ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | لماذا يعتبر أمن واستقرار الجزائر جزء من أمن واستقرار المغرب ؟

التاريخ يعيد نفسه..

بعد أشهر من التصعيد الكلامي بين البلدين، أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية، مبررة ذلك بما أسمته “الأعمال العدائية” للمملكة، وبسبب “خلافات عميقة بين البلدين”، لكن وزير الخارجية الجزائري الذي أعلن القرار، استدرك بالقول: إن “قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني أن يتضرر المواطنون الجزائريون والمغاربة، لأن القنصليات ستباشر عملها بصفة طبيعية”.

ويعتبر هذا الحدث، علامة فارقة في درجة سوء العلاقات بين الجزائر والمغرب، لكنه ليس منفصلا، فهناك تاريخ من التوتر بين البلدين يمكن إعادة توثيقه منذ عام 1963 (أي بعد سنة واحدة من استقلال الجزائر)، حيث تحول خلاف حدودي إلى مواجهة عسكرية بين الدولتين، غير أن ما أثار الانتباه، هو أنه قبل التصعيد الأخير بين البلدين، الذي بدأ فعليا باعتراف الرئيس الأمريكي،المنتهية ولايته، دونالد ترامب، بسيادة المغرب على كامل صحرائه، كان هناك حديث قوي جدا عن وجود مؤامرات تستهدف تقسيم البلدان العربية، إذ لم يتوقف الأمر عند ما تداولته بعض المنابر الصحفية، بل إن التأكيد جاء من مسئولين كبار في البلدين، فبينما ظل المغرب يحذر من وجود مؤامرات خارجية تستهدف البلدان العربية منذ سنة 2016، سارت الجزائر على نفس المنوال، وأكدت الأمر، إلا أن الاختلاف الحاصليكمن في تاريخ إطلاق الجزائر لهذه التصريحات، التي بدأت مع إعلان المغرب تطبيع علاقاته مع إسرائيل، وكذلك اتهام المغرب بكونه يسعى لاستهداف أمن الجزائر الداخلي.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي ظل الحديث عن هذا الموضوع، تطل علينا عبارة للملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، حيث قال جلالته: ((نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها وطمأنينة شعبها من أمن المغرب واستقراره)).. فأين تكمن الحقيقة، هل في قول الجزائريين الذين يلحون على أن المغرب يستهدف أمنهم الداخلي، أم المغرب الذي يقول بأن استقرار وأمن الجزائر من أمنه القومي؟ لذلك ليس أمامنا إلا قراءة تاريخ العلاقات بين البلدين، الذي يظهر أن المغرب كان دائما سباقا للحفاظ على أمن الجزائر، وكان يعتبر أمن الجزائر واستقرارها من الأمن القومي المغربي.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

هكذا كان الملك الحسن الثاني يعتبر أمن واستقرار الجزائر من الأمن القومي المغربي

    التاريخ يعيد نفسه ولو بطرق مختلفة، دون أن تكون نفس الظروف ونفس الأوضاع، فقد ظلت مسألة استقرار الوضع في الجزائر من الأمن القومي المغربي منذ الأزمنة الغابرة، وظل الأمر كذلك بعد استقلال البلدين رغم توتر العلاقات بينهما.

غير أن ما يستوقف الباحث من خلال التنقيب والبحث في الأرشيف الأمريكي، وخصوصا الملفات الخاصة بالعلاقات المغربية الجزائرية، هو وجود بعض الوثائق التي تقدم الدليل القاطع بأن المغرب ظل حريصا على اعتبار استقرار الجزائر مسألة حيوية بالنسبة إليه، ويعتبر ذلك مسألة أمن قومي للمملكة، ومن هذا المنطلق، يمكن استعراض حادثة تاريخية تعود لسنة 1969، وهي سنة مهمة ولها مكانتها الخاصة في تاريخ شمال إفريقيا والمغرب الكبير، فقد دشنت هذه السنة باتفاقية “إفران” الموقعة بين المغرب والجزائر في شهر يناير، وهي الاتفاقية التي كانت إيذانا بإنهاء الخلافات بين البلدين، والتي ظلت قائمة منذ حرب “الرمال” سنة 1963.

كما كانت نهاية السنة بحدث اعتبر مهددا لاستقرار المنطقة، وهو الانقلاب الذي قاده العقيد الشاب معمر القذافي في ليبيا ضد الملك إدريس السنوسي،فقد كان أول ما فعله العقيد معمر القذافي عقب الانقلاب، دعوته الرئيس المصري جمال عبد الناصر لزيارة أرض الفاتح العظيم كما كان يطلق عليها القذافي، وقد لبى عبد الناصر الدعوة، واحتشدت الجماهير الليبية لاستقباله، وأصر العقيد القذافي أن يخطب عبد الناصر في الجماهير من شرفة قصر ولي العهد الليبي، الأمير رضا إدريس السنوسي.

عبد الناصر رفقة القذافي

أمام هذه التحولات السريعة، رأى الملك الحسن الثاني أن ذلك من شأنه أن يهدد استقرار الجزائر، والتي كانت تعتبر مسألة أمن قومي مغربي،وتبين وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية كيف تعامل الملك الحسن الثاني مع التحول الجديد نتيجة تحالف مصر وليبيا، وكيف أنه تأثر به واستشعر خطره بعد شهر واحد من الانقلاب فقط ليس أكثر، وكذلك الخطة التي وضعها لمواجهة هذا التحول، والوثيقة عبارة عن مذكرة رفعها المستشار الأمريكي لشؤون الأمن القومي هنري كيسنجر (1969-1970) إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (1969-1974)، وهي مؤرخة بتاريخ 7 يناير 1970، رفع عنها طابع السرية بتاريخ 6 دجنبر 2007، وعنوانها “رسالة من الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الأمريكي”.

الوثيقة تقدم قراءة في رسالة سرية ومهمة أرسلها الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الأمريكي، وما يدل على أهميتها، أنأحد أقرب المقربين من الملك الحسن الثاني (لا تذكر الوثيقة اسمه) هو من طلب من السفير الأمريكي في الرباط، بعد نهاية مهامه، أن ينقل هذه الرسالة إلى الرئيس الأمريكي، وتشير الوثيقة إلى أن ما جعل الملك يكلف السفير الأمريكي بالرباط المنتهية صلاحيته، ليقوم بنفسه بنقل هذه الرسالة، هو أنه لما كان في المغرب، كان مقربا من الملك الحسن الثاني، وكانت تربطه به علاقة خاصة، كما أن ما تحمله هذه الرسالة السرية، أن الحسن الثاني كان يريد من الرئيس الأمريكي أن يدرك أن الملك يشعر بقلق عميق وكبير إزاء الأخطار التي أصبحت تهدد دول المغرب العربي، والنابعة أساسا، حسب الملك، من الوضع الإقليمي الجديد، المتمثل في النظام العسكري الراديكالي الجديد الذي قام في ليبيا بزعامة العقيد معمر القذافي، وقال الحسن الثاني بصريح العبارة أنه يشعر بأن ((قدرات عبد الناصر “التخريبية” قد تطورت وتضخمت بشكل كبير، وذلك بفعل الموارد المالية المهمة التي صار يحصل عليها من النظام الليبي الجديد)).

وحسب الملك الحسن الثاني،فإن الزعيم العسكري الجديد لليبيا، شاب فاقد للخبرة والتجربة، وهو يمثل “رجلا من القش” بالنسبة لجمال عبد الناصر، الذي أدخل القوات المصرية إلى ليبيا بهدف حمايته من أي ثورة محتملة ضده.

وقد كان من نتائج هذا الوضع الجديد الذي خلق تحالفا جديدا أفزع باقي الأنظمة في شمال إفريقيا، أن الحسن الثاني، حسب الوثيقة دائما، أصبح يرى أن الخطوة المقبلة للرئيس المصري جمال عبد الناصر، ستكون هي القضاء على الرئيس الجزائري هواري بومدين، من خلال تشجيع قوى تنظم الانقلاب عليه، ويعود سبب تفكير عبد الناصر في هذا الأمر،دائما حسب الحسن الثاني، إلى كون بومدين كان رافضا لزعامة مصر للعالم العربي،وبالتالي،فإن عبد الناصر سيشجع أو سيختار شخصا من الجزائر يكون أكثر استعدادا لقبول قيادة عبد الناصر للعالم العربي.

وحسب الحسن الثاني، فإن ((القضاء على بومدين من شأنه أن يزيد إلى حد كبير في قدرة كل من عبد الناصر والاتحاد السوفياتي على التدخل في شمال إفريقيا، وبالتالي، على قلب النظام في تونس والمغرب)).

كما تشير الوثيقة إلى أن الملك كان يرغب في أن تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام كل ما في استطاعتها من نفوذ، لمنع مخططات جمال عبد الناصر والاتحاد السوفياتي من التنفيذ في بلدان المغرب العربي بنجاح، كما أكد أنه يشعر بأنه إذا لم تعط الولايات الأمريكية اهتماما إيجابيا وكبيرا بخصوص هذا التحول وتبعاته، فسيكون هناك خطر كبير وحقيقي،يكمن في أن الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط بأكمله،​​ انطلاقا من الجمهورية العربية المتحدة(مصر وسوريا) إلى المغرب، من المرجح أن يخضع ​​للهيمنة الشيوعية.

وجاء في الوثيقة السرية أيضا، أن الملك الحسن الثاني قلق كثيرا بعد الانقلاب في ليبيا، وحسب صاحب الرسالة،فإن هذا القلق طبيعي، حيث ساهم التأثير المتنامي لمصر الناصرية في ليبيا، إلى مزيد من التحريض ضد نظام الحسن الثاني، على الرغم من عدم وجود تهديد فوري ومباشر لعرشه، كما أن اصطفاف المغرب وتونس والجزائر ضد مطالب عبد الناصر في القمة العربية المقامة في تلك الفترة، وتأثير اعتدال الحسن الثاني خلال مجريات تلك القمة، قد يكون ساهم في جعل المغرب على رأس قائمة الدول التي يرغب جمال عبد الناصر في الانتقام منها.

وجاء ضمن نفس الوثيقة، أن هناك قضية مثيرة للاهتمام، تتعلقبانطباع الملك الحسن الثانيحول الرئيس عبد الناصر خلال القمة العربية،والذي رأى الملك أنه يرغب في إبرام اتفاق مع إسرائيل، ولكن مخاوف الإطاحة به هي التي أثنته عن فعل ذلك، كما تشير الوثيقة إلى أن الملك يشعر بأن الفلسطينيين، وليس عبد الناصر، هم المفتاح لتسوية النزاع،ليختم التقرير بالإشارة إلى الحاجة لمراجعة منهجية للوضع في شمال إفريقيا.

وهكذا فطن الحسن الثاني إلى أهمية هذا التحول الذي جرى على المستوى الإقليمي وتأثيراته في المستقبل، وبالفعل، فقد كانت تخميناته صحيحة، حيث لم تكد تمر سنة حتى حصلت محاولة انقلابية في صيف 1971، تبعتها أخرى في صيف 1972.

أما الرئيس الجزائريهواري بومدين، الذي اعتبر الملك الحسن الثاني أن الحفاظ عليه ودعمه ضرورة ملحة ومن الأمن القومي المغربي، فقد رد الدين للحسن الثاني، ولكن بطريقة أخرى، حيث دعم محاولة تسلل الكوموندو الذي حاول قلب النظام المغربي انطلاقا من الجزائر سنة 1973، ثم ذهب إلى أبعد من ذلك، عندما أسس جبهة البوليساريو.

عندما حذر الملك محمد السادس من وجود مخططات لتقسيم البلدان العربية

    كثر الحديث مؤخرا في العديد من الدول العربية، عن وجود مخططات خارجية تستهدف استقرارها وأمنها الداخلي، وكان المغرب أول من كشف هذا المخطط ودعا إلى التصدي له، فقد عبر الملك محمد السادس عن ذلك بوضوح خلال القمة المغربية الخليجية التي جرت فعالياتها يوم 20 أبريل 2016 بعاصمة المملكة العربية السعودية الرياض، فمن جملة ما قاله في الخطاب الذي ألقاه بهذه المناسبة: ((..ولكن، لماذا هذه القمة الأولى من نوعها، ولماذا اليوم؟ إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة، فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا، مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي.

فبعدما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز)).

كما نبه الملك محمد السادس ضمن نفس الخطاب، إلى وجود دول عربية تقوم بتحالفات لا تخدم الأمة العربية، وعبر عن ذلك بالقول:((إننا نحترم سيادة الدول، ونحترم توجهاتها في إقامة وتطوير علاقاتها مع من تريد من الشركاء،ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على اختياراتنا السياسية والاقتصادية،غير أن هناك تحالفات جديدة قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة، وهي في الحقيقة محاولات لإشعال الفتنة، وخلق فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد، وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي))، وأضاف في خطابه الجريء: ((إن الوضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف..فماذا يريدون منا؟إننا أمام مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجماعي، فالأمر واضح ولا يحتاج إلى تحليل.. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرارها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية،وأقصد هنا دول الخليج العربي والمغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها)).

تحامل جزائري وتحذير مغربي من محاولات تقسيم البلدان العربية

    مع تغير الظروف والمعطيات، وبروز تحالفات وتوازنات دولية جديدة، كان أبرزها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وتطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل، عاد الحديث مجددا عن وجود مخططات لزعزعة استقرار المنطقة، وهذه المرة من طرف الجارة الشرقية الجزائر، التي اعتبرت الخاسر الأكبر من القرار الأمريكي.

وفور الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على كامل ترابه الصحراوي، خرج رئيس الوزراء الجزائري،عبد العزيز جراد، يوم 12 دجنبر 2020، في أول رد فعل رسمي حيال الوضع، خلال مؤتمر لإحياء الذكرى الستين للمظاهرات الوطنية الجزائرية خلال حرب الاستقلال (1954-1962)، (خرج) بتصريحات أكد من خلالها وجود “عمليات أجنبية” تستهدف زعزعة الاستقرار، في إشارة منه إلى إسرائيل، وقال نفس المتحدث:((إن هناك تحديات تحيط بالبلاد))، مشيرا إلى وجود ((تهديدات على حدود البلاد التي وصل إليها الكيان الصهيوني)). وتحدث جراد عن ((وجود عمليات أجنبية تريد ضرب استقرار البلاد))، مشيرا إلى((وجود دلائل مرتبطة بما يحدث على كل حدودنا))، في إشارة منه إلى التطبيع في العلاقات بين البلدين.

لم يكن رئيس الوزراء الجزائري، هو المسؤول الوحيد الذي حذر من وجود خطر استهداف بلاده، ولو أن الأمر كان كرد فعل على تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، فبعده بشهرين فقط، حذر ناصر بوريطة وزير الخارجية المغربي، يوم 8 فبراير 2021، في كلمة أمام الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، من المخاطر الداخلية والخارجية التي تستهدف تقسيم البلدان العربية، داعيا إلى استنهاض الهمم لمواجهة هذه المخططاتالساعية لتقسيم البلدان العربية، حيث قال خلال الاجتماع الذي عقد عبر تقنية الفيديو:((وفق رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس للعمل العربي المشترك، والتي تستند إلى أهمية التحليل الموضوعي المتجرد للواقع العربي، فإنه يتعين التنبيه إلى المخاطر الداخلية والخارجية التي تستهدف تقسيم البلدان العربية، وذلك لاستنهاض الهمم لمواجهة تلك المخططات بغية استرجاع سلطة القرار العربي، ورسم معالم مستقبل يستجيب لطموحات شعوبنا في التنمية، ويليق بالمكانة الحضارية لأمتنا العربية في ظل الاحترام الكامل للوحدة الترابية والسيادة الوطنية للدول العربية)).

ومما زاد من حدة التوترات المباشرة بين البلدين، استمرار الجزائر في معاكسة المغرب في القضية الوطنية، الأمر الذي جعل السفير المغربي في الأمم المتحدة، عمر هلال، خلال اجتماع دول عدم الانحياز يومي 13 و14 يوليوز الماضي، يدعو إلى استقلال “شعب القبائل” في الجزائر، ووزع خريطة الجزائر خلال نفس الاجتماع مبتورة من منطقة القبائل، الأمر الذي جعل هذه الأخيرة تقوم باستدعاء سفيرها بالمغرب للتشاور، يوم 18 يوليوز 2021.

جانب من الحرائق الأخيرة بالجزائر

وهكذا، فقد استمر الجمود في العلاقات بين البلدين دون أن يعود السفير الجزائري إلى المغرب، إلى أن جاء الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، الذي خصص في الواقع حيزا كبيرا منه للدعوة إلى فتح الحدود بين البلدين وطي صفحة الماضي، وأكد أن استقرار الجزائر مسألة استراتيجية بالنسبة للمغرب، بل إنها من أمنه القومي، حيث قال في هذا الصدد: ((وأنا أؤكد هنا لأشقائنا في الجزائر، أن الشر والمشاكل لن تأتيكم أبدا من المغرب، كما لن يأتيكم منه أي خطر أو تهديد، لأن ما يمسكم يمسنا وما يصيبكم يضرنا، لذلك، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها وطمأنينة شعبها من أمن المغرب واستقراره والعكس صحيح، فما يمس المغرب سيؤثر أيضا على الجزائر، لأنهما كالجسد الواحد))، فكان جواب الجزائر على المبادرة الملكية، يوم 18 غشت المنصرم، عندما أعلنت عن “مراجعة علاقاتها مع المغرب”، متهمة الجارة الغربية بالتورط في الحرائق المميتة التي اجتاحت شمال البلاد، ثم أعلن وزير الخارجية الجزائري، يوم 24 من نفس الشهر، عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب على خلفية ما أسماه “الأعمال العدائية من طرف المغرب”.

وقد علق الأستاذ في كلية الإعلام والعلوم السياسية بجامعة الجزائر، حسين دوحاجي، في حديث مع “العربي الجديد” على الإجراء الجزائري بالقول: ((لا أتوقع أن تتجه الأمور نحو مزيد من التأزيم، خصوصا في ظل مهادنة المغرب وعدم اتخاذه خطوات تصعيدية كرد على قرار الجزائر))، وأضاف: ((أعتقد أنها مجرد سحابة صيف عابرة، هدفها التنفيس على الجبهة الداخلية بالنسبة للجزائر، لا سيما في ظل صيف ساخن جدا جراء كارثة الحرائق ووباء “كورونا” ومخلفاتهما داخليا))، ولفت دوحاجي إلى أن ((العلاقات المغربية الجزائرية تتميز،منذ عقود، بالفتور والتوتر في بعض الفترات، وبما أن حجم المبادلات بين البلدين ليس قويا، فلا أثر يكاد يذكر من الأساس لقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين))، وقال: ((أتوقع أن تنشط الدبلوماسية العربية في اتجاه إعادة ترميم العلاقات بين الجارين الشقيقين، خصوصا في المنطقة المغاربية، وبالتحديد من قبل تونس وليبيا، اللتين تربطهما علاقات توصف بالمتينة مع الجزائر، كما أتوقع دورا مهما في القضية للدبلوماسية التركية، لعدة اعتبارات)).

مع ذلك،يلاحظ أن محاولات التقارب بين الدولتين كانت تأتي في الغالب من جانب الرباط، وكان أول لقاء قمة بين البلدين عام 2005، حيث زار الملك المغربي محمد السادس الجزائر، كما زارها سعد الدين العثماني عام 2012، وكان وقتها وزيرا للخارجية، وتبعتها في العام نفسه، زيارة مصطفى الخلفي، الناطق باسم الحكومة المغربية، وفي عام 2015، دعا الملك المغربي الرئيس الجزائري حينها، عبد العزيز بوتفليقة((للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى تطلعات الشعبين))، غير أن التوتر عاد مجددا للعلاقات بين البلدين الجارين.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى