ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | عندما دعا الحزب الحاكم في فرنسا إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية

هل يعيد التاريخ نفسه ؟

في منتصف هذا الشهر، وهو الشهر المعروف بـ”كذبة أبريل”، صدر عن حزب الأغلبية في فرنسا بيان أعلن من خلاله عن تأسيس فرعين له بكل من الداخلة وأكادير، وبتأكيد من النائبة البرلمانية ماري كريستين فيردير جوكلاس، نائبة رئيس مجموعة الصداقة الفرنسية المغربية والمتحدة باسم فريق “الجمهورية إلى الأمام” في الجمعية الوطنية، وزميلها جواد بوسكوران، محاور الحزب بمنطقة المغرب العربي وغرب إفريقيا، وفور صدور البيان، غلبت العفوية على وسائل الإعلام الوطنية وهي تحتفي به على اعتبار أن هذه الخطوة ما هي إلا تمهيد للاعتراف الفرنسي الكامل بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، غير أنه تبين فيما بعد، أن “الجنازة كبيرة والميت فأر”، على اعتبار أن الأمر لم يكن يتعدى في الواقع سوى كلاما شاعريا هدفه دغدغة عواطف المغاربة.. فقد كتبت وسائل إعلام مغربية فيما بعد، أن الدولة الفرنسية العميقة والسطحية، لا تزال تضع رأسها في التراب، وربما يوجد بين المسؤولين الفرنسيين من يمني النفس بتراجع أمريكي عن قرار الاعتراف بسيادة المغرب على كامل صحرائه (هسبريس 17 أبريل 2021).

في حين اعتبرت وسائل إعلام أخرى، أن حزب “الجمهورية إلى الأمام” اختار مخاطبة جمهوره في منطقتي المغرب العربي وغرب إفريقيا انطلاقا من المغرب، غير أن الواقع الملموس يؤكد لعب الرئيس الفرنسي على الحبلين بين المغرب والجزائر، لتحصيل الأصوات الانتخابية من كلا البلدين بين المغرب والجزائر، في ظل الغموض الكبير الذي يحول دون تحديد عدد المغاربة والجزائريين بشكل مضبوط فوق التراب الجزائري (الأسبوع عدد 15 أبريل 2021).

تتمة المقال بعد الإعلان

لم تكن هذه هي المرة الأولى في الحقيقة التي يقدم فيها الحزب الحاكم في فرنسا على دغدغة عواطف المغاربة والجزائريين بخصوص قضية الصحراء المغربية، فقد سبقه إلى ذلك الحزب الاشتراكي الفرنسي، غير أن الموقف كان في تلك المرحلة في مصلحة الجزائر وعلى حساب المغرب.. فكيف واجه النظام المغربي حملة الحزب الحاكم في فرنسا؟

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

إجابة الملك عن دعوة الحزب الحاكم في فرنسا إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية

    عاش المغرب في بداية ثمانينيات القرن الماضي، أزمة خانقة على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الداخلي، شهدت أسعار السلع الأساسية ارتفاعا صاروخيا، أما على المستوى الخارجي، فقد كانت مشكلة الصحراء المغربية في أشدها، إضافة إلى أن الجارة الشرقية كانت تمر بأحد أفضل فتراتها على المستوى الاقتصادي منذ تأميم الغاز والبترول انطلاقا من سنة 1979، الأمر الذي حدا بها، وأمام توافر الأموال، إلى الضغط على المغرب في منظمة الوحدة الإفريقية معتمدة في ذلك على القوة المالية الكبيرة التي كانت تتمتع بها.

وغير بعيد عن الجوار، حصل شيء ما في فرنسا حليفة المغرب التقليدية، غير العلاقات بين البلدين كليا، فقد جرت الانتخابات الرئاسية لسنة 1981، وانتهت بفوز فرانسوا ميتران الذي هزم فاليري جيسكار ديستان، صديق الملك الحسن الثاني، وبهذا أصبح فرانسوا ميتران يوم 10 ماي أول رئيس اشتراكي للجمهورية الفرنسية.

وفور فوز الحزب الاشتراكي الفرنسي بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، بدأ يظهر أفق جديد في العلاقات بين المغرب وفرنسا، فقد ظهر تقارب واضح بين الحزب الحاكم الجديد في فرنسا والجزائر، وترجم ذلك بسرعة من خلال دعوة الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي أصبح يتوفر على أغلبية برلمانية جديدة، إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية الذي كانت تنادي به الجزائر وجبهة البوليساريو، وقد كان هذا الأمر بمثابة المنعطف في علاقة الرباط بباريس.

بدأ إذن، مسلسل الشد والجذب بين المغرب وفرنسا، ولم يتأخر المغرب في إبداء رأيه من هذا الموقف الجديد، إذ عقد الملك الراحل الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا يوم 1 يونيو 1981 بالرباط، خصص لقضايا فرنسا وأمريكا وقضية الصحراء، وقد كان من بين أهم القضايا التي تفاعل معها رجال الصحافة، موقف المغرب من دعوة الحزب الاشتراكي الفرنسي لتقرير المصير في الصحراء المغربية، حيث طرح السؤال التالي من جريدة “لاكروا”: “صاحب الجلالة، إن المشاكل المرتبطة بنزاع الصحراء لا تأتي فقط من الدول الإفريقية، ولكنها قد تأتي من بعض الدول الغربية ومن بينها فرنسا، التي تتوفر على أغلبية جديدة، خاصة وأن الحزب الاشتراكي دعا إلى تقرير المصير بالنسبة للصحراويين، فكيف سيكون رد فعلكم إزاء فرنسا؟”، فكان رد الملك كالتالي: ((ليس من الحكمة الخلط بين وضعية داخلية فرنسية وقضية إفريقية، لقد غيرت فرنسا رئيسها، ولكنني لا أظن أنها غيرت سياستها حيال إفريقيا، وإضافة إلى ذلك، وفيما يرجع للصحراء، لا أظن أن الرئيس جيسكار والرئيس الحالي ميتران يختلفان في اعتبار أن المشكل يتطلب حلا سياسيا، لقد كان الرئيس السابق يؤكد لي وجوب إيجاد حل في إطار إفريقي، أضف إلى ذلك، أن الأفارقة أظهروا اقترابا أكثر إلى الواقع، فلو قاموا بتحليل الطبيعة الحقيقية للبوليساريو كمنظمة تحرير، لكانوا قد فهموا أنه لا يتوفر على المعطيات التي تعرف بها منظمات التحرير، ولو عادوا إلى الوراء بضع سنوات، لاتضح لهم أن البوليساريو ظهرت كمنظمة تحرير بعد انسحاب الإسبانيين من المنطقة، ونتيجة لذلك، لم تطلق رصاصة واحدة ضد أي جندي إسباني، وأخيرا كان على الأفارقة أن لا يتركوا لدول أخرى غير إفريقية إمكانية التدخل والاستقرار في القارة)).

وختم الملك جوابه عن هذا السؤال بمحاولة توضيح أنه يجب التفريق بين موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي وموقف الحكومة الفرنسية، حيث عبر عن ذلك قائلا: ((وأكاد أكون على يقين بأنه خلال الاتصالات التي ستتم بيننا، سواء مباشرة أو بكيفية غير مباشرة، فإن الرئيس ميتران يعرف أنه يتكلم من موقع قصر الإليزيه وليس من شارع سولفيرينو، وهذا شيء مهم، خاصة وأن الأمر يتعلق برجل عرف بخبرته السياسية)).

مشكلة المغرب مع الحزب الفرنسي الحاكم وليس مع الحكومة الفرنسية

    وبعد هذه الندوة الصحفية بشهر، عقد الملك ندوة أخرى، خاصة وأن الحكومة الفرنسية أعلنت موقفها من قضية الصحراء، والذي جاء بخلاف موقف الحزب الحاكم، وهنا ظهر أن المشكل لم يكن بين المغرب والحزب الحاكم.

وزكى الملك الحسن الثاني فكرة وجود مشكلة بين المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة الفرنسية، وقد تجسد ذلك في الندوة الصحفية الملكية المنعقدة يوم 2 يوليوز 1981 بالقصر الملكي بالرباط، حيث طرح عليه السؤال التالي: “صاحب الجلالة، لقد عقدتم ندوة صحفية قبل نحو ثلاثة أسابيع، وكان قد وقع تحول حكومي في فرنسا آنذاك، وقد نذهب بعيدا ونقول أنه وقع تحول في النظام في فرنسا، فهل تبدد ذلك القلق الذي أعربتم عنه وقتها بكيفية ضمنية؟”، فأجاب الملك بوضوح قائلا: ((الحقيقة أن القلق الذي خامرني غداة تغيير رئيس الجمهورية، لم يكن مصدره رئيس الجمهورية نفسه، ولكن حزبه أو أجنحة من حزبه كانت لها مواقف مجسمة بذهابها إلى الجزائر والتقائها ببعض الأشخاص، إنني كنت أعلم علم اليقين بخصوص ميتران- وكنت أعرفه منذ سنة 1956- أن السيد ميتران المعارض لن يكون هو السيد ميتران رئيس الجمهورية الفرنسية، ثم إن هذا القلق والارتباك أو الشك، لم يدم سوى بضعة أيام ثم سجلت فرنسا موقفها في رسالة من أربع صفحات واضحة لا تردد فيها بخصوص موقف الحكومة الفرنسية، وكنت فعلا أخشى أطرافا معينة من الحزب الاشتراكي، لكنها أطراف ليست من الدرجة العليا)).

وحول نوع علاقته بالرئيس الجديد، خاصة وأن الرئيس السابق جيسكار ديستان كان صديقا للملك، وعن إمكانية أن يكون الرئيس الجديد صديقا له، صرح الحسن الثاني أنه إذا أراد فرانسوا ميتران أن يصبحا أصدقاء، فإنه يقبل ذلك بكل ما يكنه له من تقدير، لأن الرئيس الفرنسي هو الأكبر سنا، وتابع الملك حديثه بأنه لا يرى أي سبب يمنع من أن يصبحا صديقين، على اعتبار أنهما يشتركان في العديد من الهوايات، فهما يحبان معا التاريخ والثقافة ويؤمنان بالإنسانية، وعن معرفته بفرانسوا ميتران، أوضح الملك أنه يعرفه منذ سنة 1956، ثم انقطعت أخبار بعضهما عن بعض لأسباب يجهلها الملك.

فرانسوا ميتران

وقاحة الحزب الاشتراكي الفرنسي في مخاطبة المغرب

    لم يمض كثير من الوقت على بداية الصراع بين النظام المغربي والحزب الاشتراكي الفرنسي، حتى دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى شن إضراب عام يوم 20 يونيو 1981، بسبب الارتفاعات الصاروخية في أسعار السلع الأساسية، وجراء ذلك، عرفت مدينة الدار البيضاء أحداثا دامية، وطالت حملة القمع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث تم القبض على قادة المنظمتين ومحاصرة مكاتبهم، كما تم توقيف جريدتي الحزب الناطقة بالعربية وهي “المحرر” و”ليبراسيون” لسان حال الحزب بالفرنسية بتاريخ 5 شتنبر.

كما جرى بالموازاة مع ذلك، تطور جديد على المستوى الخارجي، فقد وافق المغرب على مخطط لمنظمة الوحدة الإفريقية، أثناء انعقاد قمة المنظمة في العاصمة الكينية نيروبي، على شروط إجراء استفتاء في الصحراء المغربية، وقد أعرب وقتها المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن تحفظات بشأن قبول هذا الاستفتاء في بيان مؤرخ بـ 5 شتنبر 1981.

وعلى إثر ذلك، ألقي القبض على عبد الرحيم بوعبيد وأعضاء المكتب السياسي للحزب وحوكموا، وأثناء المحاكمة، قال عبد الرحيم بوعبيد: ((هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر ونحن نقول: رب السجن أحب إليّ من أن ألتزم الصمت وألا أقول رأيي في قضية وطنية مصيرية..)) فصدر الحكم على عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد لحبابي بالسجن لمدة سنة حبسا نافذا، ونقل الثلاثة إلى معتقل إقليم ميسور بعد احتجازهم لمدة شهر في سجن لعلو بالرباط.

كان الحزب الاشتراكي الفرنسي ينتظر الفرصة السانحة لمهاجمة النظام المغربي، ولم يجد أفضل من هذه، لذلك أصدر بلاغا نشره يوم 9 شتنبر 1981، طالب من خلاله بإلحاح بإطلاق سراح عبد الرحيم بوعبيد وبقية أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن هذا البلاغ لم يكن كباقي البلاغات، فقد جاء فيه أن ((الإفراج عن المعتقلين المذكورين سيقيم أمام الحزب الاشتراكي الفرنسي البرهان على أنه لا تزال بالمغرب بعض أثار نظام ديمقراطي للحكم))، وهكذا يظهر من خلال المفردات المستعملة، أن الحزب الحاكم في فرنسا استعمل مفردات لا تليق بمخاطبة دولة لها سيادتها.

لم تتأخر الحكومة المغربية في الرد، فقد نشرت تصريحا يوم 10 شتنبر 1981، ردا على بلاغ الحزب الاشتراكي الفرنسي، اعتبرت من خلاله أن ((هذا التدخل، سواء بالنظر إلى حجمه أو إلى جسارة صيغته، يستدعي من قبل الحكومة المغربية تقديم بعض الملاحظات حوله وكانت كالتالي:

أولا: إن المغرب لا يقبل بتاتا أي خرق لحرمة مبيتة وأي تدخل في شؤونه مهما كان البلد المسؤول عن ذلك، اللهم إلا إذا لحق ضرر أو كاد بالمصالح الحيوية أو المعنوية أو المادية لذلك البلد.

ثانيا: تلاحظ الحكومة المغربية بأسف عميق، أن الحزب الاشتراكي، إذ يستعمل عبارة “المطالبة بإلحاح” يتخذ في ذات الوقت موقفا منافيا للواقعية، وموصوفا بجهل تام للقواعد والأعراف الجاري بها العمل في العالم.

ثالثا: يحق للحكومة المغربية – وهذا أقل ما يمكن أن يقال – أن تتساءل باستغراب صادق كيف أجاز الحزب الاشتراكي الفرنسي لنفسه أن يدافع دفاعا أعمى ومسبقا وغير منطقي عن موقف مناهض للاستفتاء في الصحراء المغربية؟

رابعا: إن الحكومة المغربية فيما يخصها، تتأسف بصدق لهاته المجاملة التي لا موضوع لها والتي تثير الأسى، وتأمل سياسيا أن يتخلى الحزب الاشتراكي عن أسطورة ازدواجيته الشخصية، وذلك لخير العلاقات المغربية الفرنسية)).

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل حصل تطور آخر زاد الشك في وجود أزمة بين البلدين، فقد أعلن الرئيس الفرنسي عن قيامه بزيارة إلى الجزائر كأول بلد يقوم بزيارته، وهو عكس ما كان يفعله الرؤساء الفرنسيون السابقون، وصادف هذا المستجد انعقاد مؤتمر القمة الثاني عشر بالمغرب، وعندما عقد الملك مؤتمرا صحفيا على هامش المؤتمر، يوم 27 نونبر 1981، وجه له أحد الصحفيين سؤالا مستفزا وهو كالتالي: “صاحب الجلالة سيقوم الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بعد يومين بزيارة للجزائر، فهلا تشعرون بخيبة أمل لأنه يزور الجزائر أولا وربما بعد ذلك المغرب، وهل تظنون أنه بإمكان فرنسا القيام بدور في إحداث تقارب جزائري مغربي من شأنه أن يضع حدا لنزاع الصحراء المغربية؟“، فأجابه الملك الحسن الثاني بطريقة مشابهة للسؤال أو أكثر، قائلا: ((لماذا سأغار من ذلك؟ فالرئيس الفرنسي لا يعيش بين خليلاته، إنه يزور من يشاء، بل إنني تمنيت أن يبدأ بالجزائر، وسواء بدأ بزيارة المغرب أو الجزائر، فلا يمكنه أن يتحدث لهذا الجانب أو ذاك إلا عن السلام والتفاهم والتعاون، وخلال حملة الرئيس الفرنسي الانتخابية، تحدث عن زيارة الجزائر، فمن الطبيعي كما قال ذلك بنفسه، أن يلتزم بالوعود التي قدمها المرشح ميتران، وبعد هذا، يمكنني القول إننا نتحادث إما هاتفيا أو بواسطة مبعوثين شخصيين، حيث تجمعني والرئيس الفرنسي علاقات متقاربة، وعلاقات خاصة من الوجهة السياسية إذا أمكن التعبير بهذه الطريقة)).

الراحل عبد الرحيم بوعبيد

عندما طلب الملك من الحزب الاشتراكي الفرنسي التوقف عن مطالبته بالعفو عن عبد الرحيم بوعبيد

    من أجل إزالة الشكوك وإظهار أن المشكلة بين المغرب وفرنسا هي فقط بينه وبين الحزب الاشتراكي الفرنسي وليس مع الحكومة، قام الملك الحسن الثاني بزيارة إلى فرنسا يوم 26 يناير 1982، وفور وصوله إلى قصر الإليزيه، عقد لقاء مع الرئيس الفرنسي استمر لمدة خمسين دقيقة، وبعد ذلك، أدلى بتصريح لرجال الصحافة كان من بين أهم ما جاء فيه: ((أتحدى أيا كان أن يعثر على مثقال ذرة من الغيوم بين ملك المغرب ورئيس الجمهورية الفرنسية السيد فرانسوا ميتران، منذ انتخابه على رأس أعلى سلطة تشريعية))، وأضاف الملك أنه لم يسبق أن غيمت السحب سماء العلاقات بين رئيسي الدولتين، كما أوضح أنه تباحث مع الرئيس الفرنسي في إمكانية وجود أي نزاع بين البلدين، غير أنه لم يعثر على شيء، ثم صرح أن ((قضية الصحراء المغربية من المقرر مناقشتها مساء)).

وعند نهاية رحلة الحسن الثاني لفرنسا يوم 29 يناير 1982، عقد مؤتمرا صحفيا بمدينة باريس، لتقديم أهم ما خرجت به الزيارة الملكية إلى فرنسا، وكان من بين الأسئلة التي طرحت على الملك، هو ما إذا كانت قضية بوعبيد قد سممت العلاقات المغربية الفرنسية في بداية عهدة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران؟ فأجاب الملك مؤكدا أنه ((على مستوى الرئيس الفرنسي وبالنسبة لي أنا شخصيا، لم يتم التعرض لقضية بوعبيد، إن الرئيس بوصفه رئيسا للدولة ورجل دولة، يعرف بشكل دقيق الفرق بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، إنني لا أرفض التعرض لأي مشكل ولو كانت المشاكل خاصة على أساس أن يكون ذلك على نفس المستوى، وأظن أن المشاكل الخاصة المغربية أو الفرنسية يجب معالجتها بين ملك المغرب ورئيس الجمهورية فقط، لكن في قالب لا علاقة له باستعمال مفردات، كأريد أو أريد بإلحاح أو أرفض، وهي مفردات أجهلها كما يجهلها السيد الرئيس، ولهذا فنحن لم نجتمع للتحادث حول السيد بوعبيد، ولو حدث ذلك فعلا، لكان الحديث عن السيد بوعبيد حقيقة حديثا محدودا)).

كما طرح على الملك سؤال حول الأسباب التي جعلته ابتداء من 10 ماي 1981 ينتقد الحزب الاشتراكي الفرنسي، فقال: ((ليست عندي في الحقيقة مآخذ على الحزب الاشتراكي ولا على الصحف الاشتراكية.. إننا من اليوم الذي فتحنا فيه أعيننا على السياسة النشيطة، أي منذ سنة 1958، واليمين يأخذ بزمام الحكم، كنا والحالة هذه معتادين على نوع ما من تصريف الأمور، أما اليسار، فليست لديه ممارسة في المشكلات الدولية، لذا فعليه أن يتعلم – لا أقول حتى أحرج شعور أحد – أن يتعلم من رؤساء الدول، ولكن من الشعوب نفسها، فيتعين علينا في رأيي أن نترك للحزب الاشتراكي وللصحف الاشتراكية الوقت حتى يمارسوا الشؤون السياسية ويتفهموا العلاقات الإنسانية بين الأقطار وبين الأحزاب السياسية، وإذا لم يحدث التناوب، فذلك ليس راجعا إليه، بل مرده إلى الفرنسيين أو إلى الحزب الاشتراكي، وعلى أية حال، كان التعاقب على الحكم سيحصل كل سبع سنوات وكان سيكون ذلك خيرا للفرنسيين ولأصدقائهم)).

سؤال آخر جاء بصيغة استعطاف من الصحفي كريستيان بوكي عن القناة “الفرنسية الأولى”، بشأن إمكانية صدور عفو عن عبد الرحيم بوعبيد؟ أجاب الملك بأن ((كل الذين تدخلوا في هذه القضية، إنما فعلوا ذلك بطبيعة الحال رجاء صدور هذه المبادرة بالعفو، وأطلب منهم أن يصوموا عن الكلام بعض الوقت، ربما جاء بعده العفو، أما إذا استمر الكلام في هذا الموضوع، فإن ذلك سيؤخر موعد العفو))، ثم تطرق الصحفي جان مورياك عن وكالة “فرانس بريس”، إلى نجاح زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى الجزائر، وتصريح أحد المسؤولين الفرنسيين بأن فرنسا قلبها مع الجزائر، وسأل الملك عن شعوره وهل يحس بخيبة أمل من ذلك؟ فأجاب الملك قائلا: ((لا شعور لدي في هذا الموضوع، وأظن أن الرئيس ميتران من حقه أن يميل قلبه حيال الدولة التي يختارها، فموضوعيا، لم تضايقني هذه الرحلة، وأظن أنه سبق لي أن قلت في ندوة صحفية: “إننا نحن معشر الدول الإفريقية، لا نحسب أنفسنا وكأننا خليلات لرئيس الجمهورية الفرنسية”، لذلك فنحن لا نشعر بالغيرة، فالأهم هو أن تسير الأمور على أحسن ما يرام على أن يزورنا وتتدهور الأمور، لكن، ولله الحمد، سيقوم الرئيس بزيارتنا وستسير الأمور إلى الأحسن، بل إنها تتطور فعلا من حسن إلى أحسن، إنني أتمنى استقبال الرئيس بعد سنة من تحمله المسؤولية عوض ثلاثة أشهر، إنه في سنة يكون مطلعا أكثر على ملفاته)).

وخلال نفس اليوم، أدلى الملك بحديث صحفي لإذاعة “فرنسا الدولية”، ومرة أخرى طرح عليه من طرف المحاور السؤال التالي وبصيغة فيها نوع من الوصاية: “أعتقد أنه لا يخفى على أحد أن فرنسا تنتظر منكم إصدار عفوكم عن المعارضين المسجونين؟“، فكان جواب الملك بنفس صيغة السؤال: ((لا أرى سببا لحرص فرنسا على ذلك، لأنني لا أعتقد أن لها وصاية تمارسها، وإني أؤكد لكم أن الأمر مضر جدا بالمسجونين، فباستمراركم في المطالبة بإطلاق سراحهم، لا تسدون إليهم معروفا، ذلك أن ستة أشهر يستطيعون إنهاءها، ولكن ماذا بعد ذلك، أفلا تبقى مشكلة ما يقال عن تدخلكم؟ إنها قضية مغربية يجب ترك تسويتها للمغاربة، فملك المغرب أب للجميع، وهو أدرى من غيره بمعرفة الوقت المناسب لإصدار عفوه)).

هكذا.. فقد كان انتخاب فرانسوا ميتران رئيسا لفرنسا، بمثابة بداية صراع بين الملكية في المغرب والحزب الاشتراكي الفرنسي، وهو صراع استمر من سنة 1981 إلى سنة 1995، عندما صعد إلى سدة الحكم رئيس فرنسي جديد هو جاك شيراك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى