ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | مؤشرات “عشرية سوداء” جديدة في الجزائر

بين الدعوة لانتخابات مبكرة سنة 1991 والدعوة لانتخابات مبكرة في 2021

يعتبر شهر فبراير واحدا من أكثر أشهر السنة هدوء في العالم، فهو أقصر شهور السنة، يحبه الموظفون، وخاصة عندما يكون عدد أيامه 28 يوما فقط، إلا أن جارتنا الشرقية يبدو أن هذا الشهر مميز بالنسبة لها، فقد شهد وقوع عدة أحداث بارزة في تاريخها حتى أصبح يثير الخوف والحرج بالنسبة لحكامها، ففي يوم 24 فبراير 1971، تم تأميم النفط في الجزائر، واحتفلت هذه السنة بمناسبة مرور خمسين سنة على تأميم هذا القطاع تحت شعار “النفط أصبح نقمة أكثر مما هو نعمة على الجزائر”. ففي بداية شهر فبراير 1991، دخلت الجزائر فيما يعرف بـ”العشرية السوداء”، وفي 22 فبراير من سنة 2019، انطلق الحراك الجزائري الذي خلد الشعب ذكراه الثانية قبل أيام قليلة.. فهل كل القرارات التي تتخذ في الجارة الشرقية خلال هذا الشهر، تكون نقمة عليها أكثر مما هي نعمة؟ مؤخرا، وبهدف محاولة التصدي للحركات الاحتجاجية، وخصوصا حركة 22 فبراير المتنامية في البلاد، دعا الرئيس الجزائري إلى انتخابات مبكرة، فهل يتشابه وضع جزائر اليوم مع جزائر 1991 عندما تمت الدعوة إلى انتخابات مبكرة، ولم تحصل هذه الانتخابات، وفي المقابل دخلت البلاد في ما يعرف بالعشرية السوداء؟

أعد الملف: سعد الحمري

هكذا أدى انخفاض أسعار النفط وتدهور الاقتصاد في الثمانينيات إلى حرب أهلية في الجزائر

تتمة المقال بعد الإعلان

    كانت البداية الفعلية للدولة الجزائرية في 24 فبراير 1971، عندما تم تأميم قطاع النفط وحققت الحكومة الجزائرية الاستقلال الاقتصادي عن فرنسا. وانطلاقا من هذه السنة، بدأت عملية التصنيع وتم إقرار الطب المجاني وتعميم التعليم، وتطبيق سياسة أكثر اجتماعية، وبعد تسلم الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد السلطة سنة 1979، بدأت محاولاته لتطبيق خطته الخماسية التي كانت تهدف إلى إنشاء قواعد للاقتصاد الحر في الجزائر والنهوض بالمستوى الاقتصادي المتعثر، غير أن الاقتصاد الجزائري استمر في التدهور خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وازدادت نسبة البطالة وظهرت بوادر شح في بعض المواد الغذائية الرئيسية، ومما ضاعف من حجم الأزمة، انخفاض أسعار النفط سنة 1986، من 30 دولارا إلى 10 دولارات للبرميل، وكان الخيار الوحيد أمام الشاذلي بن جديد للخروج من الأزمة، هو تشجيع القطاع الخاص بعد فشل الأسلوب الاشتراكي في إيجاد حل للوضعية التي باتت تعيشها الجزائر، غير أن هذه الإصلاحات قوبلت بموجة من عدم الرضا، وأخذ البعض في الشارع الجزائري يحس بأن الحكومة تظهر لامبالاة تجاه مشاكل المواطن البسيط، وهو الأمر الذي أدى إلى حركة احتجاجية كبيرة خلال شهر أكتوبر 1988، والتي أصبحت تعرف بـ”أكتوبر الأسود”، وقد كانت لهذه الأحداث نتائج مباشرة، فعلى إثرها قام الرئيس بن جديد، في مارس 1989، بتعديل دستوري سمح بالتعددية الحزبية في الجزائر، وبعد ذلك بسنة، أي يوم 12 يونيو 1990، نظمت أول انتخابات بلدية تعددية في تاريخ الجزائر، ففازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على جبهة التحرير الجزائرية (الحزب الحاكم) بسهولة من خلال فوز كاسح، حيث حصلت على 853 مقعدا من أصل 1541 وفازت بـ 31 مجلسا من مجالس الولايات من أصل 48، أي نحو الثلثين.

عندما دافع الحسن الثاني عن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات الجزائرية

    بدأ الوضع في الجزائر يثير القلق على المستوى الدولي، بعد فوز جبهة الإنقاذ الإسلامي في استحقاقات 1990، وأصبح الحديث عن إمكانية قيام حكومة متطرفة في الجزائر، غير أن موقف الجار الغربي للجزائر، وهو المغرب، كان نقيض ما كان العالم يقلق بشأنه، فقد صرح الملك الحسن الثاني لوسائل الإعلام، يوم 21 يونيو 1990، أي بعد الانتخابات بأيام قليلة، أنه لا ينبغي إصدار حكم قاطع على نتائج الانتخابات الجزائرية، وذكّر بأن الجزائر لم تعرف منذ 25 سنة تجربة ديمقراطية تعددية، وقال أن تحليل نتائج الاقتراع هو الكفيل وحده بإظهار ما إذا كان هناك تنامي للتطرف الديني، ولا يمكن لهذا التحليل أن يكتمل إلا بعد ممارسة السلطات البلدية الجماعية عندما تنتقل هذه السلطات إلى منتخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وخلص إلى أنه عندئذ يمكن التحدث بالحجج، والحكم هل يعتبر صعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ صعودا ناتجا عن النفور من الحزب الحاكم طيلة 25 سنة؟ وهل الجبهة تيار متطرف بالفعل، أم أنها ذات اتجاه إصلاحي؟

وختم الحسن الثاني تعليقه على نتائج الانتخابات وما أفرزته، بأنه لا يتعين التحسر على الجزائر، لأنه – حسب اعتقاده – أمر سابق لأوانه، وموقف متهور جدا من شأنه أن يعرقل تطور المسلسل الديمقراطي على صعيد الواقع، ودعا إلى انتظار اكتمال تجربة ما أفرزته صناديق الاقتراع، واعتبر في لقاء صحفي آخر يوم 15 غشت من نفس السنة، أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تيار شعبي يجب أخذه بعين الاعتبار.

تتمة المقال بعد الإعلان

لم ترض نتائج الانتخابات البلدية في الجزائر، الجيش الماسك بزمام الأمور، الشيء الذي دفع الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد إلى إجراء تعديلات في القوانين الانتخابية التي كانت في مصلحة جبهة التحرير الجزائرية، وكرد فعل على ذلك، دعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى إضراب عام، ما أدى إلى إعلان الأحكام العرفية يوم 5 يونيو 1991.

فكان لابد للعاهل المغربي أن يدلي برأيه في الموضوع، حيث بعد هذا الحدث بقليل، أي يوم 20 يوليوز من نفس السنة، خلال مؤتمر صحفي مع الصحافة الفرنسية، سلط الضوء على هذه القضية من جديد، حيث كان الرأي العام الدولي ينظر إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحركة متطرفة، غير أن الملك الحسن الثاني قدم رؤيته الخاصة بشأن هذه الحركة، فقد وضع حدا بين الحركات الأصولية والحركات المتطرفة، ومن هذا المنطلق، اعتبر أن جبهة الإنقاذ ليست حركة متطرفة، بل حركة أصولية، وصرح أنه شخص أصولي والمغاربة أصوليون كذلك.

وفي ذات السياق، أكد الملك أن الأمر الذي جعل الرأي العام الدولي يعتبر الجبهة الإسلامية للإنقاذ أصولية، أنه خلال خمس وعشرين عاما، وخاصة في عهد الرئيسين بن بلة وبومدين، حرم الجزائريون من الهوية الوحيدة التي حافظوا عليها بعد 130 عاما من الاستعمار، وهي الإسلام، حيث أنه لم يكن هناك تعليم ديني، كما أنه لم تكن هناك جامعة تدرس بها العربية، وتم حظر كل جمعيات العلماء، وبذلك فهم الشعب الجزائري أنه بصدد فقدان ما تبقى له من هويته التي صمدت لفترة 130 عاما في وجه الاستعمار، وهو ما أدى إلى خلق فراغ فجائي، ثم جاءت الاضطرابات والدعاية والتخريب للمتطرفين لتملأ هذا الفراغ، وخلص الملك إلى أنه يعرف الجزائريين جيدا، فهم أناس متدينون ويمارسون شعائرهم الدينية ولا يطالبون بممارستها إلا في الإطار السليم، وتابع أنه يعتقد أن المسؤولين الجزائريين وعوا بهذه المسألة.

وحول ما إذا كان قد أثار المسألة مع الرئيس الجزائري خلال زيارته الأخيرة للمغرب، قال الملك أنه تطرق للموضوع بشكل معمق معه، وحول موقف الشاذلي بن جديد من الأمر، صرح الملك بالتالي: ((إنه يقول لي إن الأمر يحتاج إلى وقت، غير أنه لا يخشى التطرف الديني بقدر ما يخشى التسيير السيء للمتطرفين المنتخبين، وهو يرى أن هذا الانتخاب وتسيير الشؤون العامة، سيضعان هؤلاء الناس على محك التجربة، وسيكون بالإمكان معرفة ما إذا كانوا مقبولين من طرف المواطنين أم لا)).

مظاهرات الجزائر سنة 1988

الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة هي التي أدخلت الجزائر في حرب أهلية

    غير أنه رغم ذلك، نظمت انتخابات تشريعية لأعضاء المجلس الشعبي الوطني في 26 دجنبر 1991، وهنا حصلت الصدمة الكبرى للحزب الحاكم، فرغم التعديلات الانتخابية واعتقال قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلا أنها حصلت على أغلبية ساحقة من مقاعد الدور الأول، أي 188 مقعدا من أصل 232، بينما حصلت جبهة التحرير على 16 مقعدا فقط، وذلك حسب النتائج التي نشرت في الجريدة الرسمية الجزائرية يوم 4 يناير 1992.

كان رأي الملك في هذه الانتخابات ما عبر عنه بعد إعلان نتائجها مباشرة، فخلال لقاء خص به جريدة “لوفيغارو” الفرنسية يوم 9 يناير 1992، صرح أن الجزائر بهذه الانتخابات، دخلت عهد المسلسل الديمقراطي، وأكد أنه ينوه بهذه الانتخابات على اعتبار أنها انتصارا للحرية، حيث أن الجزائر نظمت أول انتخابات في إطار التعددية الحزبية منذ الاستقلال، وتابع أن الشعب الجزائري ناضج ومسئول.

كان هذا الفوز للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات أمرا غير مقبول لدى كبار رجال قيادات الجيش في الجزائر، حيث قام رجال في الجيش على إجبار الشاذلي بن جديد على إلغاء النتائج، لكنه رفض، لأنه وعد شعبه بأن تكون النتائج من اختيار الشعب، فأجبر على الاستقالة يوم 11 يناير 1992.

ومحاولة من النظام القائم للحيلولة دون تطبيق نتائج الانتخابات، تم تأسيس المجلس الأعلى للدولة، الذي يتكون من 5 أعضاء وهم الجنرال خالد نزار الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع، وعلي كافي، والتيجاني هدام، ثم علي هارون، إضافة إلى محمد بوضياف الذي قدم من المغرب بعد أن قضى فيه عقودا بعيدا عن صراعات السلطة في الجزائر، وكان هذا المجلس عبارة عن مجلس رئاسي لحكم الجزائر، وذلك بعد إجبار الشاذلي بن جديد على الاستقالة وإلغاء نتائج الانتخابات، وبعد ذلك، دعا هذا المجلس إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وهي التي لم تحدث أبدا، وبهذا دخلت الجزائر في حرب أهلية سميت في تاريخها بـ”العشرية السوداء” استمرت من فبراير 1991 إلى سنة 1999 عندما صعد إلى السلطة عبد العزيز بوتفليقة.

خلال تصريحاته لوكالة “رويترز” يوم فاتح فبراير 1992، أكد الملك الحسن الثاني، أن المغرب منشغل بالوضع في الجزائر، لكنه لا يتدخل في شؤونها الداخلية، وقال بأنه انشغل بالفراغ الدستوري الذي حصل في الجزائر بعد تقديم الشاذلي بن جديد استقالته، ولم يكن هناك من يخلفه بمقتضى الدستور، وأضاف أن الجزائريين وجدوا الوسيلة لملء ذلك الفراغ، وختم بالتأكيد على أن المهم بالنسبة للمغرب، هو وجود سلطة في الجزائر يتخاطب معها.

المشكل الجزائري ليس سياسيا، بل هو مشكل اقتصادي، حسب الملك الحسن الثاني

    يوم 22 فبراير من نفس السنة، عاد الملك الحسن الثاني ليفسر الوضع بالجارة الشرقية، حينما طرح عليه سؤال خلال حديث صحفي، وطلب منه أن يفسر المأزق الذي وصلت إليه الجزائر، فأجاب بأن ذلك راجع للاختيارات التي اعتمدتها الجزائر غداة الاستقلال، وهي بالأساس نظام الحزب الوحيد، والاقتصاد الموجه، واحتكار الدولة لوسائل الإنتاج، واعتبر أن الصعوبات التي تواجهها الجزائر في بداية تسعينات القرن الماضي، هي نتيجة لتلك الاختيارات.

وعبر عن خيبته من عدم اللجوء إلى الدور الثاني بخصوص الانتخابات التشريعية الجزائرية، قائلا أنه لو تم إجراؤه لكان يتعين على المسؤولين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، أن يتقدموا بمنهج جديد ومتميز على المستوى الاقتصادي والسياسي، وهو ما كان إما أن يمكنهم من أحد الأمرين، وهو إبداع مدرسة اقتصادية وسياسية تكون قدوة، وإما كانوا سيزيغون عن الإطار الدستوري، وعندئذ سيتدخل الجيش لإنقاذ الجزائر.

وفي حديثه لجريدة “ليبراسيون” الفرنسية، يوم 7 يوليوز 1992، على خلفية اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف، ذكر أنه يستنكر هذا الفعل، وصرح أنه يبدو له أن تلك العملية التي أدت إلى اغتياله شبيهة بعملية إعدام، حيث عبر عن ذلك بكونها ليست من فعل أحمق تصرف بشكل منفرد، بل هي عملية تم التحضير لها بدقة.

وبخصوص الهم الذي كان يشغل الرئيس بوضياف، الذي كان يعبر عنه خلال لقاءاته مع الملك، قال الحسن الثاني: ((إن المشكلة التي ما فتئ يثيرها، كانت هي الوضعية الاقتصادية والمالية في الجزائر))، فذاك كان هاجسه، فخلال حديثه عن مواضيع الساعة، كان يردد أن ((مأساة الجزائر اقتصادية ومالية))، كما أنه حينما كان يتحدث عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، يقول ((إنها ظاهرة عابرة، ولكن الصعوبات الحقيقية تتجلى في الوضعية الاقتصادية)).

وهكذا دخلت العلاقات بين البلدين في حالة فتور بعد اغتيال محمد بوضياف، وقد صرح الملك بخصوص العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس الجزائري علي كافي، في تصريح صحفي آخر، أنه أرسل وفدا للقاء الرئيس الجزائري قصد تنظيم زيارة للمغرب، وأكد أنه رحب بالفكرة، إلا أنه لم يقم بأي زيارة إلى المغرب، وأكد أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة فتور دون أن يؤكد سبب ذلك، وحول سبب اغتيال الرئيس محمد بوضياف هل هو بسبب موقفه من الصحراء، ذكر الملك خلال نفس المقابلة الصحفية أنه لا علم له بذلك، حيث صرح أنه خلال آخر زيارة لبوضياف إلى المغرب، دام الاجتماع بينهما ساعتين، ولم يأخذ موضوع الصحراء سوى عشر دقائق.

بوتفليقة

تشابه وضع الجزائر اليوم مع جزائر 1991

    بدأ مسلسل جديد من تاريخ الجزائر على عهد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة من الناحية السياسية، إلا أن هذا الأخير لم يقم طيلة مدة حكمه، التي استمرت عشرين سنة، بأي إصلاحات اقتصادية، بل وقع في أخطاء سابقيه، فقد فشل في حل إشكالية فك ارتباط الاقتصاد بالنفط، بفعل غياب الإرادة السياسية لتحقيق ذلك، حيث كانت العائدات النفطية تحول لدعم الأسعار وشراء السلم الاجتماعي في وقت كان يتوجب عليه وضع نظام اقتصادي جديد.

وحسب بعض التقارير فإن ما أنفقته الجزائر طيلة 20 سنة الماضية، تجاوز الألف مليار دولار على البرامج الخماسية الأربعة التي أطلقها عبد العزيز بوتفليقة، مستفيدا من ارتفاع أسعار النفط، غير أنه انطلاقا من سنة 2014، بدأت أزمة انخفاض أسعار النفط على المستوى العالمي تلقي بظلالها على الوضع الاقتصادي الداخلي بالجزائر، حيث واجهت البلاد صعوبات كبيرة في الحفاظ على صادراتها النفطية والغازية، في ظل انخفاض الطلب الخارجي على النفط الجزائري، حيث انخفض سنة 2019 إلى 1.4 مليون برميل فقط، ما جعلها تحتل المرتبة 16 على مستوى العالم والثالثة إفريقيا، الأمر الذي أدى إلى حركات احتجاجية كان من نتائجها زوال نظام عبد العزيز بوتفليقة، وهو الأمر الذي يذكر بسيناريو سنوات الثمانينيات، عندما أدى انخفاض أسعار النفط إلى حركات احتجاجية واسعة.

وبعد ذلك، تولى رئاسة الجزائر عبد المجيد تبون، يوم 19 دجنبر 2019، والذي وجد أمامه أوضاعا اقتصادية صعبة، لعل أبرزها استمرار تهاوي مداخيل النفط التي تشكل 94 في المائة من إيرادات البلاد و79 في المائة من صادراتها، فقد تراجع إنتاج البلاد من هذه المادة الحيوية من 157 مليون طن في عام 2019 إلى 142 مليون طن عام 2020، بتراجع قدره 30 في المائة.

وفي هذا الصدد، أشارت العديد من التقارير المختصة إلى أن الجزائر مرشحة للخروج من لائحة الدول النفطية مستقبلا، لتصبح البلاد المتأزمة بدون موارد طبيعية كافية ولا بدائل اقتصادية ناجعة.

وفي أوائل فبراير 2021، تساءلت وكالة الأنباء الأميركية “بلومبرغ” التي تعد المرجع فيما وراء الأطلسي، خاصة في “وول ستريت”: “هل ما تزال الجزائر دولة نفطية؟”، حيث ذكرت أن صادرات الجزائر من الخام تمثل أقل من 1% من صادرات “أوبك”.

وفي ظل هذه الأوضاع، أعلن الرئيس الجزائري عن حزمة من الإصلاحات السياسية عوض الاقتصادية، تذكرنا بمبادرة الرئيس الشاذلي بن جديد، عندما حاول معالجة الوضعية الاقتصادية بإصلاحات سياسية أدخلت البلاد في دوامة من العنف دامت 10 سنوات، إذ أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة دون أن يحدد تاريخا لها، وذلك خلال أول خطاب موجه للجزائريين منذ عودته من رحلته العلاجية في ألمانيا، والذي تزامن مع عيد الشهيد الجزائري، وأكد أن الانتخابات المقبلة ستنهي عهد التزوير على أن تضمنها الهيئة المستقلة للانتخابات بدون أي تدخل حتى من رئيس البلاد، ولا شك أن هذه العبارة تفوح منها رائحة الخوف من شبح انتخابات 1991 عندما تدخل الجيش الجزائري واستولى على السلطة وأوقف الانتخابات التشريعية، كما دعا الرئيس الجزائري في ذات السياق، الشباب، إلى الترشح للانتخابات، وتعهد بموجب الدستور الجديد، بتقديم الدعم المالي والمعنوي لهم، وفق تعبيره.

وقد أصدر عبد المجيد تبون عفوا رئاسيا عن نحو 55 إلى 60 من معتقلي الحراك بينهم 30 شخصا صدرت في حقهم أحكام نهائية، عشية الاحتفال بالذكرى الثانية للحراك الشعبي، ووجه الرئيس انتقادات لأطراف داخلية (لم يسمها) بشأن ما قال أنه “محاولة بيع وشراء الجزائر بثمن بخس”، واعتبر أن التغيير الحقيقي الذي طالب به الحراك الشعبي تم إقراره في الدستور الجديد، بالإضافة إلى قرارات أخرى سيتم الإعلان عنها في وقت لاحق.

فهل ستكتمل هذه التجربة التي دعا إليها الرئيس، وتجرى انتخابات تشريعية حقيقية في الجزائر، أم أنها ستنتهي بتجربة أخرى، خاصة وأن كل المؤشرات تقول إما أن تكون هناك تجربة ديمقراطية حقيقة وإما أن تدخل البلاد في متاهة من الصعب التنبؤ بمستقبلها؟ وهل ستشهد البلاد انتخابات تشريعية مبكرة، أم أنها لن تحصل أبدا كما وقع سنة 1991، عندما دخلت البلاد في متاهة لم تخرج منها إلا بعد عشر سنوات ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى