ملف الأسبوع

ملف الأسبوع | كيف يتعامل الملوك العلويون مع هجومات الصحافة الأجنبية

من السلطان إلى الملك

على خلفية صدور كتاب “صديقنا الملك” للكاتب الفرنسي جيل بيرو سنة 1990 والذي كان كله تطاولا على شخص الملك الحسن الثاني، وما أثار ذلك من ضجة كبيرة حول حدود حرية التعبير في فرنسا، خص الملك الحسن الثاني رجال الصحافة الفرنسية يوم 20 يوليوز 1991 بحديث في هذا الموضوع، وقد أكد خلال ذلك اليوم أن الصحافة الفرنسية تنعته بالإقطاعي، وقال يومها منتشيا أمامهم بكل فخر واعتزاز أنه ليس من شيم العرب أن يتطاولوا على رؤساء وملوك الدول وينتقدوهم بهذه النعوت، وضرب لهم مثلا على ذلك أن علاقته مع جمال عبد الناصر لم تكن جيدة في يوم من الأيام، ولم يحدث أن نعتته الصحافة المصرية بهكذا نعوت أو تطاولت على شخصه، وأضاف أنه حتى الجزائر، رغم الخلافات الدائمة معها، إلا أن إعلامها لم يتطاول على شخصه، كما أن الصحافة المغربية لم يحدث أن شتمت أو سبت ملكا أو رئيسا.

وتابع الحسن الثاني حديثه خلال ذلك اليوم قائلا: ((الصحافة المغربية حرة في أن تقول ما تشاء، والشيء الوحيد المحظور عليها هو أن تتناول شخص رئيس الدولة من خلال الكاريكاتور، وهذا قد لا يروقكم، لكن تناول شخص رئيس الدولة من خلال الكاريكاتور شيء يغيضنا كثيرا، وفوق ذلك، فهو ليس من أخلاقنا)).

تتمة المقال بعد الإعلان

غير أن ما كان يتفاخر به الملك أمام الصحافة الفرنسية، وهو نخوة العرب في عدم التطاول على الملوك والرؤساء، كسرت قاعدته جارته الشرقية، عندما تطاولت على شخص ابنه ملك المغرب حاليا، محمد السادس، وفي هذا الملف، يمكن أن نسافر بكم عبر أبرز الحالات التي تم فيها التطاول على شخص الملك من طرف الدول الأجنبية طيلة القرن العشرين، وكيف تعامل ملوك الدولة والمغاربة مع ذلك.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال بعد الإعلان

التطاول على شخص الملك من طرف فرنسا كان السبب الحقيقي لطردها من المغرب

    ظل ملوك وسلاطين الدولة العلوية محط تقدير واحترام منذ تأسيسها، حيث كان شخص الملك محترما لمدة قرون من لدن جميع البلدان، حيث كانت للدولة العلوية علاقات منذ نشأتها مع مختلف دول العالم، وكان تقدير شخص السلطان هو العلامة الثابتة، وحتى عندما فرضت الحماية على المغرب من طرف فرنسا وإسبانيا، ظل السلطان يحظى بالتقدير والاحترام من البلدين، بل إن كل خطوة أرادت الدولتان الحاميتان الإقدام عليها، كان ضروريا أن يؤشر عليها السلطان، ذلك أنه كان هو الوحيد الذي يؤشر على الظهائر، وكان كل شيء ينفذ لا يتم إلا باسم السلطان.

واستمر الأمر على ما هو عليه، حتى وقعت حادثة واحدة وهي عندما استخفت فرنسا بمشاعر المغاربة، وأقدمت على نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى المنفى السحيق، يوم 20 غشت 1953، وقالت ببساطة أنه لم يعد صالحا للحكم، ومن السهولة بمكان تعويضه بملك آخر، فكان أن رد المغاربة على هذا التطاول، ما جعل فرنسا تندم عليه، وغيرت هذه الفعلة وجه الأحداث، حيث كان ذلك إيذانا بطرد المستعمر الفرنسي.

فقد ثار المغاربة قاطبة ضد هذه الفعلة، التي اعتبروها لا تغتفر من طرف فرنسا، وتحولت ردة الفعل من التنديد إلى المقاومة المسلحة، التي استمرت لأكثر من سنتين حتى انتهى الأمر بخروج فرنسا من المغرب وحصلت البلاد على استقلالها، وعاد الملك المنفي إلى عرشه، وأصبح هو البطل الذي جلب الاستقلال للمغرب، ومنذ ذلك الحين، أصبح العالم يفهم جيدا ماذا يعني شخص الملك بالنسبة للمغاربة.

يوم فكر الحسن الثاني في طرح مشروع قانون على هيئة الأمم المتحدة ينص على احترام رؤساء الدول بعد تطاول الصحافة البريطانية على شخصه سنة 1975

    رغم وقوع خلافات عديدة بين المغرب وعدة دول، إلا أن إعلام البلدان التي دخل معها المغرب في صراعات لم يخرج عن حدود اللباقة المتعارف عليها دوليا، ولم يحدث أن وقع تطاول على شخص الملك، إلا أنه في سنة 1975، وقع حادث غريب وهو تطاول الصحافة البريطانية على شخص الملك الحسن الثاني، والتي كانت ومازالت، تعتبر أقوى وسائل الإعلام في العالم إذ أنها تساهم في توجيه الرأي العام الدولي.

فبالموازاة مع قضية الصحراء التي كانت الشغل الشاغل لكل أطياف المجتمع المغربي، بل في العالم خلال سنة 1975، كانت هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عنها، حيث كان المغرب يطالب باسترجاع سبتة ومليلية، وابتداء من هذه السنة، نهج المغرب سياسة جديدة في سبيل مساعيه من أجل استرجاعهما، وقد قام بربط مستقبل سبتة ومليلية بمستقبل جبل طارق، الذي كان ولازال تابعا للتاج البريطاني، وكانت إسبانيا خلال تلك الفترة تضرب عليه الحصار، وتضغط بشدة لاسترجاعه من الحكومة البريطانية.

وقد قيل كثير من الكلام في الأوساط السياسية خلال تلك المرحلة عن تفاهم مغربي إسباني حول جبل طارق، وكثرت الإشاعات عن قيام المغرب بالضغط على الحكومة البريطانية بطرق مختلفة من أجل التنازل عن السيادة على جبل طارق لمصلحة إسبانيا، فكانت هذه القضايا موضوع سؤال وجهه أحد الصحفيين للملك الحسن الثاني خلال إحدى الندوات الصحفية، حيث طلب منه توضيح ما إذا كان المغرب وإسبانيا قد توصلا إلى تفاهم حول ملف جبل طارق؟ وما إذا كان المغرب يمارس ضغطا مباشرا أو غير مباشر على الحكومة البريطانية بهذا الخصوص؟ فنفى الملك هذه الأخبار، وأكد أنه لا توجد مباحثات بين المغرب وإسبانيا حول جبل طارق وسبتة ومليلية، كما أنه أنكر وجود مفاوضات أو ضغوط سياسية مغربية على بريطانيا، وأكد أن السياسة المغربية ليست قائمة على الضغوط، بل على الحوار والصراحة.

ورغم نفي الملك علنا هذه الشائعات، إلا أن الحكومة البريطانية كان لها رأي آخر، وعقدت العزم على الرد على المغرب، فأقدمت على شن هجمة إعلامية عن طريق صحافتها، التي كانت ومازالت تعتبر الأقوى في العالم، حيث قامت الصحافة البريطانية بهجوم حاد على شخص الملك الحسن الثاني والعائلة الملكية، متهمة المغرب بأنه من أهم مصدري المخدرات لبريطانيا طيلة سنوات عديدة، وأن هذه المخدرات تزرع في أراضي في ملكية ملك المغرب، كما نعتته بعبارات غير لائقة، وتطاولت على شخصه.

لم يقم المغرب بأي رد فعل رسمي على هذا الهجوم الذي مس شخص الملك مباشرة، بل كان الجواب عن طريق الحسن الثاني، عندما عقد ندوة صحفية كانت الأولى بعد المسيرة الخضراء بالقصر الملكي بالرباط، يوم 25 نونبر 1975، وهناك سأله أحد الصحفيين السؤال التالي: “صاحب الجلالة، إذا سمحتم، أريد أن أطلب منكم التعليق على بعض المقالات التي نشرت منذ بضعة أيام في العديد من الصحف البريطانية والقائلة بوصول أطنان من المخدرات لبريطانيا طيلة عدة سنوات، وخاصة منها الكيف الوارد من المغرب والذي يزرع في أراضي تملكها العائلة الملكية، وفي العديد من هذه المقالات، تم اتهامكم بشكل قوي وغير لائق بكم، وأريد أن أطلب منكم تعليقكم الخاص حول هذه القضية؟”، ولم يهاجم الملك بريطانيا أو صحافتها، بل أجاب بطريقة دبلوماسية، حيث أوضح بداية أنه فكر في طرح مشروع قانون على هيئة الأمم المتحدة ينص على احترام شخص رئيس الدولة من قبل الصحافة، وعبر عن ذلك بالقول: ((لقد قلت في نفسي، يجب أن أطلب من الأمم المتحدة أن تضع مشروعا لاحترام قواعد الأدب بين الأصدقاء رؤساء الدول))، وعلل ذلك بقوله: ((وأعتقد أن هناك بعض المفردات وبعض الإشارات يجب ألا تستعمل في الحديث عن رئيس الدولة)).

أما رده على اتهامات الصحافة البريطانية، فقد أكد الملك الحسن الثاني أنه فتح تحقيقا معمقا في الموضوع، وتبين له أنه لا يملك أي أراضي في الريف، وكذلك الأمر بالنسبة لأجداده أو أبناء عمومته، ولا أحد من العائلة الملكية يملك أية أراض في الريف، وأضاف أنه لم يكتف بهذا التحقيق، بل أعطى أوامره لكل من وزير الداخلية ووزير المالية، ليقوم كل واحد منهما على حدة، بالبحث في إمكانية وجود أراضي يكتريها أحد من العائلة الملكية في الريف، وأوضح أن البحث أسفر عن أنه لم يثبت وجود ولا قطعة صغيرة يكتريها فرد من العائلة الملكية، كما أنه لا توجد أية أراض مسجلة في المحافظة العقارية باسم أحد من العائلة الملكية، وتابع موضحا، أنه مستعد للسماح لمدير مكتب مكافحة المخدرات بأن يحضر إلى المغرب ليفتح تحقيقا في هذا الموضوع إذا أراد أن يفعل ذلك.

وختم الملك جوابه عن هذا السؤال بالقول: ((ولكن من الخطأ أن تتصور أن رجلا في وضعيتي يقوم بنشاطات مماثلة على بعد ثلاثة آلاف كلم من منزله، بينما شعبي الذي يعيش معي ويلتف حولي لم يسبق له أن راوده أي شك.. فكروا بأن شعبي تابع مدة 15 سنة من جلوسي على العرش كل ما أقوم به وهل سبق أن علم أن ملكه كان يمارس مثل هذه النشاطات، وبالنسبة لي، فإن هذا لن يضر سوى الشخص الذي ردد هذه الأقوال، وإني لا أعرف كيف ستكون في المستقبل الثقة البشرية والعلاقات الإنسانية التي يمكن أن تجمع بين هذا الشخص الذي تلفظ بهذه الأقوال وباقي رؤساء الدول الأخرى، ولو كنت مكانه لشعرت بالخجل. وعلى كل حال، أشكرك على طرحك لهذا السؤال، لأنني لم أكن أريد طرحه، إلا أنه كان شاقا علي ألا أبوح بالجواب عن هذا السؤال)).

الوزير الأول المغربي، عز الدين العراقي لنظيره الفرنسي عندما تطاولت فرنسا على شخص الملك سنة 1990: إن المس بشعار “الله الوطن الملك” دائما ما كانت له انعكاسات وخيمة

    لم يمض الكثير من الوقت على هذا الهجوم من طرف الصحافة البريطانية على شخص العاهل المغربي، حتى بدأت ملامح أزمة مع قوة عظمى جديدة تلوح في الأفق، فقد صعد في فرنسا إلى رئاسة الجمهورية، فرانسوا ميتران سنة 1981 عن الحزب الاشتراكي الفرنسي، وظهرت نوايا هذا الأخير عندما زار الجزائر خلال نفس سنة توليه الحكم، وفي المقابل، لم يقم بزيارة رسمية إلى المغرب إلا سنة 1983.

وبالموازاة مع ذلك، ظهرت مشاكل كثيرة عكرت صفو العلاقات بين البلدين، حيث طبعها سوء تفاهم، وبعض التجاوزات الناتجة عن التصور الفرنسي لحقوق الإنسان بالمغرب، وظلت المملكة طيلة هذه المدة تؤكد أن العلاقات الرسمية بين البلدين ممتازة، وأن المشكل الوحيد هو هجوم السلطة الرابعة، المتمثلة في وسائل الإعلام الفرنسية، على المغرب.

إلا أنه، وبعد مرور تسع سنوات على حكم فرنسوا ميتران للجمهورية الفرنسية، حدث مستجد أبان عن الوجه الحقيقي لنظام الحكم الفرنسي ونواياه الحقيقية تجاه المغرب، فقد صدر سنة 1990 كتاب من توقيع الكاتب الفرنسي جيل بيرو بعنوان “صديقنا الملك” وبالفرنسية”Notre ami le roi” ، تطرق من خلاله صاحبه لعدد من المواضيع حول ملك المغرب الحسن الثاني، حيث حاول أن يظهره على شكل “الديكتاتور الوحشي”، لكن الملك والمغرب، اعتبر أن ذلك مجرد كاتب ناقم على المغرب والعاهل المغربي، ومجرد حرية شخصية في بلاد الأنوار، غير أن المثير في الموضوع، هو أن إذاعة فرنسا الدولية، وهي إذاعة رسمية فرنسية، استضافت الكاتب جيل بيرو، وتحدث عن كتابه الذي كله سب وشتم في حق شخص الملك الحسن الثاني، ومعنى إقدام الإذاعة الفرنسية على هذه الخطوة، هو تبني الحكومة الفرنسية لما ورد في هذا الكتاب.

قبل هذه الخطوة، لم يحرك المغرب ساكنا، غير أنه مباشرة بعد استضافة الإذاعة الفرنسية لكاتب “صديقنا الملك”، ردت الحكومة المغربية بشكل رسمي ومباشر على ذلك، حيث وجه الوزير الأول المغربي عز الدين العراقي رسالة إلى الوزير الأول الفرنسي ميشيل روكار، جاء فيها وبدون مقدمات: ((إذا كنت قد تجنبت استعمال الطرق الدبلوماسية المعتادة من أجل أن أكاتب الوزير الأول في حكومة فرنسا، فإن ذلك يرجع لكون هذه الرسالة تكتسي أهمية قصوى في نظر الحكومة والشعب المغربيين))، ثم تطرق للمشكل قائلا: ((تشهد فرنسا في الأيام الأخيرة حملة للتشهير بالمغرب تمس نظامه السياسي واختياراته الاقتصادية والاجتماعية، ويشارك في هذه الحملة العدائية أشخاص ومجموعات مختلفة، وقد تمت تعبئة وسائل هامة من أجل أن تنشر كل وسائل الإعلام ادعاءات كاذبة واتهامات زائفة ضد المغرب، فوصلت هذه المناورات الدنيئة ذروتها في حديث السيد جيل بيرو لإذاعة فرنسا الدولية، والذي استعرض فيه محتوى كتابه المعنون بـ”صديقنا الملك”، وقد اعتبرت مختلف شرائح الشعب المغربي هذه المبادرة إهانة كبرى تذكر جزء كبيرا من مواطنيها مرة أخرى بالافتراءات المغرضة التي نشرت عن الأسرة الملكية عشية الأزمة الكبرى لسنة 1953))، وتابع الوزير الأول المغربي في رسالته الشديدة اللهجة: ((ويعد هذا البرنامج من بين البرامج التي لا تسمح بالنظر لطابعها المؤذي، لا برد موضوعي ولا باللجوء إلى القضاء، وإن هذه المحاولة أو تلك لن تعمل سوى على خدمة النيات الخبيثة لأصحاب هذه البرامج، بل إنها لم تكن تستحق سوى الاستخفاف والصمت لو أنها لم تأت من إذاعة فرنسا الدولية، على اعتبار أن هذه الإذاعة ليست كباقي وسائل الإعلام الأخرى، ذلك أن نظامها القانوني معروف من لدن الجميع، ولا يمكن أن نثير بخصوصه الحجج المعتادة المتعلقة بحرية الصحافة، وعدم مسؤولية بعض الصحفيين)).

وختم الوزير الأول المغربي رسالته بالتذكير بالتالي: ((السيد الوزير الأول، إن شعار “الله الوطن الملك”، كان وسيظل شعار المغرب، وقد ظلت التقلبات التي عرفتها العلاقات بين بلدينا خلال تاريخنا الطويل، مقبولة ما بقي هذا الثلاثي المقدس محترما ومقدسا عبر ألف ومائتي سنة من وجود دولتنا، وعلى العكس من ذلك، فإن كل ما مس بأحد عناصر هذا الثلاثي، كانت له دائما انعكاسات وخيمة)).

لم يتأخر الرد الفرنسي على هذا الاحتجاج المغربي، فقد أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، بمناسبة مرور عشر سنوات على صعوده إلى حكم الجمهورية الفرنسية، أنه قرر ألا تكون هناك مفاضلة بين تونس والجزائر والمغرب بخصوص العلاقات الفرنسية مع البلدان الثلاثة، ومعنى هذا انتهاء عهد التقارب الفرنسي الجزائري على حساب المغرب.

وفور هذا التحول، استضافت الإذاعة الرسمية الفرنسية “فرانس أنتير”، التي كانت قد تسببت في أزمة بين البلدين بعدما استضافت جيل بيرو صاحب كتاب “صديقنا الملك”، استضافت هذه المرة الملك الحسن الثاني، يوم 6 ماي 1991، وكان موضوع الاستضافة هو موقف الملك من قرار الرئيس الفرنسي، وقد أوضح الملك خلال طيلة دقائق المقابلة، أن العلاقات الرسمية بين البلدين ممتازة ويسودها التعاون، وأكد أن المشكل الوحيد كان هو مهاجمة وسائل الإعلام الفرنسية للمغرب ورموزه، إلا أنه أكد أن العلاقات الرسمية بين البلدين لم تتأثر بذلك.

الوجه الحقيقي للصحافة الفرنسية ينكشف مرة أخرى بعد التطاول على شخص الملك محمد السادس

    بعد تلك الأزمة بين المملكة وفرنسا، هدأت الأوضاع، ولم يحدث أن وقع أي تطاول على شخص الملك من الخارج، واستمر الوضع إلى حين وفاة الملك الحسن الثاني، واعتلاء الملك محمد السادس العرش، الذي ظل خلال مدة حكمه محط تقدير وإجماع جميع وسائل الإعلام الدولية، وظلت مبادراته تحظى باحترام جميع البلدان، إلا أن هذا الحال لم يدم طويلا، فبالتزامن مع ثورات الربيع العربي وظهور “حركة 20 فبراير” بالمغرب، وصعود الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى حكم الجمهورية الفرنسية، تحول الموقف الفرنسي تجاه المغرب، كما تحول الصحفي الفرنسي الشهير، إيريك لوران، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع الحسن الثاني، والذي أجرى معه حوارات صدرت على شكل كتاب سنة 1993 موسوم بعنوان “ذاكرة ملك”، تحول هذا الأخير إلى عدو ومهاجم لشخص الملك محمد السادس، فقد أصدر سنة 2012 كتابا يفصح عنوانه عن محتواه “الملك المفترس”، تطرق من خلاله إلى سيطرة الملك محمد السادس ومقربيه على الاقتصاد في المغرب، حيث أبرز أن أصدقاء الملك اغتنوا بسبب احتكارهم للسوق الاقتصادية والكسب الغير مشروع.

بعد ثلاث سنوات من صدور هذا الكتاب، وخلال سنة 2015، وعندما كان العالم يستمتع بعطلة الصيف، وقع أمر غير مألوف، وهو توقيف الصحفي الفرنسي المشهور بنزاهته واستقامته في فرنسا إلى جانب زميلته كاترين غراسيي، والسبب هو تهمة الابتزاز، حيث حاولا ابتزاز ملك المغرب محمد السادس بمقابل مادي وصل إلى ثلاثة ملايين أورو، مقابل عدم نشر كتاب عن المغرب قالوا أنه يحمل “تفاصيل خطيرة”.

كشف محامي المغرب إيريك دوبون موريتي عن تفاصيل ما حصل، حيث أوضح أن الصحفيين إيريك لوران وزميلته كاترين غراسيي، كانا قد اتصلا بالديوان الملكي للإعلان عن أنهما بصدد التحضير لنشر كتاب حول المغرب، لكنهما أعربا عن استعدادهما للتخلي عن ذلك مقابل تسليمهما مبلغ ثلاثة ملايين أورو، وبعد اجتماع أول بين الصحفي الفرنسي والمحامي الذي يمثل الجانب المغربي، قررت المملكة وضع دعوى في الموضوع لدى النائب العام بباريس.

وقد عقد اجتماع جديد بباريس مع الصحفي الفرنسي تحت مراقبة الشرطة والنيابة العامة، تم خلاله تسجيل أقوال لوران كما تم أخذ صور، وفي الاجتماع الثالث الذي عقد تحت مراقبة الشرطة، تم تسليم مبالغ مالية للوران وغراسيي، اللذين قبلاها ووقعا على العقد، وبذلك سقط الصحفي الشهير سقطة مدوية بعد التطاول على شخص الملك محمد السادس في المرة الأولى ومحاولة ابتزازه في الثانية، ليحكم على مساره الصحفي الطويل بالسقوط الدنيء، وهو ما دفع الكثيرين ليطلقوا عليه لقب “الصحفي المفترس”.

وبعد ذلك بسنة، أعلنت القناة الفرنسية “فرانس 3″، عن عرض وثائقي في ماي 2016، وهو الذي قيل إنه سيكون مزلزلا وسيتطرق لثروة الملك محمد السادس، وعلى إثر ذلك، تصدرت “هاشتاغات” اسم القناة والوثائقي صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنه بعد عرضه، اعتبره العديد من المتتبعين برنامجا عاديا، ولم يأت بأي جديد يذكر، لأنه اعتمد على صور وأرشيف سبق وأن شاهده المغاربة لمرات عديدة، كما أن منتجي هذا الوثائقي لم يكونوا منصفين على مدار أجزائه، واكتفوا بتصريحات لما يمكن تسميتهم بمعارضين للنظام، وهو ما يضرب في عمق ونزاهة العمل الصحفي، كما سقط معدو الفيلم الوثائقي الذي اعتبره إعلاميون مغاربة لا يمت بأي صلة للتحقيق الصحفي، سقطة صحفية لاأخلاقية وغير مهنية، حينما استعانوا بصور من دولة عربية شرق أوسطية، ونسبوها للمغرب.

غير أنه بعد صعود الرئيس الفرنسي الجديد إلى دفة الحكم، عادت الأمور إلى مجاريها بين البلدين، وتوقفت الحملات الإعلامية التي تتطاول على شخص الملك، إلا أن نفس الأمر حدث مؤخرا من طرف الجارة الشرقية الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى