ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | هل يسير جو بايدن على خطى جيمي كارتر أول رئيس أمريكي رسخ عداء الحزب الديمقراطي الأمريكي لمصالح المغرب ؟

تشابه غريب بين الأمس واليوم..

منذ أن وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على القرار الرئاسي القاضي بمغربية الصحراء في آخر أيامه في البيت الأبيض والمغرب وجيرانه يترقبون موقف الإدارة الأمريكية على عهدة الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، بشأن الالتزام من عدمه بقرار الرئيس الأمريكي السابق، وإذا كانت أمريكا لم تقدم أي إشارات بهذا الخصوص، فقد كثرت التأويلات من كون الإدارة الجديدة غير قادرة على نسف هذا القرار، على اعتبار أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى مستوى استراتيجي لم يسبق أن وصلت إليه، وأن أمريكا في حاجة إلى المغرب أكثر من حاجة المغرب إليها.

ومن ضمن هذه الاعتبارات، أن أمريكا تسعى إلى دعم مسلسل التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، وأن أي تراجع أمريكي بخصوص قضية الصحراء من شأنه أن يجعل المغرب يتراجع عن إقامة علاقات مع إسرائيل، وهناك ملف آخر، وهو أن أمريكا تريد أن تجعل المغرب منصة لها للاستثمار في إفريقيا: مستقبل العالم، لكن مجرد قراءة بسيطة لتاريخ العلاقات بين البلدين، نجد أنه في وقت من الأوقات، وبالضبط خلال سنوات 1974-1977، أي مرحلة الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، وصلت العلاقات المغربية الأمريكية إلى مستوى أكثر مما وصلت إليه الآن، ثم جاء الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وهو أول رئيس أمريكي عن الحزب الديمقراطي كرس عداء الديمقراطيين لملف الصحراء المغربية، لينسف كل ما وصلت له العلاقات بين البلدين، ونريد أن نقارن الأمس باليوم، للعبرة فقط.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

ما أشبه الأمس باليوم

     تتشابه الأوضاع في المغرب على المستوى الوطني والإقليمي خلال مرحلة الرئيس الأمريكي الجمهوري جيرالد فورد (غشت 1974 – يناير 1977)، بما هو عليه الأمر على عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (يناير 2017 – يناير 2021).

فبعد الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973، مثل المغرب الاتجاه المعتدل في الدفع بعملية السلام مع إسرائيل، بل إن الحسن الثاني كان الزعيم العربي الوحيد الذي دعم زيارة أنور السادات إلى تل أبيب سنة 1977، وذلك من أجل بحث إمكانية إقامة اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل، بل إنه مهد بطريقة غير مباشرة لـ”اتفاقية كامب ديفيد”، وبذلك أصبح المغرب من أقرب الحلفاء العرب لأمريكا، وهو ما يشبه الوضع الحاضر بالنسبة لعلاقة المغرب بأمريكا وإسرائيل، حيث أعاد المغرب فتح جسور علاقاته مع إسرائيل، وأصبح الحديث في الأوساط السياسية عن دور جديد للمغرب في الصراع العربي الإسرائيلي.

كما أن الوضع على مستوى القارة الإفريقية كان شبيها إلى حد كبير بما هو عليه اليوم، فقد كان الحديث خلال مرحلة سبعينيات القرن الماضي عن كون هذه القارة ستشكل مستقبل العالم، وكان الصراع في أوجه بين أمريكا والاتحاد السوفياتي من أجل السيطرة عليها، وكانت السياسة المغربية تجاه إفريقيا شبيهة باليوم، بل وأكثر، فبعدما بدأت الانقلابات في إفريقيا، تدخل المغرب بقيادة الحسن الثاني، المدعوم من طرف أمريكا، من أجل منع حدوث انقلابات في الكثير من الدول، ولعل أشهر تدخل للمغرب كان في حماية دولة الزايير، الكونغو حاليا، من الانقلاب العسكري في سنة 1975، ووصل الأمر بالحسن الثاني إلى إرسال فرق من الجيش الملكي للوقوف في وجه المحاولة الانقلابية.

تتمة المقال بعد الإعلان

واليوم، هناك منافسة بين أمريكا والصين من أجل النفوذ في إفريقيا، وعولت الإدارة الأمريكية على عهد الرئيس دونالد ترامب على المغرب كحليف استراتيجي، من أجل جعله منصة للاستثمار في القارة السمراء، ومحاربة الإرهاب فيها، بل وجعل مدينة الداخلة هي بوابة إفريقيا.

أما على المستوى الوطني، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية داعمة للمغرب في مطالبه من أجل استرجاع أقاليمه الجنوبية، منذ أن بدأت القضية مطروحة أمام هيئة الأمم المتحدة، بل إنها كانت لا تتصور أي مستقبل لبلقنة المنطقة، حتى إن وزير الخارجية الأمريكي، هينري كيسنجر، صرح للرئيس الجزائري هواري بومدين سنة 1974، بأنه لا يمكن لأمريكا أن ترى مستقبلا لمائة ألف من الناس سيشكلون دولة مستقلة.

وعندما صدر قرار محكمة العدل الدولية في أكتوبر 1975، بخصوص قضية الصحراء، أعلن الملك الحسن الثاني عن عزمه تنظيم مسيرة خضراء إلى الأقاليم الجنوبية، غير أن إسبانيا والجزائر حاولتا معاكسة هذا المنحى، والتجأتا إلى أمريكا من أجل الضغط على المغرب، إلا أن هذا الأخير رغم ذلك، نجح في تنظيم المسيرة الخضراء، وبعد ذلك اكتشفت الجزائر أن أمريكا ضغطت على إسبانيا في الخفاء لمصلحة المغرب.

لقد أصبحت الجزائر مقتنعة تماما بأن أمريكا ضغطت على إسبانيا لمصلحة المغرب، وعندما التقى وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بكيسنجر في باريس يوم 17 دجنبر 1975، أكد له وزير خارجية أمريكا، أن بلاده لم تضغط على الإسبان في قضية الصحراء، وأنها حاولت الضغط على الحسن الثاني من أجل العدول عن المسيرة الخضراء، غير أن بوتفليقة لم يقتنع بما قاله له كيسنجر، وجدد التأكيد على أن أمريكا كان في استطاعتها أن توقف المسيرة الخضراء، وعلى العكس، فقد أعطت الضوء الأخضر للحسن الثاني ليقوم بها، وفي الأخير، أخبره أن الجزائر لن تتخلى عن البوليساريو، كما أشار بوتفليقة إلى أن الجزائر لن تلعب الدور الذي كانت تنتظره منها أمريكا من أجل صناعة السلام في الشرق الأوسط.

وعندما أعلن عن قيام البوليساريو في الجزائر في فبراير 1976، لم تتأخر أمريكا في الرد على هذا الحدث، حيث أرسل وزير الخارجية الأمريكي في شهر أبريل من نفس السنة، رسالة رسمية إلى سفراء بلاده في شتى بقاع العالم، أخبرهم من خلالها أن أمريكا لا تعترف بهذا الكيان الوهمي.

إلى هنا، كانت العلاقة بين المملكة وأمريكا سمنا على عسل، وكان ينظر إلى المغرب على أنه الحليف التقليدي والاستراتيجي لها، بحكم العلاقات التاريخية بينهما، حيث كانت أمريكا تلح على التذكير بأن المغرب أول بلد في العالم يعترف بها ككيان مستقل، وفي المقابل، كانت العلاقة بين أمريكا والجزائر جد متوترة، بسبب دعم أمريكا للمغرب في قضية الصحراء كما هو الحال لما هو عليه اليوم.

الرئيس الأمريكي جو بايدن في ضيافة الملك محمد السادس

جيمي كارتر أول رئيس أمريكي ينسف العلاقات المغربية الأمريكية لمصلحة الجزائر

    في نهاية سنة 1976، بدأت الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية، وقد ترشح عن الحزب الديمقراطي مرشح غير معروف، هو جيمي كارتر، الذي تنافس مع جيرالد فورد، الطامع في ولاية ثانية، وكما هو الحال اليوم، فاز المرشح الديمقراطي بنسبة متقاربة جدا، فكان من بين الدول التي لم تستبشر خيرا بهذا المرشح، المغرب، فبعد فوز جيمي كارتر بالانتخابات الأمريكية مباشرة، أجرت مجلة “باري ماتش” الفرنسية، حديثا صحفيا مع الملك الحسن الثاني يوم 19 نونبر 1976، ونشرته في عددها الصادر يوم 26 نونبر من نفس السنة، تحدث الملك خلاله عن عدة مواضيع، من بينها انتخاب رئيس أمريكي جديد وهو جيمي كارتر، حيث سئل عن رأيه في تعيين رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية، فأجاب الملك وكأنه يعلم ما سيأتي من هذا الرجل، حيث قال: ((عندما يتم تغيير رئيس الولايات المتحدة، يلزمه سنة لاستلام مهامه، وهو لا يحكم إلا مدة السنتين اللتين تتلوان ذلك، أما خلال السنة الرابعة، فهو لا يهتم إلا بإعادة انتخابه، ولو كنت عضوا بمجلس الكونغريس الأمريكي، لطلبت تعديل الدستور حتى يتاح وقت أطول لممارسة الرئيس لسلطاته)).. ليتضح أن الملك تمنى لو أن الرئيس جيرالد فورد استمر في مهامه على رأس أمريكا أطول فترة ممكنة.

مباشرة بعد تسلم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر السلطة، بدأت تتضح معالم السياسة الأمريكية الجديدة، فقد ضرب هذا الأخير ما كانت قد وصلت له العلاقات المغربية الأمريكية بعرض الحائط، إذ ربط علاقات متينة مع الجزائر، وخصوصا على مستوى التعاون الاقتصادي، حيث كانت الجزائر حديثة العهد بتأميم قطاع النفط والاستقلال الاقتصادي عن فرنسا، وكانت قد انطلقت في عملية التصنيع، واختارت الجزائر أمريكا من أجل مساعدتها على عملية التصنيع.

وهكذا، فقد بدأت معالم السياسة الأمريكية الجديدة تتضح شيئا فشيئا، وطبعا لمصلحة الجزائر على حساب المغرب، أولها أن العلاقات الاقتصادية والسياسية الأمريكية الجزائرية شهدت تطورا ملموسا، وفي ظل هذه الأوضاع، أعلن عن زيارة ملكية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

عندما اعتبر الحسن الثاني أن “التعاون الاقتصادي الأمريكي الجزائري سيكون الضربة القاضية للاقتصاد الجزائري”

    أجرت هدى الحسيني، مندوبة مجلة “الوطن العربي” التي كانت تصدر بباريس، استجوابا مع العاهل المغربي يوم 7 نونبر 1977، وقد كان التعاون الاقتصادي الأمريكي الجزائري موضوع سؤال وجهته له مندوبة المجلة قائلة: “أعلن رسميا عن زيارتكم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فماذا ستثيرون هناك من قضايا؟ هل تعتقدون بأن العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الجزائر والولايات المتحدة لن تؤثر في الموقف الأمريكي تجاه المغرب؟”، فأكد الملك في جوابه على الشق الأول من هذا السؤال، بأنه ((سيحمل معه الملفات الخاصة بالمعاملات المغربية الأمريكية، والتي أكد أنها في حالة جيدة، وبرر ذلك بالعلاقات القديمة التي تربط البلدين))، وأضاف أنه ((سيحمل معه أيضا ملف القضية العربية الفلسطينية، على شرط أن تتوفر أمامه آراء الأطراف المعنية))، وأوضح أنه ((يعمل على إجراء مشاورات موسعة مع كل الأطراف العربية)).

أما بخصوص الشق الثاني من السؤال، والمتعلق بالمعاملات التجارية المتنامية بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، فقد قال الحسن الثاني في هذا الصدد: ((لا أظن شخصيا أنها تؤثر في شيء، على الرغم من أن تلك المعاملات كما أعتقد شخصيا، هي لصالح الولايات المتحدة، وسوف تكون اقتصاديا الضربة القاضية للاقتصاد الجزائري))، ثم أرادت المراسلة توضيحا ملكيا بخصوص هذه النقطة، وسألته: “لماذا هذه المعاملات الاقتصادية ستكون الضربة القاضية للجزائر”، فأجاب الملك: ((لأسباب عدة، أولا، الدين الذي يتراكم عليها، أمريكا تقرضها لبناء المعامل والمصانع، وتطوير حقول الغاز، وهذه القروض سيتوجب على الجزائر أن تفي بها يوما ما)).

وبعد أربعة أيام من هذا الحوار الصحفي، أقام الملك ندوة صحفية بالرباط (يوم 11 نونبر 1977)، وارتباطا بموضوع الزيارة الملكية إلى أمريكا، طرح عليه سؤال من أحد المتدخلين حول “هل سيطلب الملك من الرئيس الأمريكي أن يتوسط بينه وبين الجزائر في قضية الصحراء؟”، فأجابه الملك بأن ((المغرب يقبل أي وساطة، لأن المغرب لا يسعى إلى إراقة الدماء)).

وبالموازاة مع ذلك، انتشرت شائعات طيلة سنة 1978، تقول أن أمريكا تعمل على القيام بوساطة بين المغرب والجزائر، فنظم الملك لقاء صحفيا يوم 19 شتنبر من نفس السنة، حيث خص وليد أبو ظهر، المدير العام لمجلة “الوطن العربي”، سأل هذا الأخير الملك عن حقيقة وجود وساطة أمريكية لحل مشكل الصحراء المغربية، فأجابه الملك بالتالي: ((“ياريت”، إن أمريكا لو قامت بدور من هذا القبيل، لكنا مطمئنين، ولا يقوم بدور الوساطة إلا من له معرفة بالملف ومن له معرفة بخطورة الموقف، مع الأسف، أمريكا الدولة الأولى في العالم، لا تعرف الملف ولا تعرف تاريخه، ولا تعرف حقوق ذوي الحق. إن من أهداف رحلتي إلى أمريكا، إحاطة الرئيس كارتر بالموضوع، وشرح الملف للمسؤولين الأمريكيين، فالملف ليس ملفا بين المغرب والجزائر، بل إنه يفوق بكثير جدا مستوى العلاقات المغربية الجزائرية..)).

زيارة الملك الحسن الثاني لأمريكا التي لم تحقق شيئا

    قام الملك يومي 14 و15 نونبر 1978 بزيارة رسمية إلى أمريكا، وخلال كلمة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، أثناء استقباله للحسن الثاني، ذكر بأن المغرب أول بلد في العالم اعترف بأمريكا، وعبر عن الامتنان الدائم لأمريكا تجاه المغرب بفعل هذا الصنيع الذي لن تنساه أبدا، وخلال نفس الكلمة، أوضح الرئيس أن والدته تزور المغرب باستمرار وتفضله على كل بلدان العالم، كما قال: ((أريد أن أكشف بكل صراحة بأننا نحن الأمريكان استفدنا كثيرا من علاقاتنا مع المغرب أكثر من استفادة المغرب من هذه العلاقات))، وأضاف: ((إنها مناسبة عظيمة تتاح لنا لاستقبال ضيف اليوم، رجل يعرف القارة الإفريقية، المنطقة التي بدأت تظهر مصالحنا بصورة بناءة، وعندما ظل العالم أجمع مكتوف الأيدي أمام تهديد غزو الزايير من طرف قوات خارجية، ظهرت مرة أخرى أمة أبدت شجاعتها وزعامتها، إنها الأمة المغربية، فقد مارست تأثير الاستقرار وقامت بعمل في حينه بكل ثقة وعزم، وهذا يشكل مثالا يجب الاحتذاء بما قدمه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني للعالم أجمع))، أما كلمة الملك، فقد أوضح من خلالها أن الرئيس الأمريكي شدد على تاريخ العلاقات بين البلدين، وطالب بأن يكون تاريخ علاقات البلدين المعاصر في نفس مستوى تاريخ علاقات البلدين في الماضي.

وبناء عليه، ظهر أن الزيارة الملكية إلى أمريكا لم تحقق شيئا يذكر، فخلال تصريح الملك للصحافة الأمريكية، يوم 22 فبراير 1979، أي بعد زيارته بأشهر قليلة إلى أمريكا، أكد الحسن الثاني على أن أمريكا يجب أن تختار أصدقاءها، وخصوصا عندما طلب المغرب شراء أربع طائرات من أمريكا ودفع ثمنها، غير أنها لم تسلمها له، بدعوى أن المغرب في حالة حرب مع الجزائر، بينما سلمت طائرات لليبيا تحت قيادة معمر القذافي، الذي كان منحازا للاتحاد السوفياتي.

وهكذا، فقد أوضح الملك الحسن الثاني، وبكل صراحة، أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جيرالد فورد، أفضل من إدارة الرئيس كارتر، لأنها تختار أصدقاءها منذ البداية.

غير أن العلاقات المغربية الأمريكية بعد ذلك، بدأت تعرف بعض الانفراج، وفي هذا السياق، خص الملك رجال الصحافة العربية، يوم 28 أبريل 1980، بحديث صحفي، طرح عليه خلال اللقاء سؤال حول ما إذا كانت العلاقات المغربية الأمريكية قد عرفت تغيرا في الثلاثة أشهر الأخيرة؟ فأجاب الملك أنه ((أصلا لم يتغير موقف أمريكا من المغرب، حيث أن العلاقات بين البلدين كانت على الدوام طيبة))، وأوضح أنها استمرت على الدوام في حالة جيدة.

وفسر ما حصل بين المغرب وأمريكا طيلة ثلاث سنوات، بأنه ليس خصاما بينهما، بل إن ذلك حصل لأمريكا مع جميع أصدقائها، واعتبر أن أمريكا لم تكن في حالة خصام مع أصدقائها أبدا، ولكنها عاشت ثلاث سنوات في خصام مع نفسها بعد حرب الفيتنام، وفضيحة “واترغيت”، غير أنه بعد خروجها من هذه الصدمة، أصبحت قادرة على تحليل أسلم وتقييم أمنع لما يدور حولها من أحداث.

وتابع الحسن الثاني تفسيره للموضوع، بأنه وقع للولايات المتحدة الأمريكية طيلة تلك السنوات الثلاث، ما وقع لكل نظام أو دولة أغفلت مدة ما بعض المواضيع الشائكة، وأكد أنها تريد أن تعوض ما فاتها من الزمن لحل أكثر ما يمكن من المشاكل ولو كانت متباينة حتى في كنهها أو حجمها، ووجه نصيحة لأصدقاء أمريكا، بأنه من الواجب عليهم أن يعرفوا ما وقع لأمريكا، وطلب منهم التماس الأعذار، وأن يسهلوا عليها المشقة حتى يمكنها أن تجد في الطمأنينة اللازمة، الحل اللائق لكل مشكل.

أغرب طلب من الملك الحسن الثاني إلى الرئيس الأمريكي يخص العلاقات المغربية الأمريكية

    بعد صعود الرئيس الأمريكي الجديد، رونالد ريغن، عقد العاهل المغربي ندوة صحفية يوم 1 يونيو 1981، وكان من بين أهم الأسئلة التي طرحت عليه، تتعلق بالآمال التي يعقدها المغرب بالنسبة لمستقبل العلاقات بينه وبين أمريكا في ظل صعود رئيس جديد هو رونالد ريغن؟ فعبر الملك في إجابته عن هذا السؤال، عن إعجابه باستقامة واحترام الرئيس الأمريكي إيزنهاور، الذي زار المغرب سنة 1959، وأكد أنه إذا ما تحلى رونالد ريغن بهذا السلوك، فإن جميع الأسباب تكون يومها متوفرة للتفاهم التام بين المملكة وأمريكا.

وخلال نفس المؤتمر الصحفي، وجه له سؤال من طرف مراسلة قناة “NBC” قائلة: “من فضلكم يا صاحب الجلالة، كيف هي العلاقات مع الولايات المتحدة؟ ألديكم مطلبا للرئيس ريغن؟“، فأجاب الملك بجواب أردنا أن ندرجه كما هو: ((ألا فاعلمي أنه لابد أن يكون ثمة مطلب لدولة عظيمة كالولايات المتحدة الأمريكية، إنما المهم هو في الكيفية التي يقدم فيها الطلب إليها، لن نطلب أبدا، وإنما سنحاول فقط أن نفسر لأمريكا أنه في صالحها تلبية بعض رغباتنا.

ذات يوم قال لي دبلوماسي أمريكي: “ما نوع المساعدة التي تطلبون؟” وكان ذلك قبل التوجه لمقابلة الرئيس كارتر، وقال ذلك الدبلوماسي: “ما هي المساعدة التي تنتظرون من البيت الأبيض؟” فكان جوابي: “أولا: إنني أحمل معي مجموعة من الخرائط الجغرافية – السياسية، وإنني آمل أن يكون عندنا نفس التقويم تجاه هاته الأوراق المختلفة، فإذا كان أصدقائي الأمريكيون يفسرون تفسيرا ملائما تلك الأوراق الجيواستراتيجية والجيو سياسية، فلن تبقى ثمة مشكلة، ثانيا: المسألة الثانية التي طلبتها، لم تكن أسلحة ولا طائرات، قلت فقط للرئيس كارتر، وكان السيد سايروس فانس، كاتب الدولة في الخارجية، قلت للرئيس: أملي أن يبعث السيد سايروس فانس بدورية إلى جميع سفراء الولايات المتحدة الأمريكية يقول لهم فيها: “في كل مرة حضرتم إلى حفلة كوكتيل، انتهزوا أي مناسبة يمكنكم اغتنامها للتصريح بأن أمريكا حليفة للمغرب”. إن هذا يكفيني ولا ألتمس غير هذا، وأظن فعلا أن هذا هو الأهم)).

وبعد ذلك، عقد الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا يوم 29 يناير 1982، وكان من بين أهم الأسئلة، سؤال يتعلق بالهدف الرئيسي لزيارة الملك لأمريكا؟ وهنا أكد أن ((الهدف، أولا: هو التعرف على الرئيس رونالد ريغن شخصيا، ثانيا: فهم توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة بعدما قضت سنة من عمرها، ثالثا: الحديث ليس فحسب عن العلاقات الثنائية بين البلدين، ولكن للحديث عن جغرافيا استراتيجية متصلة بالمغرب وأمريكا، ذلك أن أمريكا على رأس منظمة حلف شمال الأطلسي، أي أنه لا يمكنها أن تتغاضى عن كون المحيط الأطلسي يمتد حتى إفريقيا))، وأوضح أن ((كل شيء أطلسي يجب أن يحظى باهتمام الزيارات التي يقوم بها زعماء البلدان الأطلسية إلى أمريكا، كرحلة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى أمريكا، ورحلة المستشار الألماني شميت إليها كذلك، ورحلة الحسن الثاني إليها، ورحلة الرئيس السنغالي كذلك عبدو ضيوف)).

وهكذا، فرغم زخم العلاقات المغربية الأمريكية ومتانتها على عهد الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، ومستوى التطلعات من طرف المغرب في أن يلعب دورا إقليميا مهما خلال تلك المرحلة، إلا أن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، نسف كل ذلك، وسلك منحى آخر.. فهل سيكون الرئيس الأمريكي جو بايدن، نسخة طبق الأصل له، أم أن التاريخ لن يعيد نفسه في هذه المرة، وتذهب أمريكا والمغرب بعيدا في علاقتهما ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى