخابات قد “فُصلت” على قياس هذا النموذج التنموي، إلا أن انتصار هذا الخيار، وبهذا الحجم الساحق، يحمل في طياته هزيمة كبرى، لأنه يُدخل المغرب في سياق أحادية قطبية لصالح الفكرة الليبرالية، علما – للأسف – أن كل هذا يأتي في وقت أصبحت فيه الليبرالية ذاتها وبشكل عالمي، موضع تساؤل وانتقاد كبيرين، يقول باتريك دينين في كتابه “لماذا فشلت الليبرالية؟” ما يلي: “إن الليبرالية اليوم لم تعد في حاجة إلى الإصلاح، بل غدت في حاجة للإحالة على التقاعد”، ولم تعد صالحة لقيادة العالم، ويعود هذا الاستنتاج، لكون النظام الليبرالي، الذي كان يفترض فيه تحقيق الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي، انتهى إلى عكس ما جاء من أجله، وتسبب في خلق فوارق اجتماعية هائلة، وأنتج العديد من مظاهر الفقر والتخلف والاستبداد والحروب، وأدى إلى تفكيك دول وأنظمة، وأسفر عن تفتيت كل البنى والدعامات التي كانت تستند عليها المجتمعات من أسرة وعلاقات اجتماعية مختلفة، ومن هذا المنطلق، يجدر بنا التعامل مع ما انتهت إليه الانتخابات الحالية ببلادنا بالكثير من الانتباه والحرص، والعمل على أن تكون النسخة المغربية من “الليبرالية” ذات حمولة اجتماعية أثقل وأشمل، والحرص على الحد من انفلات الحكومة وغرورها فيما يتعلق بالتشريع والتنفيذ، وبعيدا عن الشعارات والدعاية، أتوقع تفاقم الوضع الاجتماعي ما لم يتم تلقيح عمل هذه الحكومة بمبادئ ذات نفحة اشتراكية، وهو ما لا يمكن حدوثه من طرف حكومة الباطرونا، ومن جهة أخرى، أتوقع، ولا أتمنى، فشل الحكومة المقبلة في تحقيق مساعي العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، نظرا لافتقادها لعامل هام جدا ومحوري، وهو استقلالية القرار، فالليبرالية لا يمكنها أن تقدم لنا سوى ما قدمته في بلدان أخرى، ذلك أن من أهم آفات الليبرالية، هو أنها تجعلك في موقع التابع لصاحب الرأسمال الأقوى، وهو ما يعني بالنسبة للمغرب تبعية اقتصادية وسياسية لدول المحور، وأساسا أمريكا وأوروبا عموما وفرنسا على الخصوص، حيث لا يبدو لي أن تحقيق الرفاهية والحرية بالمغرب تعتبران من أولويات هذه الدول، وعليه، لا أنصح بالمراهنة على أي منهما.. وبناء على هذه المعطيات، أتوقع أن يصبح الاقتصاد المغربي في المستقبل القريب – للأسف الشديد – أقل استقلالية وأكثر تبعية، كما أتوقع ارتفاعا للضرائب على المواطنين والشركات، وارتفاعا غير مسبوق للمديونية بما يجعل بلادنا غير قادرة في المستقبل القريب على اتخاذ قرارات سيادية كبرى، أو عقد تحالفات غير تلك التي تربطنا بالدائنين، وأعني هنا تكبيل يد المغرب والحجر عليه فيما يتعلق بالتحالف مستقبلا مع دول مثل الصين أو روسيا أو تركيا أو غيرها.. بعبارة أخرى، يعتبر انتصار التيار الليبرالي وسيلة بيد القوى المذكورة لإعادة إحكام السيطرة على المغرب الذي بدأ يبدي بعض التمرد مؤخرا، ولذلك لا نستغرب الفرح العارم الذي انتاب كلا من أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص، وكذلك أمريكا بعد هذه النتائج، بل إن الفرنسيين كانوا جزء من حملة التيار الليبرالي الانتخابية كما جاء على لسان مانويل فالس، والمطلوب اليوم إذن، ليس أن يتحول الجميع إلى مزغردين ومطبلين للمجهول وكأننا أمام نهاية التاريخ بالمفهوم الفوكويامي، فليس هناك ما يدعو الحبور حقا، بل يجب، في سياق البحث المستمر عن الذات، العمل على بناء بديل سياسي واقتصادي حقيقي وبسرعة كبيرة من أجل التوفر على الخيار في المدى المتوسط، ولا أرى هنا، عوض الهجرة الجماعية نحو اليمين الليبرالي، غير تعزيز صفوف وجاذبية اليسار أساسا وصفوف الديمقراطية الاجتماعية بشكل عام)) (المصدر: مقتطف من تعليق الدكتور المصطفى كرين على نتائج الانتخابات تحت عنوان: الانتخابات العامة.. النموذج التنموي والخيار الليبرالي).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى