تحليل إخباري

تحليل إخباري | هل تتحول محاولة إسقاط الحكومة إلى محاولة لإسقاط الدولة ؟

دوخة "القنب الهندي" في البرلمان المغربي 

تمر المملكة المغربية من مرحلة حاسمة في تاريخها، فقد جن جنون الخصوم بحصول المغرب على اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، كما أن المغرب يخوض معركة دبلوماسية قوية في مواجهة الدول “المتعنتة” في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا وإسبانيا، لكن السياسيين المغاربة، المشغولون بتقنين زراعة القنب الهندي، حولوا معركتهم صوب اتجاه آخر، عند مطالبتهم بإسقاط الحكومة.. فهل من المستساغ رفع مطلب من هذا النوع في هذا التوقيت، بينما لم تعد تفصلنا عن الانتخابات سوى مدة قصيرة؟

إعداد : سعيد الريحاني

    بدأت الحكاية بعد تصويت فريق العدالة والتنمية الذي يقود الأغلبية الحكومية ضد مشروع القانون المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، لتنطلق فصول الإعداد لإعمال “ملتمس الرقابة”، ولمن لا يعرف هذا المبدأ الدستوري الذي يروم ربط المسؤولية بالمحاسبة، فهو منصوص عليه في الفصل 105 من الدستور، والذي يقول: ((لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس  للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية، فإذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة، فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه، طيلة سنة)).

ملتمس الرقابة إذن، خاضع لشروط دستورية مضبوطة، لكن هل يعقل أن يتم إعمال هذه المسطرة في هذه الظروف؟ ولنفترض أننا في حاجة إلى ملتمس رقابة، أليس من المنطقي ربط ذلك بالتطورات السياسية والدولية بدل الاختباء وراء القنب الهندي، واللائمة تقع أيضا على حزب العدالة والتنمية الذي يقود الأغلبية الحكومية، فمن غير المعقول أن تتقدم الحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بمقترح لتقنين زراعة القنب الهندي في المجلس الحكومي، وتدفع وزارة الداخلية للخروج والدفاع عنه، ثم يأتي نواب الحزب ليصوتوا ضد هذا القانون فيما بعد داخل البرلمان.. أي جدوى من ذلك؟

لا يمكن تفسير انقلاب نواب حزب العدالة والتنمية على مشروع القانون المذكور، دون تذكر عبد الإله بن كيران، هذا الأخير، سبق أن قرر تجميد عضويته بالحزب، وذلك بعد مصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون تقنين “الكيف”، كما قرر قطع علاقته بكل من سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، ومصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، وعزيز الرباح، وزير الطاقة والمعادن، ومحمد أمكراز، وزير الشغل والإدماج المهني..

وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت وفي الإطار مقتطف من رسالة خطية لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران

هو خلاف داخلي إذن، بين أعضاء حزب العدالة والتنمية، لكن الأمر تحول إلى مزايدات سياسية بين الحزب وخصومه، حيث يرى الخصوم أن الفرصة مواتية لإسقاط الحكومة، بينما يرى نواب العدالة والتنمية أنها فرصة ثمينة لاسترجاع شرف مفقود(…)، لكن ذلك لا يمكن أن يخفي أن الحكومة هي التي قامت بتقديم التبريرات لتمرير مشروع القانون المذكور، حيث تكلفت وزارة الداخلية بالدفاع عن “تقنين زراعة القنب الهندي”، واستعملت لأجل ذلك دراسة خاصة للأوضاع، وقبلها، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، ليشرح أن ((مشروع القانون الذي تقدم به وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والذي تمت بلورته انسجاما مع الالتزامات الدولية للمملكة، يروم إخضاع كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع ونقل وتسويق وتصدير واستيراد القنب الهندي ومنتجاته لنظام الترخيص، وخلق وكالة وطنية يعهد لها بالتنسيق بين كافة القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الوطنيين والدوليين من أجل تنمية سلسلة فلاحية وصناعية تعنى بالقنب الهندي مع الحرص على تقوية آليات المراقبة)).. فما هذا الفرق بين الخطاب والممارسة؟

إن الوضع المغربي في العالم لا يقبل مثل هذه المزايدات، لأن محاولة إسقاط الحكومة في هذا التوقيت لا يمكن فصلها عن السياق المتميز بوجود أزمة مع دول أوروبية، على رأسها ألمانيا وإسبانيا، التي تشن حملة كبيرة على المملكة، ففي الوقت الذي تضرر فيه المغرب من مخطط للهجرة السرية، والنزوح الكبير نحو سبتة ومليلية المحتلتين، بالتزامن مع استقبال إبراهيم غالي زعيم البوليساريو في رحلة علاج داخل الأراضي الإسبانية، أطلقت الجارة الشمالية حملة كبيرة على المملكة تروم إظهارها كبلد متخلف، بينما رسالة المغرب واضحة، وهي أن إخراج إسبانيا للأمين العام لجبهة البوليساريو إبراهيم غالي، بنفس الطريقة التي تم إدخاله بها إليها، يعد ((اختيارا للركود، ولن يزيد الأزمة الدبلوماسية بين البلدين إلا تفاقما))، حسب ما جاء على لسان السفيرة بنيعيش، التي أكدت أيضا أن ((الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين مدريد والرباط، على خلفية استقبال زعيم الانفصاليين على التراب الإسباني، بشكل سري وبهوية مزيفة، تعد اختبارا لقياس مدى موثوقية وصدق الخطاب السائد منذ سنوات بشأن حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية بين البلدين)).

البرلمانيون المغاربة منشغلون بالمعارك السياسية الهامشية، بينما يجب عليهم الحذر من التطورات الدولية، ومن سيناريو محتمل ضد المغرب، ولمن فاتته الفرصة، يكفيه أن يقرأ ما يكتبه الإعلام الجزائري، انطلاقا من وسائل إعلام فرنسية.. فقد كتبت جريدة “لوموند” الفرنسية، في افتتاحية غير مسبوقة، تقول فيها أن أوروبا مطالبة بوضع حد لطريقة تعاملها “الساذجة” مع المغرب، ((إن التوتر المتصاعد في سبتة يبعث على القلق. تحت الأنظار السلبية للشرطة المغربية، في بداية هذا الأسبوع، تمكن ما يقرب من 8000 شاب مغربي، بعضهم صغار السن، من التسلل إلى المدينة الإسبانية الواقعة على الساحل الشمالي للمملكة المغربية، وإذا كان التوتر قد تبدد قليلا يوم الخميس 20 ماي بعد طرد 5600 من هؤلاء المهاجرين إلى المغرب، فإن هذه الحادثة سيكون لها أثر بعيد الأجل على العلاقات بين الرباط ومدريد، وأبعد من ذلك، بين الرباط وبروكسيل (مقر الاتحاد الأوروبي)، ذلك أن هذه الأزمة أنضجتها ورتبت لها السلطات المغربية، التي أظهرت شرطتها تقريبا طريق سبتة إلى شباب يعيش محنة اجتماعية. في مدريد، حيث اتهم وزير الدفاع المغرب بـ”العدوان” و”الابتزاز”، تحتدم مشاعر الانزعاج والغضب: لم يكن المغرب قد عوّد الأوروبيين، الذين كانوا عموما يعاملونه معاملة طيبة، على تصرف يشبه ما يفعله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، الذي لم يتردد في أوقات مختلفة في توظيف سلاح الهجرة في البحر الأبيض المتوسط، لمحاولة الضغط على أوروبا.

المغرب وإسبانيا أمام حسابات الصحافة الفرنسية

إن موقف الرباط الأخير، يشكل سابقة مؤسفة وأصل الأزمة معروف: لقد اعتبرت سلطات الرباط أن دخول إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إلى الأراضي الإسبانية، مبادرة غير ودية من طرف إسبانيا، واعتبرت الحجة “الإنسانية” التي قدمتها مدريد، غير مقبولة بالنسبة للرباط، التي وعدت بأن هذا القرار ستكون له “عواقب”، وها هي العواقب تأتي في شكل موجة الهجرة المدبّرة نحو سبتة)) (المصدر: افتتاحية جريدة “لوموند” / ترجمة موقع “لكم”).

في بعض الأحيان، تعكس الصحافة المندفعة “جزء من المخططات الخفية”، والمخطط الخفي هو خلق أزمة دبلوماسية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وممارسة الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت بمغربية الصحراء، وهو ما تعكسه الفقرة التالية: ((لعل الذي شجع الرباط على هذه المغامرة، هو النجاح الدبلوماسي الذي رافق التوقيع على اتفاق ترامب الشهيرة بتاريخ 10 ديسمبر 2020، الذي اعترفت واشنطن بموجبه بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، فشعرت المملكة الشريفة بالثقة الكافية لتحدي إسبانيا في مدينة سبتة)).

ولا تقف جريدة “لوموند”، التي كشفت عن وجهها الحقيقي عند هذا الحد، بل إنها دعت الأوروبيين إلى مراجعة علاقتهم مع المغرب، بينما برلمانيونا منشغلون بالمزايدات، حيث تقول “لوموند”: ((لقد حان الوقت للتخلي عن السذاجة عندما ينظر الأوروبيون إلى المغرب: لا شك أن المملكة تتوفر على أرصدة ثمينة، إنه بوابة غرب إفريقيا وأهله يمارسون إسلاما معتدلا، وهو بلد لا يتردد في التعاون الأمني ومقاومة الهجرة غير المشروعة (حتى قبل هذه الأزمة)، ومن ناحية أخرى، فإن الجالية المغربية في أوروبا ديناميكية، بل ومؤثرة في بعض الأحيان، ولكن لفترة طويلة جدا، طغت هذه الميزات الدبلوماسية على نظرة السلطات الأوروبية لدرجة أنها غطت على حقيقة السلطات المغربية ذات التوجه الاستبدادي المزعج، كما يتضح من سجن الصحفيين والمثقفين الناقدين والذين يخاطر أحدهم حاليا، وهو سليمان الريسوني، بحياته في إضراب مفتوح عن الطعام)) (المصدر: جريدة “لوموند”: ترجمة موقع “لكم”).

يمكن لأي مغربي أن يشعر بالقلق إزاء هذا النوع من الافتتاحيات، لأنها تقضي أولا على الأسطورة التي تقول إن فرنسا تساند المغرب، وثانيا، كونها تعكس جزء من المخططات المخفية، لكن أعضاء البرلمان المغربي اختاروا هذا التوقيت الحساس، ليناقشوا إسقاط الحكومة، بينما تم تحديد موعد للانتخابات، حيث يمكن إسقاط الحكومة وتعويضها بطريقة شرعية، بدل استعمال وسائل مبالغ فيها تهدد صورة المغرب في الخارج.

يمكن القول إن التلويح باستعمال ورقة ملتمس الرقابة لم يستعمل في المغرب إلا مرتين، وفي ظروف دائما ترتبط بإمكانيات التأويل (سنة 1964، وسنة 1990)، فعندما قدم أول ملتمس للرقابة في تاريخ المغرب الحديث، ربط النظام المغربي آنذاك بين تقديم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية للملتمس والأجندة الجزائرية.. فـ((عقب أحداث ما سمي آنذاك بمؤامرة 63 التي اتهم فيها عدد كبير من قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمحاولة قلب النظام والتآمر مع الجزائر ضد المصلحة العليا للبلاد، وقع نواب الحزب، وعلى رأسهم عبد الرحيم بوعبيد والمهدي العلوي ومحمد الحبابي وعبد الواحد الراضي، والمعطي بوعبيد وعبد الحميد القاسمي وعبد القادر الصحراوي… وآخرين على سحب الثقة من الحكومة، ورغم أن النظام المغربي آنذاك ومعه جملة من الفاعلين الموالين له، ربطوا تقديم الملتمس بخدمة جهات خارجية، في إيماء إلى الجزائر، إلا أن الفريق النيابي الاتحادي سيرهن تقديم ملتمس الرقابة بتردي الأوضاع الاقتصادية)) (المصدر: موقع هسبريس).. هذا من حيث التاريخ، والمبررات، لكن المبررات اليوم مرتبطة بالمزايدات في ملف القنب الهندي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى