تحليل إخباري

تحليل إخباري | الأخطاء الكبرى لتقرير لجنة النموذج التنموي

أقوى قراءة لتقرير شكيب بنموسى

ذهبت جل التعليقات في الصحافة إلى الاحتفاء بالتقرير الصادر عن لجنة النموذج التنموي التي يترأسها شكيب بنموسى، عقب رفع نتائج عملها إلى الملك محمد السادس، لكن بعض المحللين المعروفين باطلاعهم على المطبخ الحكومي والسياسي، نبهوا إلى بعض “نقائص” التقرير، رغم أن أصحابه باتوا يروجون لهذه الأوراق كمنقذة للمغرب من الضياع، بل إن غياب وضوح الرؤية جعل أولى مؤشرات التعاطي مع التقرير، تذهب في اتجاه استغلاله سياسيا، بدل تنزيله، كما أن سفير المغرب بباريس، بنموسى، لم يكن ليتوقف عند إنجاز المهمة المطلوبة منه، بل إنه يواصل الدعاية للتقرير، بينما الوقت هو وقت الإنجاز.
وتبقى إحدى أكبر عيوب التقرير، هي تحديده لسنة 2035 كسنة الإنجاز، دون أن يتم تحديد أسباب اختيار هذا الموعد على أرض الواقع، ودون تحديد “الميكانيزمات” المضبوطة لتحقيق الأهداف، فضلا عن الحشو الكبير الذي تضمنه التقرير من خلال التشخيص(…).

إعداد : سعيد الريحاني

    يقول الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي المعروف، محمد حركات: ((إن تقرير لجنة النموذج التنموي تميز بعدم الاستجابة بما فيه الكفاية لمختلف مضامين ومتطلبات “كناش التحملات”، وفق التسمية الشائعة عند الخبراء، وكما سطرها الخطاب الملكي بكل حذافيرها (التحملات)، والقاضية بطلب اللجنة، بالتحلي بكل تجرد وموضوعية، وأن ترفع للملك الحقيقة، ولو كانت قاسية أو مؤلمة، وأن تتحلى بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول)) حسب قوله.

وأضاف حركات، وهو خبير دبلوماسي وأحد أساتذة الاقتصاد في جامعة محمد الخامس بالرباط، ملاحظة ثانية، تتمثل في غياب الاستناد إلى التجارب الدولية المقارنة والناجحة والفضلى في تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة، مثل تجربة سنغافورة وكوريا الجنوبية والتايوان.. وأسباب نجاحها وتألقها عالميا، والدروس المستنتجة من ذلك في بناء نموذج مثالي وعملي، فابن خلدون يقول: “بأضدادها تعرف الأشياء”.

محمد حركات.. تقرير ركيك وغير واضح المعالم

أما الملاحظات الأخرى، فتتلخص، حسب نفس المصدر في: 

– غياب المرجعية النظرية والجيواستراتيجية والاقتصادية في طرح الأسئلة الكبرى والمخاطر المحدقة بالبلاد في بناء براديغمات النموذج التنموي المثالي، وبناء عقيدة تنموية قوية تستند إلى المعرفة العلمية العميقة في بلورة المشروع المجتمعي، فكرا وممارسة (بزوغ ملامح اقتصاد الصالح العام والحياة).

– عدم استثمار مفهوم الحلم المغربي لتعبئة المجتمع في تحقيق هذا الحلم في عمقه الاستراتيجي والإنساني والحضاري، الدولي والإفريقي والمغاربي والعربي، عبر تمجيد قيم العمل والإنتاج والاستحقاق والكفاءة على حساب سلوكيات وعقليات الريع.

– المعيقات المنهجية المتمثلة في تشتت الأفكار وعدم الربط الجدلي بين المكونات وغياب التركيب.. مما جعل التقرير ركيكا وغير محفز على القراءة، وغير قادر على إعطاء خريطة طريق واضحة المعالم.

– عدم استثمار التقرير للدائرة الفاضلة لربط المسؤولية بالمساءلة وبمعيقات هيئات الحكامة وتعددها، وكلفة اشتغالها الباهظة على مالية الدولة في غياب أي نجاعة في الأداء وأي مردودية تذكر في مواجهة تنامي الفساد والزبونية في التوظيف وتهريب الأموال وتضارب المصالح وعيوب السوق والاحتكار.

– طرح الاستدانة (المديونية الخارجية) في تمويل التنمية كجزء من الحل بدل كونها جزء من المشكلة اعتبارا لحمولتها الثقيلة على الأجيال المقبلة بدل التركيز على التضريب التصاعدي للفلاحة والثروة، من خلال تبني إصلاح جبائي وتعبئة الموارد الداخلية وترشيد النفقات وتقوية المراقبة الداخلية على المال العام .

– عدم استثمار مفهوم السعادة الإجمالية الداخلية عند المغاربة المتدنية دوليا واعتماد تحليل كمي (PIB) في تضاعف الدخل الفردي في 16000 دولار في أفق سنة 2035 في غياب مقاربة نوعية..

– غياب التطرق للتجارب والممارسات الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية والثقافية والفنية والأدبية، وضعف التموقع المغربي في المنظمات الدولية والإقليمية ودورها البارز في ترسيخ نموذج تنموي جديد، والترافع حوله استنادا إلى أجندة الأمم المتحدة 2030 وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063.

– عدم تحديد السيناريوهات المحتملة في إدارة المخاطر في غياب أجندة خاصة حول القضاء النهائي على الأمية، وتغيير العقليات وبناء الصلابة والصمود في المجتمع، لرأب التصدعات العميقة التي أصابت الاقتصاد بفعل جائحة “كوفيد 19” وما نتج عنها من تفاوت فادح بين الفقر المدقع والثراء الفاحش، عبر ترسيخ قيم التضامن ودعم الوساطة والقضاء على النزاعات داخل الإدارة والمجتمع المغربي، لكي لا تفشل البلاد ويذهب ريحها.

الحسن عبيابة.. تقرير شكيب بنموسى أغفل الجانب السياسي

ليس حركات وحده من انتقد تقرير لجنة النموذج التنموي، وبغض النظر عن الانتقادات التي وجهت إليه من طرف الأصوات الراديكالية، تبقى إحدى أقوى الانتقادات الموجهة بهدوء للتقرير، هي ما صدر عن الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة، الحسن عبيابة، أستاذ التعليم العالي، حيث قال: ((لابد أولا أن نشيد إشادة كبيرة بجلالة الملك على مبادرته باقتراح مشروع النموذج التنموي الجديد، وتعيين لجنة خاصة من خيرة الخبراء من مختلف المشارب والتخصصات للإشراف على صياغته، ليجيب على مطالب المواطنين، ويلبي احتياجاتهم، ويستشرف المستقبل، لأن اختيار التوجهات الاستراتيجية الكبرى هو من اختصاص الملك المنصوص عليها في الفصل 49 من الدستور الخاص بالمجلس الوزاري، كما أن اقتراح جلالته لمشروع النموذج التنموي الجديد، جاء ليملأ فراغا وخصاصا في اقتراح الحلول والمبادرات الفعالة والمقبولة من الجميع، لأن برامج الأحزاب التي تقترحها أو تتبناها، لا ترقى لأن تكون نماذج للتنمية)).

نفس المصدر، بدأ ملاحظاته في ورقة مخصصة لقراءة التقرير، من الاسم، حيث يقول: ((على مستوى التسمية، قدم المشروع باسم تقرير ولم يقدم باسم مخطط للتنمية لفترة (2035)، ولم يقدم كخطة استراتيجية للتنمية في أفق عام 2035، ويبدو أن سبب تسميته بالتقرير، راجع إلى كون المحتوى يمثل أكثر من 50 % في التشخيص والاستماع والزيارات الميدانية، وقد يكون سبب التسمية مأخوذا من التقرير الذي أعده البنك الدولي تحت عنوان “المغرب في أفق 2040″، مع العلم أن جلالة الملك في خطابه السامي، أثناء الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة يوم 12 أكتوبر 2018، طلب فيه من اللجنة، تقديم مشروع النموذج التنموي الجديد، وليس تقريرا أو مخططا.. إن تحديد الفترة الزمنية لتنزيل مشروع النموذج التنموي الجديد في أفق سنة 2035، لم يذكر التقرير أسبابا مقنعة لاختيارها، في حين أن البنك الدولي قد حدد في تقريره عن المغرب المدة في أفق سنة 2040، لأن هذه التواريخ مبنية على معطيات محلية ودولية مؤثرة في مجال التنمية في المستقبل)) يقول عبيابة.

نفس المصدر، وهو رئيس “مركز ابن بطوطة للدراسات والأبحاث الاستراتيجية”، قال أن ((عنوان التقرير جاء كما يلي: “تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع”، وهو عنوان طويل غير محدد لأهداف المرحلة، في حين أن تقرير البنك الدولي اختار عنوانا للتقرير عن المغرب: “الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي”، وهو عنوان أكثر تحديدا وتفهما للوضع الاقتصادي المغربي المؤهل لاقتصاد الخدمات اللوجستية، وتصدير الصناعات التحويلية التي تستوطن بالمغرب بحكم توفير الشروط المناسبة، كصناعة السيارات والطائرات وما يرتبط بها من صناعات مكملة، وهي صناعات كلها تتطلب رأسمالا بشريا مؤهلا، وقد اخترت هذه المقارنة، لكون تقارير البنك الدولي معتمدة دوليا وتؤخذ بعين الاعتبار في مجال التعاون الدولي ومع المؤسسات المالية الدولية التي يتعامل معها المغرب، كما أن البنك الدولي يتابع باهتمام مخرجات هذا التقرير، وذلك لكون المغرب يتعامل مع البنك الدولي في مجالات مختلفة)).

نفس المصدر يؤكد: ((لم يشر التقرير إلى أن جزء مهما من محاور مشروع النموذج التنموي الجديد قد سبق تقديمه قبل تقديم المشروع، ولا بد أن هذه المحاور ستكون جزء أساسيا من محاور النموذج التنموي الجديد، مثل تعميم التغطية الصحية، وهو مشروع اجتماعي ضخم، وقانون الإطار للتعليم الذي سيطبق في السنة المقبلة، وهو الركيزة الأساسية للمشروع، وكان لابد من إبداء الرأي في هذه المحاور أو تدعيمها في التقرير، حتى لا يكون هناك تعارض بين هذه الإصلاحات الكبرى، كما أن الجهوية كمصطلح وكمضمون، خلت من العناوين الرئيسية ومن المحاور المهمة، رغم بعض الإشارات إليها، لكنها تبقى اختيارا دستوريا ومؤسسة قوية للتنمية المحلية، وخصوصا بعد المصادقة على اللامركزية، في حين أن تقرير البنك الدولي عن المغرب ركز في تحليله لآفاق سنة 2040، على التحولات التي يعرفها المغرب بخصوص التحول الديمغرافي والتنمية الحضرية للمجتمع في إطار الجهوية الموسعة، وارتفاع المستوى التعليمي للسكان في كل الجهات، لأن جلالة الملك طلب مشروعا تنمويا جديدا يحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية)).

هل كانت تداعيات “كورونا” حاضرة في تقرير لجنة النموذج التنموي؟ الجواب على لسان عبيابة، الذي كان ضحية مؤامرة بين أطراف حكومية في السابق، يقول: ((إن اللجنة لم تستحضر بما يكفي تداعيات وباء “كوفيد 19” الاقتصادية الحالية والمستقبلية، حيث حتمت ظروف الحجر الصحي على فئات كبيرة من العاملين في العديد من القطاعات، وخصوصا القطاعات غير المهيكلة التي يعيش فيها المواطنون على مدخولهم اليومي، فقدان نسبة من مداخيلهم، وتعتبر سنة 2020 من أسوء السنوات للاقتصاد المغربي، حيث لم يتجاوز معدل النمو نسبة 1 %، وحسب معطيات هذه السنة (2021)، التي مضى نصفها، فإن النمو لن يتجاوز 1.5 % في حدود قصوى، مما يعني أن تنزيل مشروع النموذج التنموي الجديد رهين برفع النمو الاقتصادي السنوي إلى 6 % كحد أدني، مما يؤكد أن سنة 2035 لن تكون فترة كافية لتنزيل النموذج التنموي الجديد، كما أن آليات التمويل تبقى غير واضحة، وأحيانا غير مضمونة، نظرا لارتفاع تكلفة عملية تنزيل النموذج الجديد، وللإشارة، فإن التقارير الدولية والإقليمية، بما فيها تقارير منظمة الصحة العالمية لسنة 2021، تؤكد بأن وباء كورونا لازال مستمرا، ولازال العالم يواجه هذا الوباء بإنتاج اللقاحات، وتعتبر السنوات المقبلة فترة تلقيح سكان العالم في حالة توفر اللقاح بشكل كاف وتوزيعها توزيعا عادلا على سكان العالم، من أجل تلقيح 80 % منهم حتى تعود الحياة الطبيعية كما كانت على مستوى العالم، أما تداعيات الوباء الاقتصادية، فتذكر التقارير بأن فترة 2035، هي الفترة التي تعود فيها الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها عالميا، لكن تقرير النموذج التنموي الجديد لم يتحدث عن كيفية التعامل مع هذه الوضعية الوبائية محليا وإقليميا ودوليا، في المستقبل، مع توقع سيناريوهات مختلفة تحسبا لأي مفاجأة)).

إن تقرير مشروع النموذج التنموي كان قاسيا أحيانا في إصدار أحكام فيما تحقق من تنمية، وفي بعض مجالات الحرية، في حين أن البنك الدولي في تقريره اعترف بأن ((المغرب قد حقق خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، تقدما لا يمكن إنكاره، سواء على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، أو على مستوى الحريات الفردية والحقوق المدنية والسياسية، مما سمح للمغرب بإطلاق مسار اللحاق الاقتصادي ببلدان جنوب أوروبا: إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، ليصبح في أفق الجيل القادم، أول بلد غير منتج للنفط في شمال إفريقيا ينضم إلى نادي الدول الوسيطة ذات الدخل المرتفع))..

إن صياغة التقرير في كثير من فقراته، تحتاج إلى المزيد من الشرح والتوضيح، لأنه يطغى عليها الجانب التقني والتوجه التكنوقراطي، والتقرير فيه تشابه عدد من المخرجات مع تقارير سابقة لمؤسسات عمومية، مثل تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتقارير المندوبية السامية للتخطيط، وتقارير بنك المغرب، وأحيانا نجد بعض التناقض، وفي الحقيقة، فإن تقرير النموذج التنموي الجديد يحتاج إلى المزيد من الدراسة والنقاش والتوضيح ليصبح وثيقة يأخذ منها الجميع.

وتبقى إحدى الملاحظات القوية، حسب فقرات من تعليق عبيابة، هي إشارته إلى الجانب السياسي، حيث تقول أن الجانب السياسي المؤسساتي أغفله التقرير، وتحدث عن سلبيات المؤسسات السياسية، ولم يتحدث عما يجب أن تقوم به في المستقبل، ومن المؤكد أن الحكومات السياسية، ووفقا للدستور، هي التي ستنزل مضامين هذا التقرير كليا أو جزئيا، في المرحلة المقبلة، وأعتقد أن ضمان حكومات سياسية مرنة وقادرة على ركوب تحدي المرحلة بحمولتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يستدعي اجتهادا دستوريا يمكن الدولة من الحفاظ على المكتسبات ويحقق الطموحات.

تتمة المقال بعد الإعلان

‫2 تعليقات

  1. شبعنامن تقارير النماء وبلورة المشاريع كلام فضفاض اين الواقع منهدا وهل الطبقات المسحوقة تنتضر حتى2035 موت ياحمار كيت لي جات فيه بدون إجراءات عملية وتخصيص أجرة شهرية الطبقات الهشة يبق هرمنا ونحن نسمع كلام النماء والنموو الو

  2. مفهوم النموذج التنموي لا يوجد اصلا في ادبيات الاقتصاد. هناك خطط واستراتيجيات تنموية. ثانيا المدخل الاساسي الى التنمية هو سياسي وسؤال النموذج السياسي لاستراتيجية التنمية يصبح ملحا علما ان ما يعيق التنمية في المغرب هي السياسة وليس العكس…. طالما تراوغون الاسئلة الحارقة لن تحلوا المعضلة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى