تحليلات أسبوعية
تحليل إخباري | “البيجيدي” يستبق الانتخابات بانتحار سياسي
أكبر أزمة في حزب العدالة والتنمية
مثل كل المناضلين الذين يشربون من كأس السلطة، ولا يهضمون المشروع، تسرع المحامي المصطفى الرميد في إعلان استقالة “فيسبوكية” من عضوية الحكومة، وهو يسرب مشروع استقالته المرفوع إلى رئيس الحكومة، الذي ينتظر أن يرفعه بدوره إلى الملك محمد السادس، قال مساء يوم الجمعة الماضية، أن “حالته الصحية لم تعد تسمح له بالاستمرار في الحكومة”، قبل أن تبادر بعض المصادر الإعلامية إلى تأكيد خضوع الرميد لعملية جراحية، والواضح أن وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، ربما أثر عليه المرض، ما خلق بعض التعاطف مع حالته.. لكن ذلك لا يمنع من القول بأن وزير الدولة تجاوز حدوده في إعلان استقالته من جانب واحد متحديا رئيسه في الحزب والحكومة، فالأصل في هذه الاستقالة أنها تقدم بطريقة “سرية” لرئيس الحكومة، ويرفعها في إطار المساطر الدستورية أمام الملك للبت فيها(..)، ورغم ما يمكن أن يقال عن حق الرميد في الاستقالة، فإن وضعيته تعقدت أكثر، بسبب تزامن استقالته مع استقالة إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجلس الوطني للحزب، في نفس اليوم، هذا الأخير وبخلاف الرميد، شرح في استقالته ما يراه أسبابا وجيهة لهذه الاستقالة، حيث قال: “لقد قررت أن أقدم استقالتي لأنني وللأسف لم أعد أتحمل واستوعب ولا أستطيع أن أفسر أو أستسيغ ما يجري داخل الحزب ولا أقدر أن أغيره، وعليه، لا يمكنني أن أسايره من هذا الموقع أو أكون شاهدا عليه”.
إعداد : سعيد الريحاني
للكلمات دلالاتها في استقالة الأزمي، الذي بات يرفض تقديم شهادة زور في حق الحزب، حسب اعتقاده، ((فالحزب أصبح يلاحق الواقع، ويركض وراءه، ليس لأن الواقع أعقد وأسرع، ولكن لأن الحزب ربما ركن إلى الراحة وأعجبته الكثرة وخلد إلى الانتظارية وإلى الواقعية المفرطة، وألبس كل هذا لبوسا يجعله مستعدا إلى قبول كل شيء، مسخرا ملكاته وقدراته ومؤسساته للتبريرات البعدية عكس ما يعتقد، أو في الحد الأدنى بعيدا عما كان يدافع عنه بالأمس))، وأضاف الأزمي، أنه ((لابد للحزب أن ينهض وأن يراجع نفسه ومقاربته، هذا إن لم يكن قد فاته الأوان والقطار.
لا بد من مثل هذه المواقف، على صعوبتها، كي يسائل الحزب وقيادته نفسها بالعودة إلى أصله، لكي أستكشف هل مازال الحزب يصلح لشيء ما، باعتبار أنه لم يكن في يوم من الأيام دكانا انتخابيا أو هكذا يعرف نفسه، بل حرص على أن يقدم نفسه بأنه يتبوأ مكانته عن جدارة واستحقاق كحزب حقيقي بمبادئه ومرجعيته ومؤسساته، وبسعيه الحثيث نحو المساهمة في ترسيخ الاختيار الديمقراطي والإصلاحي والتنموي ببلادنا في ظل ثوابت الأمة المغربية)).. هكذا تحدث عمدة فاس قبل أن يقول: ((لقد نفذ صبري ولم أعد أتحمل أكثر وأنا أترقب ما هو آت، لا سيما ونحن نسمع هل من مزيد؟ لا سيما وأن مؤسسة المجلس الوطني ومكانته وبياناته ومواقفه أصبحت تستغل كمنصة للتهدئة وامتصاص الغضب عوض التقرير والاسترشاد والاتباع والتنزيل، باعتباره أعلى هيئة تقريرية في الحزب بعد المؤتمر الوطني)).
وقد كان من الممكن فهم استقالة الرميد والأزمي في سياق طبيعي، لولا أنها صادرة عن شخصين أتيحت لهما كل الفرص للاستفادة من الحكومة كوزراء، ومن التمثيل النيابي، ولم يتذكرا مستقبل الحزب إلا عند نهاية الولاية الانتخابية في سنة انتخابية، فأين كانوا منذ 10 سنوات؟ وهل يمكن الحديث عن “استقالة الرميد” دون ربطها باستقالة الأزمي، علما أن هذا الأخير يستحيل أن يقدم على تصرف من هذا النوع دون استشارة أمينه العام السابق، عبد الإله بن كيران..

قد تكون هذه أكبر أزمة في تاريخ حزب العدالة والتنمية منذ نشأته، لا سيما وأنها تأتي أسابيع فقط بعد توقيع سعد الدين العثماني على اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل، حيث لم يتقبل عدد كبير من أعضاء الحزب ذلك، وقد قال بعضهم: ((إن قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني مرفوض ولا يمكن القبول به))، و((إنه لا يمكن أن نرفض التطبيع في أماكن أخرى ونقبل به في المغرب)) (المصدر: تصريحات صحفية لعبد العزيز أفتاتي).
وكادت قضية انقلاب مواقف حزب العدالة والتنمية إزاء إسرائيل أن تسقط العثماني من الأمانة العامة، لولا أن المجلس الوطني، الذي يقوده إدريس الأزمي، صوت ضد تجديد القيادة، والأزمي الذي يقول اليوم أنه لا يفهم ما يجري داخل الحزب، كان من الداعمين للعثماني، حتى أن بعض الصحافة الأجنبية التي تابعت دورة المجلس الوطني الأخيرة، تحدثت عن فشل انقلاب ضد العثماني بسبب التطبيع، وقالت: ((صوت أعضاء حزب العدالة والتنمية المغربي، ذي المرجعية الإسلامية، ضد عقد مؤتمر استثنائي لاختيار قيادة جديدة، بغية إزاحة الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني، الذي يرأس الحكومة المغربية، وكانت مجموعة من أعضاء الحزب قد أعدت ما يشبه الانقلاب الداخلي ضد العثماني، وعملت على مدى شهر في الدعاية ضد موقفه من قضية التطبيع، وكان العثماني قد اتخذ موقفا سياسيا متوازنا من القرار السيادي الذي اتخذه المغرب بشأن عملية التطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي أثار حفيظة المتشددين من قيادات الحزب.. ولم تخف قيادات داخل العدالة والتنمية النقاشات الصاخبة التي لا تزال تجري داخل الحزب على خلفية قرار عودة العلاقات مع إسرائيل، وقال رئيس المجلس الوطني للحزب إدريس الأزمي، أن انعقاد الدورة العادية للمجلس الوطني للحزب يأتي في وقت أرخت فيه الجائحة بظلالها على العالم، وأن هذه الدورة تأتي في ظل حدث تاريخي يعتبر نصرا دبلوماسيا يتمثل في الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وأضاف الأزمي، أن الحزب يعيش على وقع نقاشات لا تنتهي حتى تبدأ من جديد(..)، المؤتمر الوطني المقبل سيكون محطة داخلية مهمة لمساءلة الذات وتقييم الأداء)) (المصدر: جريدة العرب: الإثنين 25/1/2021).
ما يقع اليوم في حزب العدالة والتنمية، ليس سوى تكريسا لأزمة تتدحرج مثل كرة الثلج، وقد كان عنوان الأزمة هو المذكرة التي وقعها عدة قياديين داخل الحزب خلال شهر شتنبر الماضي، والواضح أن لعنة بن كيران لازالت ترخي بظلالها على هذا الحزب، ورئاسة العثماني للحكومة لم تزد هذه الأزمة إلا انتعاشا، حيث يقول أصحاب هذه المذكرة: ((كان لإعفاء بن كيران من رئاسة الحكومة، أثر بليغ على تطلعات الشعب، الذي منح صوته لحزب العدالة والتنمية، الذي كان يقوده الرجل ليستمر في مسلسل الإصلاح الذي انطلق منذ سنة 2011، لكن التخوفات التي تلت الإعفاء، سرعان ما تبددت بعد تعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة، حيث اعتبر البعض أن العثماني سيحافظ على نفس المعايير التفاوضية التي اعتمدها الحزب خلال مرحلة “البلوكاج”، بحيث أن تلك المعايير لم تكن رأيا شخصيا للأستاذ بن كيران واختيارا له فقط، بل كانت معايير وقف وراءها كل الحزب، قيادة وقواعد.. هذه الطمأنينة التي تلت تعيين العثماني لم تدم طويلا، فبعد إعلان الائتلاف الحكومي الذي يضم ستة أحزاب، أحس عموم المناضلين بحسرة وأسى.. إذ كيف يعقل في ظرف أقل من أسبوعين، أن تتغير المعايير التفاوضية لتشكيل الحكومة، وكيف يتم التراجع بكل سهولة عن المعايير التي يدير بها الحزب المفاوضات حول تشكيل الحكومة دون توضيح أو نقاش؟ ألا يكفي التضحية ببن كيران، فلم التضحية بالإرادة الشعبية كذلك؟ من دبر عملية تشكيل الحكومة؟ من المسؤول عن تغيير المعايير التفاوضية؟ وهذه التنازلات الغير مبررة كانت مقابل ماذا؟..)) (المصدر: مذكرة موجهة للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية بعقد مؤتمره الاستثنائي: مبادرة النقد والتقييم/ شتنبر 2020).





السؤال الحقيقي والعميق هو: ألم يخض حزب العدالة والتنمية حملتيه الانبخابيتين بشعارات واضحة ومحددة ، ألم يفتتح قيادته الحكومة لمرحلتين ببرنامج سياسي وأهداف والتزامات لازالت مكتوبة ومعروفة ؟؟؟ فأين هو من كل ذلك؟؟؟؟؟ ليتقدم لمناقشة الحساب نقطة نقطة ويثبت أنه كان عند وعده ولم يخلفه بما يناقضه من زيادات ومسامحات واستغلالات للمناصب والوزارات وغيرها ؟؟؟؟ وإن لم يفعل ولن يفعل فإن التاريخ لا يرحم وكم من المتنطعين قبله وأذكى منه وأقرب صاروا في ذمة التاريخ إن لم نقل شيئا آخر؛ أما تقديم الاستقالات من وزارة أو مجلس فهذا لا يعني المواطن أبدا لأنه يدرك ويعي أنها ما كانت لتكون إلا بعد امتلاء الجيوب والحسابات وترسيخ الاستفادات والامتيازات وكل شي معروف.ا أما أن يحظى بالثقة الكاذبة مرة أخرى فهو أمر مشكوك فيه جدا لأنه لم يحظ بها قط حقيقة أو عن جدارة وإنما بما كان تحت الطاولة أو الطاولات وللديموقراطية الوقتية أوجهها المعروفة.