ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | لماذا تحولت الصداقة المغربية الألمانية إلى عداوة ؟

في الذكرى 56 لأحداث مارس 1965..

((في شهر مارس البرد قارس تحت المدارس)).. هذا ما كنا نردده ونحن صغار بحلول هذا الشهر من كل سنة، وبعدما صرنا كبارا واكتسبنا معارف جديدة، صار بالنسبة لنا هذا الشهر شهرا فريدا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وخصوصا بالنسبة لما صارت له من دلالة ورمزية.. فهو الشهر الذي وقع فيه السلطان مولاي عبد الحفيظ على معاهدة الحماية الفرنسية للمغرب (30 مارس 1912)، وهو الشهر الذي تم التوقيع فيه على اتفاقية 2 مارس 1956 القاضية بإلغاء معاهدة الحماية واستقلال المغرب، وأيضا الشهر الذي نصب فيه الحسن الثاني ملكا على المغرب (3 مارس 1961)، وما زال هذا الشهر يستمر في تميزه بالنسبة للمغرب إلى اليوم، وآخر ما جادت به الأحداث في شهر مارس من هذه السنة، هو إعلان وزارة الخارجية المغربية في اليوم الأول منه، عن قطع العلاقات مع السفارة الألمانية بالرباط والمؤسسات الألمانية المانحة، وذلك بسبب خلافات عميقة تهم قضايا مصيرية.

أعد الملف: سعد الحمري

    لنعد إلى حدث مهم وقع في المغرب خلال هذا الشهر، وهو ما يعرف بأحداث مارس 1965، التي تحل اليوم علينا الذكرى 56 على اندلاعها، وكما هو معلوم، فقد كانت هذه الأحداث بمثابة الحدث المفصلي في تاريخ المغرب، فهي التي أدت إلى دخول المغرب في حالة استثناء امتدت من سنة 1965 إلى 1972، وبالتالي، دخول المغرب في عهد مظلم سمي بسنوات الرصاص، ومازالت هذه الأحداث إلى الآن تلقي بظلالها على الوضع العام، وتثير أكثر من تساؤل، حول لماذا قمع الحسن الثاني الطلبة والتلاميذ الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم؟

تتمة المقال بعد الإعلان

فبعد مرور 56 سنة، كشفت بعض الوثائق، وخصوصا من الأرشيف الفرنسي، عن معطيات جديدة، لكن ما علاقة ألمانيا بأحداث 23 مارس 1965؟ الواقع أنه بعد مرور حين من الدهر، كشف الأرشيف الفرنسي عن معطيات تؤشر إلى علاقة ألمانيا بهذه الأحداث المفجعة التي بسببها دخل المغرب في سنوات مظلمة.

هكذا رفض المغرب قطع علاقاته مع ألمانيا الغربية بعد اعترافها بإسرائيل رغم الضغوط العربية

    إذا عدنا إلى الماضي القريب وقمنا بإعادة قراءته، فإننا سنجد بعض المفارقات الغريبة في هذا الملف، لعل أبرزها ما حصل هذه الأيام بين الرباط وبرلين، وتكمن المفارقة في حضور ثلاثة أطراف على وجه الخصوص، وهم المغرب وألمانيا وإسرائيل، خلال حدثين مميزين وقعا في سنتين مميزتين هما 1965 و2021.

ففي سنة 1965، أعلنت ألمانيا الغربية إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ووقف وراء المصالحة المبكرة على وجه الخصوص، ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال تلك المرحلة، ورغم مشكلة الهولوكوست، كان رئيس الوزراء الأول لإسرائيل يدافع عن النظرة إلى “ألمانيا الأخرى”، فبن غوريون وكونراد أديناور أول مستشار ألماني، التقيا فقط مرتين، في سنة 1960 و1966، ومنذ اللقاء الأول بين المسؤولين، حصلت اتصالات سرية من أجل تصدير أسلحة ألمانية إلى إسرائيل، وعندما عُرف هذا الاتفاق السري في منطقة التوتر، أي الشرق الأوسط في سنة 1964، ساد استياء وقلق كبير كل الدول العربية، وانتهى الأمر بإقامة ألمانيا علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وكرد فعل على ذلك، أعلنت الدول العربية قطع علاقاتها السياسية مع ألمانيا الغربية، وكذلك مقاطعة منتجاتها.

تتمة المقال بعد الإعلان

وبخلاف باقي الدول العربية، كان المغرب هو البلد الوحيد الذي استمرت علاقاته مع ألمانيا الغربية بشكل عادي، فقد كانت تربط بين المملكة وألمانيا علاقات واتفاقيات تعاون ثقافية واقتصادية، غير أن هذا الأمر لم يمر مرور الكرام، فقد مارست الدول العربية على المغرب منذ بداية سنة 1965، ضغوطا قوية من أجل قطع علاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا الغربية، إلا أن ذلك لم يسفر عن أي نتيجة، حيث كان المغرب يعتبر أن سياسته الخارجية أمر سيادي ولا شأن لباقي الدول بها، خاصة وأن مصر الناصرية هي التي كانت تهيمن على الدول العربية.

قبول الحسن الثاني القيام بزيارة رسمية إلى مصر بعد الضغوط من أجل قطع علاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا

    استمر توتر العلاقة بين المغرب والدول العربية، وخصوصا الجمهورية العربية المتحدة التي كانت مؤلفة من مصر وسوريا، وهذه الأخيرة استمرت في الضغط على الملك الحسن الثاني، وذلك من أجل جعله يقطع علاقاته مع ألمانيا الغربية. وكما هو معلوم، فقد كانت بين الحسن الثاني وجمال عبد الناصر خلافات وعداء كبير منذ أن كان وليا للعهد، ولم يكن يخف عداءه له، وقد حدث مرة أن قام عبد الناصر بزيارة إلى المغرب في أواخر الخمسينات، وأقام الملك محمد الخامس حفل عشاء على شرفه، وكان الأمير مولاي الحسن يجلس قريبا منه، فلاحظ ولي العهد أن جمال عبد الناصر يجد صعوبة في أكل الديك الرومي بالشوكة والسكين، فقال له بدهاء: ((لا أظن أن أكل الديك الرومي أصعب من قلب حكم الملك فاروق))، لكن جمال عبد الناصر سكت ولم يقل شيئا، واكتفى بمجرد ابتسامة كانت تخفي وراءها الكثير والكثير..

ظهر الكثير الذي أخفته ابتسامة عبد الناصر عندما أصبح الحسن الثاني ملكا على المغرب، ونشبت حرب “الرمال” بين المغرب والجزائر سنة 1963، فأرسل جمال عبد الناصر حوالي ألف جندي لدعم الجيش الجزائري ضد المغرب، إضافة إلى عتاد حربي ومعدات، ومن بين هؤلاء الجنود، كان هناك الرئيس المصري لاحقا حسني مبارك، الذي أرسله عبد الناصر لمعرفة وضعية وحاجيات الجيش الجزائري، غير أن الطائرة التي كانت تقله رفقة ضباط آخرين، سقطت داخل الحدود المغربية واعتقل ركابها، وبعد انتهاء الحرب، وقيام الصلح بين المغرب والجزائر، بقي حسني مبارك وباقي الضباط أسرى عند المملكة.

وهكذا.. وفي ظل توتر الأجواء والضغط المصري على المغرب خلال سنة 1965 من أجل قطع علاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا الغربية، وجه جمال عبد الناصر دعوة رسمية إلى عاهل المغرب للقيام بزيارة إلى مصر من أجل بحث هذا الموضوع، وفعلا قام الملك بتلك الزيارة بين يومي 12 و14 مارس 1965، وعندما حطت الطائرة بمطار القاهرة، وجد ملك المغرب في استقباله الرئيس المصري وطفلة صغيرة، اقتربت منه وقدمت له باقة من الورود، وأمام باقة الورود المصرية، انحنى الملك الراحل، وقبل الطفلة الصغيرة والتفت إلى عبد الناصر وقال له: ((يا فخامة الرئيس، شكرا على باقة الورد، وأنا بدوري سأهديك باقة من اللحوم الحية))، وكانت الهدية عبارة عن الضباط المصريين الأسرى بزيهم العسكري، وعلى رأسهم حسني مبارك.

وخلال تلك الزيارة الرسمية، عقد الملك الحسن الثاني والرئيس المصري جمال عبد الناصر اجتماعا سريا، ولم يكشف عما دار في ذلك الاجتماع، الذي بسببه استمرت العلاقات بين البلدين في التوتر، بل وزادت بعده رغبة عبد الناصر في قلب الطاولة على الحسن الثاني.

الحسن الثاني رفقة جمال عبد الناصر

جمال عبد الناصر مهددا الحسن الثاني: إذا لم تقطع علاقاتك الدبلوماسية مع ألمانيا فإني مستعد للإطاحة بك

    أفرج مؤخرا عن وثيقة من أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، تقدم معطيات جديدة حول ما دار في ذلك الاجتماع المثير، والوثيقة عبارة عن رسالة أرسلها السفير الفرنسي بالمغرب إلى وزير خارجية بلاده، مؤرخة بتاريخ 21 مارس 1965، يخبره من خلالها بأنه بناء على معلومات وصفها بالجد موثوق بها، وذات الطابع السري بخصوص خبايا الزيارة الملكية إلى مصر، فإن الزيارة انطلقت في جو حبي، وانتهت في مناخ من العداء المعلن من الجانبين.

وقد أرجع السفير الفرنسي السبب الكامن وراء ذلك، بناء على المصدر المغربي الرفيع المستوى، أن جمال عبد الناصر حاول إقناع الحسن الثاني بضرورة اتباع السياسة الخارجية المصرية، والسير في نفس نهجها بخصوص الموقف من ألمانيا، حيث طلب منه أن يقطع علاقاته الاقتصادية مع هذه الأخيرة، غير أن الملك، حسب الوثيقة، رفض أن يذعن لمطالب عبد الناصر التي كانت تضر بالمغرب وتوجهاته الليبرالية أكثر مما تخدم مصالحه.

وحسب الوثيقة، فإن النقاش أخذ منحى آخر، حيث تحول إلى مشادات كلامية، وصلت حد تهديد عبد الناصر للملك الحسن الثاني، حيث أكد له وبصراحة أن زعماء الدول العربية الذين يعاكسون توجه مصر وسوريا، سوف يحكم عليهم بالزوال الذي لا محالة منه، كما أكد له بأن عليه ألا ينسى بأن المصريين على أبواب المغرب، لأنهم يوجدون في الجزائر، وذكره بأن العديد من المعارضين المغاربة يقيمون في مصر والجزائر، وكذلك الأمر بالنسبة للطلبة المغاربة الذين يقيمون في مصر والجزائر.

كما وصفت نفس الوثيقة، الحالة النفسية للملك الحسن الثاني بعد ذلك اللقاء، فقد جاء فيها أنه تخلى عن زيارة كان يعتزم القيام بها لمدينة أسوان السياحية، كما تجنب في آخر يوم من زيارته الخروج من إقامته معلنا صراحة عن غضبه مما خلص له الاجتماع، وأشارت الوثيقة، من خلال نفس المصدر، إلى أن الملك أعطى أمره لأوفقير بأن يقوم بتدابير وقائية ذات طابع عسكري عند عودته.

وحسب وثيقة أخرى، فإن قوات الجيش الملكي وضعت، يوم 15 مارس، في حالة تأهب قصوى، بفعل إمكانية دخول عناصر مغربية إرهابية من الجزائر، وكان الموعد يقترب من اندلاع التظاهرات الطلابية الغاضبة من القرار الوزاري، الذي تزامن مع حالة استنفار قصوى للجيش الملكي.

أحداث 23 مارس 1965 تزامنت مع حالة استنفار قصوى للجيش الملكي تحسبا لمؤامرة مصرية

    هذا ما حصل على المستوى الخارجي، حيث أنه لما عاد الملك يوم 15 مارس من مصر، كان على استعداد تام لمواجهة أي تدخل مصري محتمل، وكانت حالة التأهب القصوى قد أعلنت والجيش مستعد لمواجهة كل ما من شأنه أن يزعزع الاستقرار العام للبلاد، وبما أن الأمر كان يتعلق بحالة تأهب قصوى، فإن الجيش منح صلاحيات باستعمال الرصاص الحي، وكل ما من شأنه أن يدرأ الخطر الخارجي.

أما على المستوى الداخلي، فقد كانت مؤشرات الاحتقان واضحة وحاضرة بقوة قبل أحداث 23 مارس 1965، بل ومنذ وفاة محمد الخامس، بفعل الصراع بين أحزاب المعارضة والنظام، فقد كان الفضاء السياسي المغربي بعد الاستقلال مجسدا في الأحزاب السياسية المغربية سليلة الحركة الوطنية، التي كانت كلها في حدود سنة 1965 تجسد واقع التذمر العام من طريقة تسيير شؤون البلاد.

فقد ظل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي خرج للمعارضة منذ إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، يمارس معارضة قوية داخل البرلمان، وهو ما يتضح من خلال مداخلة أحد نوابه في إحدى الجلسات البرلمانية المنعقدة في سنة 1965 والذي قال: ((إن هذه الأزمة التي تجتازها بلادنا اليوم، كما أوضحنا مرارا وتكرارا، هي نتيجة لسياسة مشؤومة معادية للشعب، تتنكر للمصالح الأساسية للبلاد، سواء في الميدان الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، أو في ميدان حقوق الإنسان ومصيره.. إن هذا التدهور العام، أقل ما يقال عنه، أنه نتيجة لأغلاط خطيرة، وأخطاء جسيمة ارتكبت في حق الوطن بأجمعه))، أما حزب الاستقلال، فقد خرج للمعارضة منذ سنة 1964، وترجمت مواقفه في لعب دور معارضة قوية بجلاء خلال مؤتمره السابع المنعقد يوم 12 فبراير 1965، بينما المنظمات الطلابية، فلم تكن أقل تشاؤما من الأحزاب، بل كانت أكثر منها، وقد اتضح ذلك من خلال الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان واضحا وبصفة قطعية في مؤتمره الثامن في الدار البيضاء سنة 1963، أن الخط الذي سيتبعه هو المذهب الثوري ضد الحكم، ويقول النص المذهبي للتنظيم الطلابي: ((إن المؤتمر الثامن للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، يعلن رسميا بأن إلغاء النظام هو الحل الأمثل لإخراج البلاد من هذه الأزمة المفتوحة))، هذا بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كان يتخبط فيها المغرب في تلك المرحلة. لكن على الرغم من هذا الجو المشحون، فإنه لا الأحزاب ولا النقابات قادت هذه المظاهرات التي تحولت إلى أحداث دموية.

وبالتزامن مع ذلك، صدر قرار وزاري يوم 9 فبراير 1965، وكان يقضي بـ((من الضروري ألا يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي سوى التلاميذ القادرون على متابعة الدراسة في إحدى الشعب المتخصصة من السلك الثاني، وأنه يمكن أن يتوجه إلى السنة الرابعة من الثانوي، التلاميذ المزدادون عام 1948 وتبلغ أعمارهم 18 سنة أو أكثر، فلا يمكنهم ولوج السلك الثاني من الثانوي والوصول إلى الباكالوريا)).

بدأت وزارة التربية الوطنية حملة في منتصف مارس 1965 لشرح مضامين القرار الوزاري، وهو الأمر الذي بدأ يثير احتجاجات وسط تلاميذ الثانويات، ولم تكن الاحتجاجات داخل أوساط الطلبة بغريبة أو الأولى من نوعها، بل كانت شبه شهرية في الجامعات، ولم تكن تتعامل معها السلطات بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع مظاهرات 23 مارس 1965.

لكن الغريب في الأمر، أن هذه الاحتجاجات التي بدأت في المدارس الثانوية وانتقلت إلى المدارس الإعدادية، رفعت فيها شعارات تمس بشخص الملك، وهو ما يؤكده محمد عابد الجابري في مذكراته، والذي أكد أنه عندما كان مارا بسيارته، اعترضه مجموعة من التلاميذ وطلبوا منه أن يقول “يسقط الملك”، ثم يدعوه يمر، فهل يكون الحسن الثاني قد فهم بأن ما وعده به عبد الناصر قد بدأ فعلا؟ ثم لماذا رفع التلاميذ هذا الشعار إذا كان الأمر يتعلق في نهاية المطاف باحتجاج على قرار وزاري؟

جانب من أحداث 23 مارس 1965

الأرشيف الفرنسي يؤكد التدخل المصري في أحداث مارس 1965 بعد رفض المغرب قطع علاقاته مع ألمانيا الغربية

    ما يزيد التأكيد على أن التدخل المصري حدث فعلا، جاء في وثيقة أخرى، وهي عبارة عن رسالة أرسلها السفير الفرنسي بالرباط إلى وزير خارجيته بتاريخ 30 مارس 1965 على الساعة الحادية عشر والنصف ليلا، ويشير السفير إلى أنه أخذ وقته الكافي بعد نهاية الأحداث، وعقد لقاءات مع المسئولين المغاربة لجمع المعلومات حول ما حدث فعلا، وأكد أن قيادات الأحزاب السياسية المعارضة والنقابات، لم تشارك في المظاهرات التي تحولت إلى أحداث دموية، ولكنها استغلتها فيما بعد.

وفي المقابل، يرى السفير بأن مخاطبيه من المسئولين المغاربة، أكدوا بأن هناك تدخلا أجنبيا أكيدا، وذلك عن طريق الأساتذة المحسوبين على مصر وسوريا الذين كانوا يدرسون في المغرب، لأن أساتذة اللغة العربية الذين في معظمهم من مصر وسوريا ألقي عليهم القبض أثناء المظاهرات، وكانوا ما يزالون قيد الاعتقال، على الرغم من الإفراج عن الكثير من المشاركين في الأحداث، كما رأى أن هناك مشكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والاتحاد المغربي للشغل، لأن لهم علاقات مع كثير من المنظمات والدول الأجنبية، التي لا يروقها النظام السياسي القائم في المغرب، حيث شكك المسئولون المغاربة في إمكانية خدمتهم لأجندات بعض الدول الأجنبية ومنها مصر، فهل يكون عبد الناصر اتصل بهم ونسق معهم؟

بخصوص هذا السؤال، يرى السفير الفرنسي أن رد فعل الأمن المغربي العنيف، كان موجها بصفة أساسية ضد بعض العناصر القادمة من الجزائر في السنة الماضية، التي يبدو أنها لا تريد التخلي عن العنف كخيار ضد الدولة بالدرجة الأولى، ويرى بأن قوات الأمن بدورها لن تتخلى عن العنف، وستستعمله لحفظ النظام ومنع أعمال التخريب.

وبخصوص موقف الملك من التدخل الأجنبي المتمثل في مصر، فقد لاحظ السفير بأن الملك لم يشر إليه، وذلك لأنه يريد أن يحمل المسؤولية للسياسيين المغاربة بعد الأحداث الدموية، بهدف الضغط عليهم، خاصة وأن رد فعل الجزائر ومصر الرسمي بخصوص ما حدث، كان عاديا، وكذلك الأمر بالنسبة لصحافتهم، وقد خلص السفير في نهاية تقريره إلى أن من بين أبرز نتائج تلك الأحداث الدموية، بروز نجم الجنرال أوفقير، على اعتبار أنه الرجل القوي في نظام الحسن الثاني.

قلق المسؤولين المغاربة والأمريكان من إمكانية استمرار ضغط مصر على المغرب من خلال معارضة حالة الاستثناء بالمملكة

    بعد ما ترتب عن أحداث مارس 1965 من وضع سياسي جديد، عزم الملك الحسن الثاني على إعلان حالة الاستثناء، وتكشف وثائق الأرشيف السري الأمريكي، عن بعض الجوانب والملابسات التي أحاطت بظروف ذلك، إذ تشير وثيقة من وثائق الخارجية الأمريكية، أن الحسن الثاني اتصل بالسفير المغربي بأمريكا وأمره بأن يفسر لوزير الخارجية الأمريكي ظروف إعلان حالة الاستثناء، لأن ذلك من الأعراف الدولية التي تقضي بضرورة تقديم تفسير كل دولة لدولة أخرى دوافع وأسباب اتخاذ القرارات السياسية، ولما اتصل السفير المغربي بوزير الخارجية الأمريكي، وجده قلقا من أمر واحد، هو رد فعل دول الجيران بخصوص إعلان حالة الاستثناء، وقد أكد له السفير المغربي بأن الجزائر لم يصدر عنها أي رد فعل رسمي بخصوص قرار الملك الحسن الثاني، في حين أن الجمهورية العربية المتحدة، المؤلفة من مصر وسوريا، لن تسهل الأمر عليه، وستسعى جاهدة للتدخل بقوة من أجل الحيلولة دون اتخاذ القرار.. وهكذا، فقد أدى المغرب ثمن عدم قطع علاقاته مع ألمانيا الغربية.

غير أن الحديث عن الدول الثلاثة: المغرب وألمانيا وإسرائيل، عاد اليوم بقوة إلى واجهة الأحداث، ولكن ليس كالأمس، حيث أن الدولة التي وقف المغرب إلى جانبها سنة 1965، هي التي أصبحت تقف ضده بعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على كامل أقاليمه الجنوبية وإقامة علاقات دبلوماسية مغربية إسرائيلية، وذلك عندما انتقدت قرار دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بسيادة المملكة على تراب أقاليمها الصحراوية.

وقد أرجعت تقارير إعلامية سبب الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وألمانيا، إلى ضغوطات مارستها خمس شركات كبرى في مجال صناعة السيارات على المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، لفرض اتفاقية على الرباط تحصل بمقتضاها برلين على حصة الأسد من معدن الكوبالت، المطلوب في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية، والذي يتوفر المغرب على احتياطي كبير منه، وطلب لوبي صناعة السيارات الألمانية من المستشارة ربط الاعتراف بمغربية الصحراء بتوقيع المغرب على اتفاقية استغلال معدن الكوبالت، لذلك عمدت الدبلوماسية الألمانية إلى اعتماد مواقف معادية لقضية الصحراء المغربية في مجلس الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس الأمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى