تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل سيُعز حزب العدالة والتنمية أم يهان عند امتحان الانتخابات ؟

من بن كيران إلى العثماني..

خلال اجتماع المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، الذي انعقد خلال شهر أبريل 2012، قال رئيس الحكومة الجديد (وقتها) عبد الإله بن كيران، الذي كان محفوفا بحب الحشود: ((لا خلاف لي مع الهمة، والمؤسسة الملكية عمود البلاد))، وكان المغرب وقتها يعيش، على غرار بلدان أخرى، تداعيات ما سمي إعلاميا بـ”الربيع العربي”، وقتها ((طلب بن كيران من أعضاء حزبه الاجتهاد والانتباه أكثر من ذي قبل، وأن يكونوا في مستوى المرحلة الانتقالية التي يعيشها الحزب، بمروره من المعارضة إلى تدبير الشأن العام، مشددا على ضرورة تقدير واستيعاب كونهم ينتمون إلى حزب هو الحزب الأول في البلاد، مشددا في ذات الوقت على وزراء الحزب، بأن يضعوا نصب أعينهم، أن الغاية من الاستوزار هي خدمة الشعب ورضى الله، وليس تحقيق المكاسب الشخصية، مضيفا بالدارجة: اللي بدا لي أن المسؤوليات ليس فيها لا الملايير، ولا حتى الملايين، إلا إذا مد المسؤول يده إلى ملك الغير والمال العام)) (المصدر: المساء / عدد 27 فبراير 2012).

إعداد : سعيد الريحاني

تتمة المقال بعد الإعلان

    تحذير بن كيران للوزراء من خطورة الاغتناء، كانت توازيه تصرفات وزراء العدالة والتنمية الذين كانوا وقتها وزراء جدد، ولم يكن يحلم أغلبهم بدخول بوابة القصر الملكي، بل إنهم كانوا يركبون السيارات الاقتصادية والقطار في بداية مشوارهم، وها هو واحد منهم يحكي وقتها عن المعاناة، المستوزر الجديد وقتها، عبد العزيز الرباح: ((أنا أعيش حياتي كما كنت أعيشها دائما، أنا كنت وسأبقى شخصا متوسطا، لأنني ألتزم بالتوسط في كل شيء، أرفض التبذير لأنه حرام وغير مقبول في ظل الظروف الحالية، كما أنني لست من محبي التقشف، أميل للتوسط، لأن هذا التوسط هو الذي سيجعلنا دائما “فصباغتنا”، وسيجعل المواطن يشعر بقربنا منه، وبالنسبة للسكن، أنا حاليا أقطن بمدينة القنيطرة ولظروف عائلية، سأبقى هناك إلى أن أرتب بعض الأمور، ولذلك أنا مضطر يوميا للتنقل بين الرباط والقنيطرة، ولكن هذا لن يكون أبدا على حساب سيارة الدولة.. لا يمكنني أن أستغل سيارة الدولة والسائق في تنقلي من القنيطرة إلى الرباط، السائق يوصلني إلى محطة القطار ومن هناك أتدبر أمري.. لاحقا قد أنتقل إلى مدينة الرباط حتى أكون قريبا من مكان العمل وسأبحث عن بيت متوسط على قدر الإمكانيات)) (المصدر: موقع حزب العدالة والتنمية/ 13 يناير 2012).

هكذا تحدث الرباح وقتها، والأكيد أن معظم وزراء العدالة والتنمية لم يعودوا يركبون القطار اليوم، بل إن أغلبهم فقد “خاصية التباهي بالفقر” بعد سنوات الحكومة، والرباح نموذج لوزير نجح في النأي بنفسه عن اللعنة التي طالما طاردت أعضاء حزب العدالة والتنمية، والسبب هو اختياره للسكوت، وتكوين شبكة أصدقاء جدد في الرباط والدار البيضاء والقنيطرة(..).

تتمة المقال بعد الإعلان

بين الأمس واليوم.. حدثت وقائع كثيرة في حزب العدالة والتنمية، أبرزها انقلاب الرباح، الذي اشتهر بنشره للوائح الريع، والاستفادة من مأذونيات النقل(..)، على رئيسه السابق في الحزب والحكومة عبد الإله بن كيران، هذا الأخير وقع على نهايته السياسية، بعد تجربة حكومية صاخبة، عين على إثرها للمرة الثانية كمكلف بتشكيل الحكومة، لكنه وإن قاد حزب العدالة والتنمية إلى الفوز بالانتخابات، إلا أنه فشل في تشكيل حكومته الثانية، بعد أن جر عليه لسانه نقمة مختلف الأطراف السياسية..

بن كيران في لقاء صحفي سابق

ومع ذلك، يمكن القول أن بن كيران رحل من الحكومة بشكل مشرف، خاصة وأنه انضم لقائمة الوطنيين الكبار(..) عندما أصدر بلاغ “انتهى الكلام”، حيث قال بعد مدة طويلة من “البلوكاج”: ((بما أن المنطق يقتضي أن يكون لكل سؤال جواب، وبما أن السؤال الذي وجهته للسيد عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، يوم الأربعاء 4 يناير 2017 حول رغبته من عدمها في المشاركة في الحكومة التي عينني جلالة الملك يوم الإثنين 10 أكتوبر 2016 رئيسا لها وكلفني بتشكيلها.. وهو السؤال الذي وعدني بالإجابة عنه بعد يومين، وهو الأمر الذي لم يفعل وفَضَّل أن يجيبني عبر بلاغ خطه مع أحزاب أخرى منها حزبان لم أطرح عليهما أي سؤال.. فإنني أستخلص أنه في وضع لا يملك معه أن يجيبني، وهو ما لا يمكن للمفاوضات أن تستمر معه حول تشكيل الحكومة، وبهذا يكون معه قد انتهى الكلام، ونفس الشيء يقال عن السيد امحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية)).

“نهاية الكلام” كانت فعلا، لكنها كانت مع بن كيران(..)، لينطلق فصل جديد من فصول تزعم حزب العدالة والتنمية للمشهد السياسي، بظهور النسخة الجديدة من الوزراء “اللايت”(..)، يقودهم الأمين العام الحالي سعد الدين العثماني، الذي حظي بتعيينه رئيسا للحكومة، بعد صدور بلاغ إبعاد بن كيران، الذي جاء فيه ((إن الملك محمد السادس أخذ علما بأن المشاورات التي قام بها السيد رئيس الحكومة المعين، لمدة تجاوزت الخمسة أشهر، لم تسفر إلى حد اليوم عن تشكيل أغلبية حكومية، إضافة إلى انعدام مؤشرات توحي بقرب تشكيلها، لذلك قرر أن يعين كرئيس حكومة جديد، شخصية سياسية أخرى من حزب العدالة والتنمية)) وهو نفس البلاغ الذي تضمن أن الملك ((سيستقبل في القريب العاجل، هذه الشخصية، وسيكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة)).

هكذا وصل بن كيران إلى “البلوكاج”، بعد حرب مريرة مع ما كان يسميه “التحكم”، بل إن التاريخ سيبقى شاهدا على حرب ضروس بين الغريمين، إلياس العماري الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ولكن الصفحة طويت بصدور بلاغ للديوان الملكي، تم بموجبه تكليف سعد الدين العثماني بتشكيل حكومة العدالة والتنمية الثانية، هذا الأخير قبل كل ما كان يرفضه بن كيران، ظهر كما لو أن الإخوان وضعوا قشرة الموز تحت أقدام زعيمهم، فكل ما كان يصرفه بن كيران من مواقف، كان باتفاق مع الأمانة العامة، ولكن الرغبة في مواصلة الاستوزار حالت دون دعمه.

وقد تولى محمد يتيم، الذي دخل الوزارة وخرج منها فيما بعد، قراءة بلاغ طي صفحة بن كيران، حيث قال ((إن المجلس الوطني للحزب يعبر عن اعتزازه بالتعيين الملكي للدكتور سعد الدين العثماني رئيس المجلس الوطني والأمين العام السابق للحزب رئيسا للحكومة))، مؤكدا ((دعمه له وحرصه على الاستمرار في مواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة السابقة بقيادة بن كيران))، كما قدّر الحزب ((حرص الملك على توطيد الاختيار الديمقراطي وصيانة المكتسبات التي حققتها البلاد في هذا المجال، واختياره الاستمرار في التفعيل الديمقراطي لمقتضيات الدستور المتعلقة بتشكيل الحكومة، من خلال تكليفه شخصية ثانية من الحزب المتصدر للانتخابات))، بتعبير محمد يتيم، الذي قرأ هذا الكلام خلال شهر مارس من سنة 2019.

صفحة جديدة انطلقت بتولي زمام الأمور من طرف سعد الدين العثماني، الذي يخوض الانتخابات اليوم دون مؤازرة من بن كيران، وهو ما يعني أن الحزب يوجد أمام امتحان أخير، علما أن الصحافة لطالما تحدثت عن هدوء العثماني باعتباره شخصا لا تفارق ملامح وجهه ابتسامة مع الجميع، ولا يخوض أي حرب كلامية، ولا تسمع منه أي تصريحات “نارية”، وهو ما يجعله رجل التوافقات في تقدير الجميع، غير أن هدوء العثماني هو الذي جعله في نفس الوقت زعيما “بلا طعم” بخلاف سلفه.

فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب.. هل يفقد ثقله بعد الانتخابات ؟

حزب العدالة والتنمية في نسخته العثمانية، يدخل الامتحان الأخير وعلى ظهره ثلاث ملفات، أولها أن قرار تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فليس خافيا على أحد، رغم توقيع العثماني على اتفاقيات التعاون الثلاثي مع أمريكا وإسرائيل، أن هذا الحزب ومنذ تأسيسه عام 1967، تقوم أدبياته على رفض أي تطبيع مع إسرائيل، بل وتقدم فريقه البرلماني، رفقة ثلاثة فرق أخرى عام 2013، بمقترح قانون لتجريم كافة أشكال التطبيع، حسب ما قالته الصحافة التي كتبت أيضا عن عبثية المشهد السياسي في المغرب عقب الترويج للتحالف الممكن بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة: ((.. فالأكثر عبثية واستغرابا من كل ذلك، هو إعلان التحالف ما بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة (“البام” اختصارا).. هو تحالف نشاز وغريب في شكله ومضمونه، خصوصا إذا علمنا أن أسباب نزول “البام” عام 2009، هو محاربة “البيجيدي” كحزب يستخدم الدين الإسلامي، وخاض “البام” معارك على واجهات عدة ضد “البيجيدي”، منها: المسيرة الوطنية الحاشدة عشية انتخابات 2016، التي جندت فيها السلطات لصالح “حزب القصر (البام)” لوجستيك النقل الخاص بمؤسسات عمومية من أجل تعبئة واستقدام آلاف الجماهير إلى شارع محمد السادس بالدار البيضاء، وسارت تحت شعار “ضد أسلمة الدولة والمجتمع”.. كان مشهدا لافتا لا ينسى بمبالغته العبثية، إذ أن الحشود الذين جيء بهم من المدن والقرى البعيدة، لم يكونوا يعرفون لماذا أقحم بهم في المسيرة، ولم يكونوا يعرفون ما هو مكتوب في اللافتات والصور التي رفعوها، وقد اشتهرت هذه المسيرة باسم “مسيرة ولد زروال”، وهو لقب لكائن انتخابي معروف لدى ساكنة إحدى الضواحي الفقيرة بولاية الدار البيضاء، حين صرحت امرأة بأنها لبت نداء “ولد زروال”، فهو من يتكرم عليها كل انتخابات بمساعداته، وقالت أنه اقتنى لها مرة أضحية العيد الكبير)) (المصدر: الحرة / 14 غشت 2019).

ويبقى التساؤل مطروحا في عز الانتخابات عن هذا النوع من رؤساء الحكومات، مثل العثماني، الذي يقول بأن الرد الذي قدمه عمر هلال، السفير المغربي الدائم لدى الأمم المتحدة، حول تقرير المصير في منطقة القبايل الجزائرية، “ليس موقفا سياسيا للدولة المغربية”، بينما يواصل الموظف المغربي عمر هلال قصف الجزائر في منصات الأمم المتحدة حتى أنه قال خلال تعقيبه على القراءة التي قدمها الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، سفيان ميموني، خلال ندوة لجنة الـ 24 بالكاريبي، أكد السفير أنه “بالنسبة للمغرب، فإن النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية تم حسمه بشكل نهائي”.. وسواء أحبت الجزائر أو كرهت، فقد تمت تصفية الاستعمار في الصحراء المغربية كليا، فالصحراء المغربية عادت بشكل نهائي إلى المغرب، وتم استرجاع الصحراء المغربية بفضل القانون الدولي، وبفضل المفاوضات، وبفضل “اتفاقية مدريد” التي أخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة علما بها في قرارها الصادر في دجنبر 1975، كما أن السفير المغربي لا يتردد في الدفاع عن شعب القبايل..

من هذا التناقض، يمكن فهم شخصية العثماني، لكن الامتحانات الانتخابية لا تقوم على الفهم وحده، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان، فما بالك بحزب يجمع كل المتناقضات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى