ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هل تمهد التغييرات القضائية لحملة تطهير كبرى ؟

مشروع الحسن الثاني في عهد محمد السادس

كثر الحديث مؤخرا، وبدرجة كبيرة، عن ضرورة فتح التحقيق في الصفقات العمومية، وخصوصا خلال جائحة “كورونا”، وبدأت بعض المطالب المنادية بضرورة التحقيق في صفقات بعض الوزارات، على رأسها وزارة الصحة، بما أن الأمر يتعلق بصفقات بالمليارات، كما دخلت العديد من أحزاب المعارضة على الخط مطالبة بفتح تحقيق، وبدأ الضغط على المنتخبين المحليين من خلال عمليات الافتحاص التي يقوم بها قضاة المجلس الأعلى للحسابات في ظل مطالب بتشديد المراقبة على المال العام، وبين الفينة والأخرى، نسمع عن عملية بحث في صفقات ومالية بعض المؤسسات العمومية.

وفي خضم هذه المطالب، قام الملك محمد السادس بتعيينات جديدة همت السلطة القضائية، وقد وصفت بالزلزال القضائي، وهو ما يوحي بوجود توجه جديد نحو تشديد المراقبة على المال العام.. فهل سيشهد المغرب حملة تطهير جديدة في صفوف المنتخبين المحليين وناهبي المال العام ؟

تتمة المقال بعد الإعلان

ومن هذا المنطلق، لابد من استحضار حملة التطهير الأولى بما لها وما عليها.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

 

تعيينات ملكية جديدة وتوجيهات بضرورة تشديد المراقبة العليا على المالية العمومية

    شهد المغرب في الأيام القليلة الماضية، حركية كبيرة تهم المناصب العليا، بدء من منع مصطفى الباكوري، الرئيس السابق لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس وكالة “مازن” للطاقة، من مغادرة التراب الوطني، وقالت مصادر إعلامية أن ذلك مرتبط بتورط هذا الأخير بالتخابر مع ألمانيا حول مشاريع المملكة للطاقة الشمسية بالتزامن مع قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع جمهورية ألمانيا الاتحادية، وقد سبق ذلك بأيام، قيام الملك محمد السادس بتعيينات جديدة همت سلك القضاء ومجلسي المحاسبة والمنافسة، فبخصوص الجسم القضائي، عين الملك محمد عبد النباوي رئيسا أول لمحكمة النقض، وبهذه الصفة، أصبح رئيسا منتدبا للسلطة القضائية بدلا من مصطفى فارس، وقالت مصادر إعلامية، أن هذا التغيير جاء بفعل تفاقم الخلاف في صفوف القضاة، وتغول بعضهم في بعض الحالات، حيث لم يكن للرئيس حضور كبير فيما يتعلق بالردع (المصدر: الأسبوع عدد 25 مارس 2021)، وشمل التغيير على مستوى الجسم القضائي، تعيين الحسن الداكي وكيلا عاما للملك لدى محكمة النقض، وبهذه الصفة رئيسا للنيابة العامة، وتم أيضا تعيين أحمد رحو رئيسا لمجلس المنافسة خلفا لإدريس الكراوي، وذلك بعد رفع تقرير اللجنة الخاصة المكلفة من قبل الملك محمد السادس بإجراء التحريات اللازمة لتوضيح وضعية الارتباك الناجم عن القرارات المتضاربة لمجلس المنافسة بشأن مسألة وجود توافقات محتملة في قطاع المحروقات، الواردة في المذكرات المتباينة التي تم رفعها إلى الملك في 23 و28 يوليوز 2020.

كما استقبل الملك في ذات اليوم، زينب العدوي، وعينها في منصب الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات خلفا لإدريس جطو، وذكر بيان الديوان الملكي أن العاهل المغربي زود الرئيسة الجديدة بتوجيهاته قصد الحرص على قيام هذه المؤسسة بمهامها الدستورية، لاسيما في ممارسة المراقبة العليا على المالية العمومية، وفي مجال تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة.

وقد أكدت العديد من المصادر الإعلامية، أن هذه التعديلات الملكية التي همت العدالة في المغرب، توحي بإرهاصات توجه جديد متسم بالصرامة في معالجة الملفات، لا سيما بعد ترقية الوالي زينب العدوي من مفتشة بوزارة الداخلية إلى رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، وهي ابنة الدار التي تعرف كل كبيرة وصغيرة، خاصة وأنها راكمت ملفات كثيرة عن خروقات المنتخبين، حيث تتوقع عدة مصادر حدوث زلزال سيلحق بالمنتخبين المتورطين في الخروقات، في زمن الجائحة وقبله، خاصة وأن هذه التغييرات القضائية تتزامن مع التحضير لأكبر عملية انتخابية في تاريخ المغرب، ومن المرجح أن تساهم التغييرات الجديدة في ضمان نجاح أكبر للتنافس بين المنتخبين (نفس المصدر).

يوحي هذا الأمر بحملة واسعة تلوح في الأفق في حق مبذري وناهبي المال العام، لذلك لا بأس من التذكير بحملة التطهير الأولى التي وقعت على عهد الملك الحسن الثاني أواسط تسعينيات القرن الماضي، والتذكير بأهم المشاكل التي وقعت فيها وأهم الاختلالات التي ارتكبت أثناءها.

ضرب سمعة المغرب وسمعة الملك وراء حملة التطهير

    في بداية تسعينيات القرن الماضي، وجد المغرب نفسه في وضع لا يحسد عليه، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فعلى الصعيد السياسي، كان المغرب يعاني أزمة سياسية داخلية خانقة أدت إلى أحداث 1990 بفاس وبعض مناطق المغرب، إضافة إلى استمرار الصراع السياسي بين أحزاب المعارضة القوية والملكية، ففيما يخص الأوضاع الاجتماعية، كانت البلاد تعاني من أزمة بطالة وصلت إلى 20 في المائة من السكان النشيطين، أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كانت سمعة المغرب دوليا على المحك، بسبب الانتقادات الموجهة إليه من كون أن الاقتصاد المغربي تطغى عليه تجارة التهريب التي كانت تضر بالاقتصاد وسمعة البلاد على المستوى الخارجي، وأصبح الأمر يتم تداوله بشكل واسع على المستوى الدولي.

ولم يتوقف الأمر عند الانتقادات الموجهة للدولة من طرف المنظمات الدولية، بل إن عددا من المسؤولين في عدة بلدان، أصبحوا يخبرون الملك الحسن الثاني بذلك مباشرة، فقد قيل إن الملك أخبر وزراءه بالمآل الذي صارت عليه الأمور في المغرب، حيث أكد في أحد الاجتماعات الوزارية المصغرة، أن ((مدير الجمارك الفرنسي على عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك، أخبره أن جهاز الجمارك في المغرب فاسد))، وأضاف الملك خلال نفس الاجتماع، أن ((مسؤولي عدد من الدول يتحدثون عن مظاهر الفساد في دواليب الإدارة المغربية)).

ومما زاد الطينة بلة، إقدام إحدى الجرائد الإسبانية، وهي صحيفة “دياريو 16″، على نشر مقال يوم 18 دجنبر 1995، تتهم من خلاله الملك الحسن الثاني بالتورط في تهريب المخدرات، وهو الأمر الذي جعل الملك يقدم على رفع دعوى قضائية ضدها بالمحاكم الإسبانية، بتهمة المساس بشرف الملك.

وأمام استشعار الملك خطورة الوضع على الاقتصاد المغربي، قرر أن يقوم بإجراءات تهدف إلى وضع حد للفساد المستشري في البلاد، كان أبرزها إصدار دورية بتاريخ 17 دجنبر 1994، تدعو إلى وضع حد للتهريب وممتهنيه، كما تم تشكيل لجنة تضم ممثلين عن السلطات العمومية والجمارك ومصالح قمع الغش، غير أن الأمر لم يلق أذانا صاغية.

وقد عجل فشل هذه الإجراءات، بأن يقدم الملك الراحل الحسن الثاني على خطوة جديدة، تجلت فيما سمي بـ”حملة التطهير” التي اختار لها منتصف سنة 1995، وكان على الملك أن يختار من يقوم بهذه العملية، وقد وقع اختياره على الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي، خصوصا وأن هذا الأخير سبق له أن حدث الملك بضرورة القيام بإجراءات من أجل وقف تجارة التهريب.

وفي شهر يونيو 1995 استقبل الملك أربعة وزراء، كان من بينهم الوزير الأول عبد اللطيف الفيلالي، وطلب منه أن يشرف بنفسه على الملف، إلا أن الوزير الأول اعتذر، بداعي أن حالته الصحية لا تسمح له بمتابعة الموضوع، مما دفع بالملك إلى الإشراف على العملية بشكل مباشر، قبل أن يكلف وزير الداخلية إدريس البصري، الذي كان يعتبر أقوى الشخصيات السياسية في المغرب في تلك المرحلة، واختار إلى جانبه إدريس جطو ومحمد القباج وزير المالية في تلك المرحلة، ليقوموا بالإعداد التقني للعملية، غير أن إدريس البصري كان أقوى وأكثر من تحكم في هذا الملف، بالنظر للصلاحيات التي كان يتمتع بها كوزير لأم الوزارات.

الملك محمد السادس أطلق مؤخرا سلسلة تغييرات على مستوى مواقع المسؤولية في القضاء

هكذا أفسد إدريس البصري حملة التطهير

    انطلقت حملة التطهير في صيف 1995، وهي أكبر حملة تقوم بها الدولة في تاريخها من أجل تجفيف منابع الفساد والتهريب وتجارة المخدرات، بدأت بسلسلة اعتقالات في صفوف التجار ورجال الأعمال طيلة الستة الأشهر الأخيرة من هذه السنة.

ومع بداية سنة 1996، عرضت على المحكمة يوم 8 يناير 1996، أول الملفات، ويتعلق الأمر بـ 17 تاجرا في درب عمر بالدار البيضاء، تابعتهم محكمة أنفا بالتهم التالية: حيازة بضاعة بدون سند، حيازة بضائع مهربة، واستيراد بضاعة بدون ترخيص.

ورغم أن الحملة لم يمض على بدايتها إلا ستة أشهر، إلا أنه بالموازاة مع عرض أول الملفات، تفجرت ضجة واسعة تتعلق بأسلوب تدخل اللجان المحلية، ومن أبرز القضايا التي أثيرت، إجراء تفتيش المخازن ليلا في غياب أصحابها، واعتقال التجار رغم تقديمهم وثائق تثبت حيازتهم القانونية للسلع، واستمرار التحقيقات لأيام متواصلة في غياب أبسط شروط المحاكمة العادلة، كما تم الحديث بقوة عن استعمال وسائل التعذيب لانتزاع الاعترافات.

وهكذا، فقد دخلت العديد من الأصوات الحقوقية على الخط، وبدأت تنادي بضرورة توقيف هذه الحملة، إذ لم تكد تمر سوى 20 يوما على عرض أول الملفات على المحكمة، حتى أرسلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان يوم 26 يناير، رسالة إلى الوزير الأول، تناولت مختلف الخروقات التي صاحبت عمليات التفتيش والاعتقال والمحاكمات وانتقدت تدبير هذا الملف.

كما ظهرت أصوات من داخل الحكومة، تعبر عن عدم رضاها عن كيفية تدبير الملف، وكذلك الانحرافات التي رافقت عمل اللجن المحلية، ولعل أبرزها محمد زيان، الوزير المنتدب لحقوق الإنسان، الذي اضطر إلى إعلان استقالته على المباشر في برنامج تلفزي، احتجاجا على الطريقة التي يسير بها وزير الداخلية ملف القضاء على التهريب.

ورغم الضجة الإعلامية التي أحدثتها حملة التطهير، إلا أن وزير الداخلية إدريس البصري، خرج غير ما مرة أمام الرأي العام، للتأكيد على أن لا شيء سيفرض وقف الحملة التي أطاحت بمئات التجار الصغار والمتوسطين، وجرّت معها كذلك شخصيات بارزة من ضمنها المدير العام للجمارك، علي عمور، والمدير العام السابق وممثل الإدارة في اللجنة الوطنية لمحاربة التهريب، وقد وصل عدد الموقوفين في وقت قصير إلى أزيد من 1200 موقوف.

ومن بين التصريحات التي ألقاها البصري خلال الحملة التطهيرية، ما قاله أثناء ندوة صحافية عقدها بمناسبة اجتماعه مع لجنتي الداخلية والمالية في البرلمان، من كون ((الدولة عازمة على الاستمرار في الحرب ضد تهريب السلع والمخدرات بلا هوادة، وأن إجراءات البحث تحترم المساطر القانونية))، ولكي يضفي البصري الشرعية على حملته التطهيرية ويكسبها مزيدا من الدعم الشعبي، ويرد على المنادين بضرورة توقيفها، قال للحاضرين: ((إذا كان هناك متطرفون في الليبرالية وفي حقوق الإنسان، فأنا أتساءل: أين هي حقوق المستهلك؟)).

إدريس البصري حوَّل الحملة التطهيرية إلى حسابات شخصية

 

تدخل ملكي وعفو شامل عن رجال الأعمال المعتقلين في حملة التطهير

    مع استمرار حملة التطهير، رغم الاختلالات الكبيرة التي شابتها، فقد بدأ ينظر إليها على أنها خرجت عن المسار الذي رسم لها والهدف منها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن وزير الداخلية أحكم قبضته بشكل كلي على الملف.

وهنا أصبح من الضروري تدخل الملك، خاصة وأن رجال الأعمال المغاربة دخلوا في مرحلة من الشك، وأصبحوا يرون أنهم مهددون في كل لحظة، بل إن الأمر وصل إلى درجة شل حركة ميناء الدار البيضاء، حيث امتنع رجال الأعمال المغاربة عن إدخال سلعهم خوفا من المصادرة، وكان من نتائج ذلك، تراجع حاد في مداخيل الميناء.

ولمواجهة ما وصلت إليه الأوضاع بالبلاد والعباد، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني، يوم 26 مارس 1996، وفدا عن الاتحاد العام لمقاولات المغرب بالقصر الملكي بالرباط، ضم كلا من رئيس الاتحاد المغربي لمقاولات المغرب عبد الرحيم الحجوجي، إضافة إلى كل من بنكيران، وحسن الشامي، وعمر عمراوي، وسعد الكتاني، وحسن العلمي، وكامل بنجلون، ومحمد عبد القادر بلعربي، ومحمد الحلو، ألقى الملك كلمة جاء فيها: ((وما استقبالنا لكم اليوم إلا دليل على رضانا على ما ننتظره منكم، وعلى كوننا نعتبر أنفسنا أعضاء في طاقم واحد لنربح الرهان، فالرهان واحد، وهو رهان اقتصادي ورهان اجتماعي، رهان كرامة بالنسبة للمغرب)).

تدل هذه العبارات على أن عاهل البلاد عمل على تلطيف الأجواء مع رجال الأعمال المغاربة، ومما يدل على ذلك، أنه ترأس جلسة العمل هذه مع الوفد المذكور بحضور مستشاريه إدريس السلاوي وأندري أزولاي دون حضور إدريس البصري المسؤول الأول عن الملف.

لم يمض كثير من الوقت على الإشارة الملكية المطمئنة لرجال الأعمال المغاربة، حتى أعقبها أول حديث ملكي عن حملة التطهير، حيث أدلى الحسن الثاني، يوم 2 ماي 1996، بحديث للقناة التلفزية الفرنسية “فرانس 2″، وحاوره الصحفي ألان دوهاميل، وكان من بين أهم المواضيع التي تم طرحها على عاهل المغرب السؤال التالي: “شرعتم في حملة تطهير واسعة النطاق يشهد الجميع بحزمها، فهل ستطال الجميع ولن تستثني أحدا مهما يكن مستواه الاجتماعي ووضعه السياسي والحماية التي قد يكون يتمتع بها؟”، فكان جواب الملك كالتالي: ((يجب الاعتراف أن الرشوة ليست وليدة اليوم، فهي موجودة منذ القدم، فالرشوة والتجارة غير المشروعة قديمتان قدم التجارة نفسها ولا يمكن أن يكون هناك مرتشون دون وجود راشين، فمن غير الوارد بالنسبة لي أن أصبح بمثابة “دون كيشوط”، إن ذلك لن يعدو أن يكون مضيعة للوقت وصدمة للسكان، إلا أنه مع ذلك، يتعين من حين لآخر تذكير الناس بأن هناك قوانين وقواعد وسلوكا، لاسيما وأن الرهان الذي نخوض غماره هو رهان المنافسة الحرة، ثم مع “الغات” رهان الجودة ورهان احترام القانون في المعاملات وفي التجارة، فلا يمكننا التعامل مع الدول الكبرى ونحن نتصرف تصرف الصغار))، لذلك يفهم من تعبير الملك، أن حملة التطهير شارفت على النهاية، وأن الأمر يتعلق بتذكير رجال الأعمال بوجود قوانين لابد من احترامها، أما المحور الثاني، فكان يتعلق بالحملة الموازية التي كانت الدولة تشنها على المخدرات، حيث طرح عليه المحاور سؤالا آخر قائلا: “هناك حملة أخرى تشنونها، هي حملة محاربة المخدرات، فهل لديكم الانطباع بأنكم تحققون أهدافكم في هذا المضمار، وهل تستطيعون الآن منع الإنتاج المحلي من المخدرات؟”، وقد أجاب الملك بالتالي: ((لا، لأنه بالنسبة للإنتاج المحلي، يتعين القيام بعملية تحويل، فنحن نبذل قصارى جهدنا في هذا الصدد، ونأمل أن تساعدنا أوربا في هذا المسعى، وقد أثرنا ذلك مرارا مع الأوروبيين، وخاصة مع فرنسا، لقد وضعنا حدا لمروجي المخدرات، ولو تشكلت شبكات أخرى، فسيكون لنا الوقت نحن أيضا لمواجهتها))، أعقبه سؤال يتعلق بالوقت الذي يتطلبه القضاء على الإنتاج المحلي، فأجاب الملك بأن ((الأمر قد يتطلب ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات))، كما سأله صحفي “فرانس 2”: “هل يتطلب الأمر مجهودا داخليا أم مساعدة أجنبية؟ فأوضح الملك أن ((الأمر يتطلب مساعدة خارجية، لأن الأمر يتطلب تحويل نشاط منطقة كاملة بالمملكة)).

لم يكتف الملك بهذا التصريح المقتضب حول حملة التطهير، والحرب على المخدرات، فبعد شهر تقريبا من الحوار الصحفي السابق ذكره، خص الحسن الثاني الأجهزة الإعلامية الألمانية بحديث مطول، يوم 31 ماي 1996، ومن بين القضايا التي أثيرت حملة التطهير، حيث طرح عليه السؤال الآتي: “تقوم حكومتكم حاليا بحملة واسعة النطاق ضد الرشوة والمخدرات والتهريب، هل ترون أن النتائج المحصلة مرضية؟ وهل هذه الحملة ستتواصل؟”، فكان جواب الملك إشارة قوية لرجال الأعمال المغاربة بنهاية حملة التطهير، حيث قال: ((إن الغاية من كل هذه العمليات، ليست الزجر فقط، فمنطق هذا التطهير هو قبل كل شيء اقتصادي وأخلاقي، ولكن لا يمكن أن نستمر في محاكمات كثيرة، فهذا غير ممكن، الذي يجب الآن هو الانتقال إلى المرحلة الثانية، مرحلة التهذيب، إذ يتعين على رجال الأعمال والتجار ببلدنا، صغارا كانوا أو كبارا ومتوسطين، وعلى رجال الصناعة، أن يدركوا أنه مع المنظمة العالمية للتجارة ومع اتفاقية الشراكة بيننا وبين أوروبا، سنكون خاضعين لقواعد جديدة تتمثل في التنافس والشفافية وحقيقة الأسعار والجودة، إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا، ولهذا فقد لفتنا الانتباه، ربما بشيء من الشدة، لحالات واضحة بشكل صارخ كان يصعب غض الطرف عنها، لكننا نعتقد أننا قمنا في نفس الوقت بعمل بيداغوجي، ونأمل أن يفهم الجميع، وعلى أية حال، فقد استقبلت مسؤولي أوساط رجال الأعمال وشرحت لهم كل ذلك، وتحدثنا بكل صراحة وطلبت منهم مساعدتي على القيام بهذا العمل البيداغوجي، لأننا لا يمكن أن ندخل المنافسة الدولية إذا لم نكن قادرين عليها، وإذا لم تكن لنا منتوجات ذات جودة وإذا لم نكن نتحلى بالشفافية، ويتعين من حين لآخر التحرك على نطاق واسع، لينتبه الناس وينضبطوا)).

وبخصوص موضوع المخدرات، والإجراءات التي من شأن المغرب أن يتخذها في هذا المجال، كان جواب الملك كالتالي: ((يتعين أن نتفق أولا على شيء، وهو أن المغرب ليس منتجا لمخدرات قوية، فنحن لا ننتج الكوكايين ولا الأفيون، وفيما يخص الكيف، فالمغرب ليس هو أول منتج لهذه المادة في العالم، فالولايات المتحدة لها آلاف الهكتارات المزروعة، ثم لو لم تكن هناك دول مستهلكة للكيف بأوروبا لما كان هناك إغراء لإنتاجه بالمغرب، لكن إذا ما تم بيعه بحرية على بعد ثلاث ساعات بالطائرة من الرباط، فإن الإغراء يكون كبيرا جدا بالنسبة للمهربين، ويتعين إذن، أن نتفق جميعا على حد أدنى في مجال التشريع، ثم إننا قمنا مؤخرا بحملة مكثفة ضد المخدرات ونعتزم مواصلتها، لكننا لا نستطيع القيام بذلك بمفردنا، إذ يتعين على الدول الأوروبية أن تساعدنا على ذلك، لهذا طلبنا مساعدتها، وقد اقترحت فرنسا رسميا مبلغا مهما للغاية خلال مقامي بالديار الفرنسية، وآمل أن تقوم ألمانيا بنفس الشيء))، ثم تطرق الحسن الثاني إلى إجراء مهم قام به المغرب من أجل محاربة زراعة الكيف في المناطق الشمالية، وهو إحداث “وكالة تنمية الشمال” والدور المنتظر منها، حيث قال في هذا الصدد: ((إن وكالة تنمية الشمال التي أحدثت مؤخرا، ستمكن من استبدال زراعة الكيف في هذه المنطقة، ومن الأكيد أنه يمكننا القضاء بسهولة كبيرة على زراعة الكيف، وقد تمكن المحادثات مع المستشار هيلموت كول، بلا شك، من تحقيق هذا الهدف، وسأثير معه إمكانية تحويل الدين المغربي إزاء ألمانيا، مما سيساعدنا على إدخال زراعات بديلة حتى يتمكن من كان يزرع الكيف من زراعة شيء آخر سيمكننا من امتصاص ديننا وإدخال زراعات أخرى بديلة في شمال البلاد)).

وهكذا.. فقد أخذ الملك من وزير الداخلية ملف حملة التطهير بعد الانزلاقات الخطيرة التي طالته، ولم يستمر الأمر طويلا حتى قام الحسن الثاني بإغلاق الملف نهائيا يوم 16 أكتوبر 1997، عندما أصدر الديوان الملكي بلاغا أعلن من خلاله عفوا ملكيا شاملا لفائدة الأشخاص الذين أحيلوا على محاكم المملكة في قضايا التهريب، المعتقلون والذين يوجدون في حالة سراح، وبهذا أسدل الستار على واحدة من أكبر الحملات التطهيرية جدلا في تاريخ المغرب، فبعدما كان يراد لها طريق آخر، تدخل وزير الداخلية وأخذت مسلكا آخر وهو تصفية حسابات شخصية.

وهكذا طوي الملف كذلك على مستوى الدعوى التي رفعها الملك ضد الجريدة الإسبانية، فقد أصدرت المحكمة الابتدائية بمدريد في دجنبر 1997، حكما لصالح الملك الحسن الثاني، حيث أدانت صحيفة “دياريو 16” والصحفيين العاملين بها بتهمة المساس غير المشروع بشرف الملك الحسن الثاني، وقضت بأدائهم للتعويض عن الضرر المعنوي الذي حصل للملك الحسن الثاني، وأمرت بنشر النص الكامل للحكم في الصحف التي سيتم تحديدها لدى التنفيذ.

هكذا إذن كان مآل حملة التطهير الأولى.. فهل من الممكن أن نشهد حملة تطهير ثانية؟ وكيف سيكون مآلها ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى