ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | استغلال القضية الفلسطينية في قضية الصحراء المغربية

مغالطات هواري بومدين في القدس

لم يكن العدوان الصهيوني على فلسطين هذه الأيام ليمر مرور الكرام دون محاولة استغلال ذلك من أجل تصفية بعض الحسابات السياسية بين بعض الدول العربية المتنازعة فيما بينها، ومن ضمنها الجزائر، التي حاولت توظيف هذا التصعيد.

فقد شن الإعلام الجزائري، وبعض الصحافيين الجزائريين الذين يعملون في كبريات المحطات الفضائية العربية، والذين يتوفرون على عدد كبير من المتابعين في الفضاء الأزرق أو على “تويتر”، هاجموا قويا المغرب على خلفية إعلانه في نهاية السنة الماضية عن استئناف علاقاته مع إسرائيل، والحال أن هذه ليست المرة الأولى التي تعمل فيها الجزائر على استغلال القضية الفلسطينية في الصراع بين البلدين.

تتمة المقال بعد الإعلان

بالعودة إلى التاريخ وغير بعيد عن بداية مشكلة قضية الصحراء، وبالضبط سنة 1978، استغلت الجزائر القضية الفلسطينية، لتبرر قطيعتها مع المغرب، وتنفرد “الأسبوع” بنشر ثلاثة رسائل حول هذا الحدث: الأولى من الحسن الثاني إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين، والثانية جواب الرئيس بومدين، بينما الثالثة فكانت بيان حقيقة من وزارة الإعلام المغربية حول مغالطات الرئيس الجزائري.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

تشابه الوضع بين الأمس واليوم في القضية الفلسطينية

    بعد المسيرة الخضراء، تغير سلوك الجزائر بخصوص المغرب في عدة قضايا، وشمل ذلك حتى ما يدخل ضمن الأعراف الدبلوماسية، من التهنئة بعيد الاستقلال والذكريات والأعياد الوطنية، فمع حلول يوم 18 نونبر 1975، وهو ذكرى استقلال المغرب، لم يبعث هواري بومدين للحسن الثاني ببرقية تهنئة بعيد الاستقلال في سابقة من نوعها، بل ولما بعث له الحسن الثاني برقية تهنئة بمناسبة انطلاق الثورة الجزائرية في فاتح نونبر من نفس السنة، أجابه بومدين في برقية من أربعة أسطر، وهذا خارج عما هو متعارف عليه في الأعراف الدبلوماسية بين دول الجوار.

استمرت الجزائر في هذا السلوك “الدبلوماسي” طيلة ما تبقى من سنة 1975، إلى أن حصل مستجد جديد، وهو تسلل عناصر جزائرية إلى داخل الأراضي المغربية أواخر يناير 1976، والتي أدت إلى وقوع معركة “أمغالة”، دفع هذا الأمر العاهل المغربي إلى بعث رسالة احتجاج إلى الرئيس الجزائري، يوم 15 فبراير 1976، وانتظر الملك ومعه المغرب جوابا من هواري بومدين على الرسالة، غير أن هذا الأخير رد بطريقة غير تقليدية ومبتكرة إلى حد كبير، فبعد اثني عشر يوما من الانتظار، وصل الجواب، وقد كان الإعلان في العاصمة الجزائر عن قيام ما سمي بـ”الجمهورية الصحراوية الديمقراطية” أو ما يعرف بالبوليساريو، يوم 27 فبراير 1976.

وهكذا.. فقد أفرزت المسيرة الخضراء أمرين في العلاقات المغربية الجزائرية: الأول يتعلق بنهج الجزائر لسياسة دبلوماسية جديدة مع جارتها الغربية، حيث لم تهنئ المملكة ولو بمناسبة رسمية، كما لم تجبها ولو على رسالة واحدة، أما الثانية، فهي حدوث قطيعة بين البلدين، حيث سحب المغرب سفيره من الجزائر وكذلك فعلت هذه الأخيرة.

بالموازاة مع ما كان يجري في الصحراء المغربية، كان الوضع في الشرق الأوسط مماثلا، حيث وقع يوم 9 نونبر من عام 1977 حدث كان له ما بعده، فقد أعلن الرئيس المصري محمد أنور السادات عن استعداده للذهاب إلى القدس، بل وإلى الكنيست الإسرائيلي، وقال: ((ستدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته، ومناقشتهم)).

لم يتأخر الرئيس المصري في تنفيذ ما أعلن عنه، فقد حطت طائرته الخاصة يوم 20 نونبر بإسرائيل، وهو التاريخ الذي وافق يوم عيد الأضحى، وصلى صلاة العيد بالقدس الشريف، وبينما عبر بعض القادة العرب عن رفضهم لهذه الفكرة، أيد الحسن الثاني مساعي الرئيس المصري علانية، فبعد أيام قليلة من خطاب الرئيس المصري أمام مجلس الشعب، استقبل المغرب اجتماعا لوزراء العدل العرب، ألقى الحسن الثاني كلمة افتتاحية للمؤتمر عبر خلالها عن تأييده ودعمه لمبادرة الرئيس المصري.

وفي اليوم الذي حل فيه أنور السادات بإسرائيل وألقى كلمته بالكنيست، برر العاهل المغربي للصحافة المصرية بأنه دعم مبادرة الرئيس المصري، لأنه وجد أن من شأنها أن تشكل منعطفا تاريخيا خطيرا على إسرائيل، لأن سفر الرئيس المصري إلى إسرائيل جعلها مجبرة على الرد على مبادرته، فإن كان الرد إيجابيا فذلك جيد، حسب تصريحه، وإن كان سلبيا حكم التاريخ على إسرائيل نهائيا.

اعتداء جزائري على المغرب ورسالة احتجاج من الملك الحسن الثاني

    استمرت القطيعة الدبلوماسية بين المغرب والجزائر إلى أن وقع حدث جعل المياه الراكدة تتحرك بين البلدين من جديد، وذلك عندما هاجمت قوات جزائرية ما بين 30 شتنبر وفاتح أكتوبر 1978، موقعين مغربيين بحاسي تلمسي، وهي المنطقة التي تدخل ضمن الحدود المغربية بمقتضى معاهدة 1972 الموقعة بين المغرب والجزائر، فقام الحسن الثاني بعد ذلك مباشرة، بإرسال رسالة احتجاج مباشرة إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين رغم القطيعة الدبلوماسية بين الدولتين، جاء في بداية الرسالة ما يلي: ((سيدي الرئيس، لكم كان بودي أن أستأنف الاتصال بكم مباشرة لنتحدث عن التصالح ونخطط للسلام، ولكن أجدني مضطرا، للأسف، إلى أن اتصل بكم اليوم لا لهذه الغاية، وإنما لأحتج بشدة لدى فخامتكم في موضوع الاعتداء الذي وقع على بلادي ما بين 30 شتنبر وفاتح أكتوبر 1978))، ثم مر الملك ضمن الرسالة إلى تذكير الرئيس الجزائري بأن الاعتداء الذي وقع إنما هو خرق لمعاهدة الحدود الموقعة سنة 1972، حيث أكد له ما يلي: ((إن المعاهدة التي تحدد الحدود القائمة بين المغرب والجزائر وضعت ووقعت، كما تعلمون، من طرف حكومتينا سنة 1972، بينما كان رؤساء دول قمة منظمة الوحدة الإفريقية مجتمعين بالرباط، قائمين شهودا على هذا الحدث أمام القارة الإفريقية.

لقد قام المغرب من جهته، باحترام هذه المعاهدة احتراما كليا رغم أنه لم يصادق عليها بعد، وأنتم من جانبكم نشرتموها في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية بتاريخ 15 يونيو 1973، وهي تستند في مادتها الأولى على خريطة مركالة، والأماكن التي استهدفت للعدوان الجزائري والتي تسمى حاسي تلمسي، يوجد أحدهما على بعد 5 كلم والآخر على بعد 15 كلم داخل هذه الحدود التي اعترفتم بها كما اعترفنا بها نحن وكما اعترفت بها جميع دول العالم)).

وعبر العاهل المغربي ضمن نفس الرسالة عن استغرابه للهجوم الذي قامت به القوات الجزائرية، على اعتبار أن العمل الذي قامت به لا يستجيب للتعقل ولا للمنطق، واعتبر أن مثل هذه التحركات إذا لم تكن تدل بوضوح على أنها تسعى إلى توسيع هوة النزاع بين البلدين، فإنها أبعد ما تكون عن أي تعبير على أن الجزائر، بصفتها دولة تحترم التزاماتها، لا تخترق الحدود المسلم بها لجيرانها.

ثم طرح الملك على الرئيس الجزائري التساؤل عن هدف الجزائر من وراء هذه الاستفزازات الموجهة ضد المغرب، وعبر في ختام رسالته عن ((إنني لآمل بجوابكم عن هذه الرسالة، أن ينهض ضميركم كمواطن من المغرب الكبير، فيحافظ على ما تبقى من جوارنا وانتمائنا إلى نفس الأسرة الروحية وإلى نفس القارة وما يمكن أن يخدم ذلك)).

الرئيس المصري الأسبق أنور السادات خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل عام 1977

هكذا استغل هواري بومدين القضية الفلسطينية لتبرير القطيعة بين المغرب والجزائر

    لا شك أن المغرب، بعد قطيعة دامت سنتين كاملتين، كان يأمل أن تقدم جارته الشرقية جوابا كافيا عن الأسباب التي دفعتها لمهاجمة مواقع داخل التراب المغربي، وفعلا، أرسل الرئيس الجزائري هواري بومدين رسالة جوابية إلى الملك الحسن الثاني يوم 6 أكتوبر، أي بعد أربعة أيام.

غير أن هذه الرسالة لم تكن كباقي الرسائل، فقد ربط الرئيس الجزائري أسباب القطيعة الدبلوماسية بين البلدين إلى عوامل أخرى غير قضية الصحراء المغربية، حيث أوضح أن العائق الأكبر الذي يحول دون استئناف العلاقات، هو تباين مواقف البلدين من القضية الفلسطينية، فقد جاء في مطلع رسالته التي وجهها للملك: ((اسمحوا لي، وأنا متأكد من ذلك، أن أعرب عن أسفي من أن الدبلوماسية العلنية أصبحت اليوم تحل محل الدبلوماسية التقليدية، ولذا فإنني أود أنا أيضا كما تمنيتم ذلك، أن أستأنف الاتصال المباشر معكم حيث أن الحوار المباشر أفضل لا محالة، ولكن هل يعقل ذلك بعد المواقف التي اتخذها كل منا في شأن القضية الفلسطينية وامتداداتها بالنسبة للشرق الأوسط والأمة العربية؟))، وبعد ذلك، مر للإجابة عن الرسالة التي وجهها له نظيره المغربي، حيث أكد بداية أن بلاده لا دخل لها في النزاع المفتعل بالصحراء المغربية، ورغم ذلك، فإنها ستعمل على العمل من أجل البحث عن حل للصراع، عندما قال: ((إن الجزائر ستسعى ومع ذلك، فإنه بإمكاني أن أؤكد لكم أن الجزائر لن تتخلى عن أي جهد من أجل تقديم مساهمتها المتواضعة في البحث عن سلام عادل بين المتخاصمين في النزاع الجاري حاليا في الصحراء الغربية، وإنني ألاحظ مرة أخرى مع الأسف، من خلال رسالتكم، أن التأكيدات قطعية، وأن الاتهامات ضد الجزائر خطيرة للغاية)).

وضمن نفس الرسالة، اعتبر الرئيس الجزائري أن التهم المغربية الموجهة ضد القوات الجزائرية، هدفها تشويه سمعة الجيش الوطني الجزائري وقال: ((لقد كان من الممكن أن يثير ذلك اندهاشي لولا مفعول العادة والحصانة التي تنم عنها، ومع ذلك، فإنه بودي أن أمتنع عن الظن أن الانتهاكات المتكررة المزعومة للحدود المغربية من طرف الجيش الوطني الشعبي لا ت

ستهدف سوى تبرير عدوان مبيت ضد بلادي، ومهما يكن من أمر، فإن مثل هذا المسعى ينم عن إرادة مكشوفة في مغالطة الرأي العام العربي والإفريقي والدولي حول طبيعة النزاع الذي يحزن منطقتنا، ومع ذلك، فقد تمكنا، جلالتكم وأنا، من رفع سياسة بلدينا طيلة عشر سنوات إلى مستوى التطلعات الطبيعية لشعبينا اللذين لهما كما تعلمون، روابط أقوى من المطالبة الناجمة عن مجرد حتمية الجوار المباشر))، ثم تطرق ضمن نفس الرسالة إلى التذكير بمرحلة التعاون التي دخل فيها البلدان بعد “اتفاقية إفران”، حيث قال: ((لقد عرفت منطقتنا في تلك الفترة عهدا من الازدهار تمكنا فيه، نتيجة المحن المحلية والعربية، من المساهمة معا وبصورة فعلية، في تحرير شعوب قارتنا والعالم العربي، وفي النهوض بالعالم الثالث في المجال الدولي. إن مثل هذه السياسة كانت تستوجب روح الأخوة وحسن الجوار والتعاون التي كرستها معاهدة إفران، التي نريد هنا أن نؤكد من جديد تعلقنا الراسخ بها.. فهذا الثالوث يعتمد أساسا على السلام الذي هو بدون شك بالنسبة لجلالتكم وبالنسبة لي، لا ينفصل عن العدالة وعن حرية الشعوب)).

وتابع الرئيس هواري بومدين ضمن نفس رسالته، شرح موقف بلاده من أزمة الصحراء، حيث خلط لأول مرة بين اتفاقية 1972 واتفاقية الحدود الموروثة عن الاستعمار، حيث قال في هذا الصدد: ((لقد أتت فعلا اتفاقيات 1972 والصيغة الرسمية التي اتخذها التوقيع عليها على المستوى الإفريقي والمستوى الدولي، لتجاوز ما اتفقنا معا أن نسميه أحداثا عابرة تارة، وأحداثا تاريخية تارة أخرى. ومن أجل تأكيد قوة إيماننا في صواب هذه السياسة، عجلنا فيما يتعلق بنا بالمصادقة على اتفاقيات الرباط بجانبيها الاثنين: إقامة التعاون بصورة رسمية، ووضع الحدود بين الجزائر والمغرب.

وهكذا.. فقد كتب بدون شك صفحة تاريخية كرست عدم المساس بالحدود التي وجدت في بداية الاستقلال، والتي جعلت في نفس الوقت شعبي بلدينا، هذا الجيل والأجيال القادمة، يتفاديان سوء التفاهم والأزمات، وحتى المآسي التي يمكن دائما وقوعها والتي لا يمكن التنبؤ بعواقبها.

فمن وراء التقدير الذي صاغته رفقة الكفاح وإخوة السلاح، فإن العلاقات بين شعبينا والروابط الشخصية مع جلالتكم كانت دائما تغذيها الثقة والنزاهة التي لا تشوبها المجاملة، أي أن كل شيء يخلو من اللبس والرياء والتعرض للشبهات، ومع ذلك، فإنه بالرغم من كل ما قيل وكتب، فإن مسعانا يتميز بالتمسك بروح ومضمون “معاهدة إفران” و”اتفاقيات 1972″، وفي نفس الوقت، بمبدأ حق تقرير مصير الشعب الصحراوي الذي ما انفكت الجزائر بمعية المغرب وموريتانيا، تدافع عنه على مستوى الهيئات الجهوية أو الدولية، إنه لا يمكننا أن نتنكر لهذه السياسة المتأصل في عبقريتها شعبنا وتاريخه مهما كان الثمن.

وبما أن الأمر يتعلق بالتزامات رئيس دولة إزاء شعبه وبلده، فإن جلالتكم تعلم أن أحداثا بالغة الخطورة قد برهنت على رباطة جأشنا في كل المناسبات، وعلى عزمنا على ألا ندخر أي جهد من أجل حفظ شعبينا وقارتنا وعائلتنا الروحية من ويلات محنة تكون حتما محفوفة بالأخطار، ووخيمة العواقب، فقد حان الوقت لنقول من جديد وبصورة علنية، أنه لا يوجد أي نزاع ثنائي بين الجزائر والمغرب، وأنه على شعبينا والعالم كله أن يعرفوا ذلك)).

وتابع بومدين كلامه عن أن الجزائر دولة مبادئ وليست دولة مصالح قائلا: ((حقيقة أنه من الصعب الاختيار بين سياسة المصالح وسياسة المبادئ.. أما فيما يتعلق بالجزائر، فإنها كثيرا ما اختارت على حساب مصالحها الخاصة سياسة المبادئ التي بدونها لم يكن الشعب الجزائري ما هو عليه وما يجب أن يكون. إن التزامنا إزاء تخليص الشعوب من الاستعمار في إفريقيا وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية، لم يتغير، ولا ننوي تغييره)).

وفي ختام رسالته، أكد للملك الحسن الثاني، أن الجيش الجزائري ملتزم بعدم التدخل في المغرب حيث قال: ((إنكم تتحدثون اليوم عن أحداث داخل حدودكم لسنة 1972، التي اعترفنا بها والتي اعترفت بها أيضا إفريقيا والمجموعة الدولية. إنني أؤكد لجلالتكم باسم الروابط الوثيقة التي ستبقى موجودة بين شعبينا، أن أي جندي جزائري لم يجتز الحدود الوطنية بما فيها تلك التي وقعت عليها سنة 1972.

وعلى كل حال، فقد أعلنت رسميا منذ مدة لم تتجاوز بضعة أشهر أمام المجلس الشعبي الوطني، أن القوات المسلحة الجزائرية لن تتدخل في أي حالة من الحالات فيما وراء حدودنا، وأنها باعتبارها الحارس اليقظ على سيادتنا الوطنية وعلى وحدتنا الترابية، ستحرص على رد كل هجوم ضد بلادنا، إن هذا الخط لم يتغير بعد ويبقى على كل حال نزاع الصحراء الغربية وامتدادات كفاح الشعب الصحراوي الذي ما انفككنا نؤمن مع المجموعة الدولية بشرعيته والذي لم يكن تأييدنا له من أسرار الدولة، فهناك قضية سياسية لا يمكن حلها في نظرنا إلا سياسيا.

فإذا كنتم مثلنا تدينون اغتصاب الأراضي بالقوة وترفضون سياسة الأمر الواقع وتؤمنون بحق الشعوب صغيرة أو كبيرة في الوجود، فإننا نكون معا في صف واحد لندخل قارتنا إذا كانت تلك رغبة الآخرين وعلى الأقل بلدينا، إلى الطريق الوحيد الذي يجدر بهم، ألا وهو طريق الوحدة في إطار احترام الفوارق والمؤسسات والاختيارات.

حقيقة أن مثل هذه المهمة ليست سهلة، ولكن هل هي تتجاوز الجهد النزيه والمتظافر للرجال الذين يوجدون على رأس الجيل الذي صنع الاستقلال الوطني في الجزائر وفي المغرب؟ أما أنا، فإنه بودي أن أستمر في الاعتقاد بحكمتكم، وأنه بودي أن أؤكد لكم من جديد أمام الله إيماني الراسخ في بناء مغرب سيحقق مبتغاه لا محالة، عن طريق الحوار واحترام الأفكار وليس عن طريق الخصام واحترام الأسلحة)).

بيان حقيقة من وزارة الإعلام المغربية على محاولة ربط الرئيس الجزائري قضية الصحراء بالقضية الفلسطينية

    أصدرت وزارة الإعلام المغربية بيان حقيقة ضمنته عددا من الملاحظات الأساسية التي أثارتها رسالة الرئيس الجزائري في نفس اليوم الذي بعث فيه رسالته، على اعتبار أن الرسالة التي أجاب بها هواري بومدين عن خطاب الملك الحسن الثاني تستدعي تقديم ملاحظات أساسية:

– أولا: أن الرئيس بومدين تساءل ضمن رسالته هل لا يزال معقولا ربط الاتصال المباشر بين المغرب والجزائر لتصفية الجو السياسي بمنطقة المغرب العربي بعد المواقف الأخيرة التي اتخذها الطرفان كل فيما يخصه بشأن القضية الفلسطينية؟ وأكدت الوزارة أن الرئيس الجزائري بومدين وضع هذا التساؤل وكأن المغرب والجزائر يفصل بينهما جدار سميك في موضوع القضية الفلسطينية، ويجعل حوارهما في قضية التوتر بمنطقة المغرب العربي لا يمر حتما إلا بطريق مسدود.

وضمن نفس البيان، ذكرت الوزارة المغربية أن موقف المغرب واضح بشأن القضية الفلسطينية، وأنه متشبث بقرارات مؤتمر القمة العربية بالرباط الذي انعقد سنة 1974، وهي القمة التي فتحت الباب على عكس مقررات مؤتمر الخرطوم 1967 لمبادرات السلام القائم على العدل، وأعطت النور الأخضر للعمل على تسوية شاملة لمشكل النزاع العربي الإسرائيلي على أساس إنصاف الحقوق العربية المشروعة، وأكدت الوزارة أن المغرب لم يحد قط عن هذه الخطة على عكس الجزائر، التي اعتبرت أن لها الحق في الالتزام بالرفض، وهو موقف تأخذ به أقلية من دول الجامعة العربية التي لا يزال أغلبها في نفس موقف المغرب وفاء لقرارات قمة الرباط، وأضاف نفس البيان، أن إرادة السلام التي للمغرب تجعله يؤمن بمعالجة التوتر السائد في المنطقة بروح إيجابية لا يؤثر عليها أي اختلاف في المواقف مهما كان بالنسبة للقضية العربية.

– ثانيا: جاء في بيان وزارة الإعلام المغربية، أن رسالة الرئيس الجزائري تؤكد تمسك الجزائر بـ”معاهدة إفران” وبـ”أوفاق سنة 1972″، وهي أوفاق تشكل في الحقيقة إطارا للتسوية الشاملة لخلافات الحدود، وتضع الأسس لتجاوزها في إطار تعاون اقتصادي شامل، وأوضحت الوزارة من خلال البيان، أن المغرب تلقى آنذاك جميع الضمانات والتأكيدات من الجزائر بمساندته في استكمال وحدته الترابية واستعادة ما بقي من أجزائه المغتصبة وفي طليعتها الصحراء المغربية، ((فلماذا تنكرت الجزائر بعد هذا لموقفها؟ وما الذي جعلها تلوح بشعارات أخرى تتنافى مع وحدة التراب الوطني وهي التي باركت عزم المغرب وموريتانيا على تحرير الصحراء في مؤتمر نواذيبو وما تلاه من لقاءات؟ وهي التي صرح رئيسها في الرباط بأنه يبارك الاتفاق المغربي الموريتاني، وأنه ليس للجزائر مطمع في الصحراء ولا فوق أرضها ولا تحتها)) على حد تعبيره هو نفسه.

– ثالثا: عبر بيان وزارة الإعلام المغربية عن سعادة المغرب، حكومة وشعبا، أن يرى رسالة الرئيس بومدين تشيد بالتعاون المغربي الجزائري، وما حققه في الماضي من خير لفائدة الشعبين، وأن يطبع تلك الرسالة الحنين إلى ذلك العهد الذي كان، لذلك يسود التعاون علاقات البلدين في عهد تميز بالتفاهم وتظافر الجهود.

ثم أضاف البيان بخصوص هذه النقطة: ((.. إلا أنه من حقنا أن نتساءل: هل يتفق هذا التعاون مع طرد الجزائر لأربعين ألفا من المواطنين المغاربة كانوا يتساكنون مع إخوانهم الجزائريين فوق أرض الجزائر منذ مدة، لذنب واحد هو أنهم مغاربة؟ هذا في الوقت الذي يأوي فيه المغرب جالية جزائرية وفيرة العدد ويمكنها من وسائل العيش فوق أرضه، بل إنه يعامل الجزائريين معاملة تشخص روح الأخوة الصادقة التي يضمرها نحو شعب الجزائر الشقيق، وهل يتفق هذا التعاون مع تنظيم العصابات وتجهيزها بالعتاد لمهاجمة المغرب في عقر داره، والفتك بالأبرياء فوق أرضهم وترابهم، إن الجزائر لا تكتفي بذلك، إنها تبعث بفصائل جيشها النظامي لمهاجمة التراب المغربي الذي لا نزاع فيه حتى من الجزائر لنفسها بمقتضى الأوفاق، التي يقول الرئيس بومدين أنه متشبث بها)).

وبالنسبة للنقطة الرابعة، أكد البيان على أن المغرب مع الرئيس الجزائري في أن مشكل الصحراء يجب أن يحل بوسائل سياسية، غير أن البيان صرح أنه على الرئيس الجزائري والحالة هذه، أن يختار بين الوسائل السياسية وبين وسائل التشجيع على الاعتداء، بل والمساهمة فيه ليكون في ذلك منطقيا مع نفسه ووفيا لتصوراته.

وأخيرا، وضح ذات البيان، أن المغرب منفتح على الحوار وقابل لكل وساطة ومرحب بها، إلا أن ملك المغرب مثل الرئيس الجزائري، له مبادئه ومتشبث بها ويعطيها الأولوية في اختياراته السياسية، وأقدس هذه المبادئ، هي الدفاع عن وحدة ترابه الوطني وسيادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى