تحليلات أسبوعية
تحليل إخباري | عندما قاومت السلطات المحلية المناورات الإسبانية لاحتلال جزيرة “ليلى”
على هامش وفاة المعزوزي.. قراءة في شهادات قيدوم ولاة وعمال الحسن الثاني
((بتاريخ 26 فبراير 1986، نشرت الجريدة الرسمية الإسبانية تحت عدد 1.191، مشروع قانون يضم جزيرة “المعدنوس” (ليلى)، إلى دائرة تراب سبتة المحتلة، وبعد اطلاعي على هذا المشروع، حاولت الاتصال على عجل بالمسؤولين في وزارة الداخلية، وكنت آنذاك مستشارا بمقر الشؤون القروية، مطالبا بمقابلة السيد الوزير أحمد رضى اكديرة..))، هذا الكلام ليس لمناضل سياسي، بل هو كلام رجل سلطة، تابع لوزارة الداخلية، وشتان بين شجاعة المناضلين وشجاعة رجل السلطة، الذي يجب أن يحيط كافة تصرفاته بواجب التحفظ.
إعداد : سعيد الريحاني
محمد المعزوزي الذي وافته المنية نهاية الأسبوع المنصرم، وصاحب الكلام أعلاه، هو واحد من رجال السلطة المقربين من الملك الراحل الحسن الثاني، ومعلوم أنه لكل زمن رجالاته، فرغم أنه كان رجل سلطة، إلا أنه كان يمتلك سلطة الكتابة أيضا، والذين يعرفونه يعرفون أنه ظل يكتب حتى اللحظات الأخيرة من حياته، والفقرة السالفة الذكر ليست سوى مقدمة لما حكاه فيما بعد عن جذور الأزمة بين المغرب وإسبانيا حول جزيرة “ليلى”.
لم تقف الصحافة كثيرا على وفاة المعزوزي، وهو واحد من أصدقاء جريدة “الأسبوع”، حيث كان يقرأ الأخبار ويتفاعل معها بطريقة مختلفة، حتى أنه لم ينم ذات ليلة من أواخر شهر ماي السنة الماضية، عندما قرأ خبرا يتحدث عن إجلاء مواطنين أفارقة علقوا بجزيرة “ليلى” وهم بصدد الهجرة السرية إلى أوروبا، حيث كتبت الصحافة أن ((إسبانيا والمغرب اتفقا على السيادة المشتركة على جزيرة ليلى بعد 15 ساعة من المفاوضات والاتصالات مع مدريد لإجلاء المهاجرين العالقين فوق الجزيرة)).. ((من كان يفاوض من؟ ومن هي الجهة التي وضعت نفسها فوق الجميع لتقتص من السيادة المغربية على الجزيرة المذكورة؟ ولماذا سكتت الحكومة المغربية عن هذا الموضوع الخطير؟ ماذا حصل بين الأمس واليوم، حيث تحولت السيادة الكاملة على جزيرة ليلى إلى نصف سيادة؟ أين هي أجهزة الدولة؟ وأين هي أجهزة وزارة الداخلية؟ وأين هي مصالح مراقبة التراب الوطني؟ كلها أسئلة فرضت نفسها بقوة بعد هذا الحادث، الذي لا يعلم ما إذا كان عرضيا، أم مدبرا للاقتصاص من السيادة المغربية؟)).. هكذا تساءل الراحل المعزوزي، باعتباره واحدا من رجال وزارة الداخلية، الذين كان لديهم إلمام بتفاصيل الاحتلال الإسباني للجزر المغربية.
في كتابه النادر تحت عنوان “مذكرات عامل إقليم”، حكى المعزوزي عن تدخلاته كرجل سلطة لدى وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية، اكديرة، ليحد من تطاول السلطات الإسبانية على التراب المغربي، خاصة جزيرة “ليلى”، فقال له عبر رسالة خاصة: ((.. من المعلوم أن هذه الجزيرة لم يسبق لها أن احتلت من بين الجزر المستعمرة من طرف الإسبان، والتي هي موضوع نزاع بين المغرب وإسبانيا، ونجد هذه الجزيرة في الخرائط تحت اسم ليلى، أما الإسبان فيسمونها جزيرة بيرخيل، بينما تعرف لدى سكان المنطقة باسم تورة.. وقد قامت السلطات الإسبانية مؤخرا بوضع مشروع قانون خاص بمدينة سبتة يعتبر جزيرة بيرخيل داخل تراب بلديتها، ولاشك أن الإسبان استغلوا سكوتنا لجعلنا أمام الأمر الواقع، بإلحاق هذه الجزيرة بباقي الجيوب المحتلة، فكان من الواجب على السلطات المحلية أن تأخذ التدابير اللازمة منذ استقلال المغرب، لتعمير هذه الجزيرة، ومنح إعانات مادية للمقيمين فيها.. وفي تصوري، فإن الإسبان مقبلون لا محالة على احتلال الجزيرة إذا لم نفعل شيئا.

كيف يمكن أن نواجه هذه المناورة الإسبانية ذات العواقب الوخيمة؟ فلا يمكن إحباط هذا المشروع الاستعماري إلا بالوجود الفعلي في هذه الجزيرة، في الحين وبدون انتظار، أينبغي لنا أن نلزم السكوت أمام الحوادث المفاجئة والخطيرة إلى أن يصادق الإسبان على نص التشريع المقترح؟ وهو ما يعني الشروع في بتر جزء من التراب الوطني، ولا شك أن إسبانيا عازمة على هذا الأمر في وقت قريب..)) (المصدر: مقتطف من رسالة المعزوزي إلى الوزير مستشار الملك الحسن الثاني، اكديرة، بتاريخ 21 يوليوز 1986).
وانظروا للفرق بين رجال السلطة بين الأمس واليوم، فمن من رجال السلطة المحلية اليوم يقوم بدوره في التنبيه إلى محاولة الترامي على جزء من التراب الوطني؟
لقد كان تدخل المعزوزي وقتها، وهو تدخل صالح لكل الأزمنة، وراء صياغة رسالة شديدة اللهجة من طرف وزارة الخارجية المغربية، إلى السلطات الإسبانية تقول فيها: ((لا يخفى على السلطات الإسبانية أن جزيرة تورة لا توجد سوى على مسافة 250 مترا من اليابسة، وعلى بعد حوالي 4 كيلومترات غرب جيب سبتة، وبالتالي، فهي تقع ليس فقط في نطاق المياه الإقليمية، بل وفي نطاق المياه الداخلية للمملكة المغربية، وذلك بموجب مقتضيات المرسوم رقم 2/75/311 الصادر بتاريخ 21 يوليوز 1975..)) (من رسالة إلى سفيرة إسبانيا في الرباط. 5 يناير 1987 صادرة عن وزارة الخارجية/ سبق نشر تفاصيل أكثر في أعداد الأسبوع).
رجل سلطة مثل المعزوزي، كان دائما مستعدا لدفع الثمن، فالنضال ليس مقتصرا على الانتماء إلى حزب معين، وقد كان موضوع جزيرة “ليلى” من المواضيع الشائكة دائما، فالمعزوزي، ورغم أنه كان مقربا من الملك الراحل الحسن الثاني، ومكلفا بملفات حساسة مثل ملف الصحراء الشرقية وملف الصحراء، وشؤون الحدود.. إلا أنه وجد نفسه مبعدا عن عمله كعامل لصاحب الجلالة في ظرف أقل من شهر على احتجاجه على هذا التحرش بالسيادة المغربية من طرف إسبانيا، ليقول له أحد المسؤولين بوزارة الداخلية، أن الإبعاد له علاقة بالأجور وبضرورة تقليص الملحقين بالإدارة المركزية، وهو أمر لا يصدقه أحد. (تفاصيل أكثر: الأسبوع عدد 8 يونيو 2019).
العلاقات المغربية التي أسقطت المعزوزي في وقت من الأوقات، كانت هي نفسها التي أسقطت بعض رموز الحكومة المغربية رغم علاقتهم مع القصر، فقد دار الزمان دورته ليدفع محمد اليازغي، وزير الدولة السابق، على سبيل المثال، ثمن التدخل في هذه القضية، حيث وجد نفسه أمام تدخل ملكي صارم، ليكتب بعد سنوات: ((إن الملك محمد السادس ترأس مجلسا وزاريا لمناقشة الأزمة مع الطرف الإسباني، حيث قرر أن يبعث فريقا صغيرا من القوات المساعدة والدرك الملكي لحراسة الجزيرة، دون إخبار الوزير الأول آنذاك، عبد الرحمان اليوسفي.. وقتها رأى اليازغي، أن شعبية رئيس الوزراء خوسي ماريا أزنار، كانت في الحضيض، مبينا أن الوقت غير مناسب لكي يعطي المغرب الفرصة له ليظهر كشخصية قوية تواجه المغرب.. لكن الملك محمد السادس نهر اليازغي، وتدخل لإيقافه(..)، وكانت هذه الواقعة بداية لمسلسل انهيار اليازغي، الذي ينتمي إلى النسخة الناعمة من الاتحاد الاشتراكي، وربما نسي كثير من المغاربة النسخة الثورية لهذا الحزب، وبعض أسرارها كانت توجد بلا شك لدى الراحل المعزوزي، الذي سبق أن خص “الأسبوع” بمعطيات حصرية عن محاولة الانقلاب ضد الحسن الثاني بمنطقة مولاي بوعزة)).
وتقول الرواية التي أكدها المعزوزي لـ”الأسبوع”: ((يروي شاهد عيان عايش عن قرب أحداث مولاي بوعزة، بأن الفقيه البصري كان قد عقد لقاء مع معمر القذافي، من أجل التهييء لإطلاق شرارة الثورة ضد نظام الحسن الثاني، وقد كان البصري متفائلا جدا بإمكانية تحقيق النجاح، حتى أنه أكد للزعيم الأخضر أن المواطنين كلهم سينخرطون في الثورة بمجرد إطلاق الرصاص ضد قوات النظام، غير أن العكس هو الذي حصل، حيث يثير الشاهد جزئية غير معروفة، وهي أن “ص” اجتمع مع القذافي رفقة “م”، وأعطاهم القذافي مبلغا كبيرا من المال لم يستطع أحد تحديده إلى اليوم، لأن المؤتمن على ذلك كان هو “م” لوحده، هذا الأخير قدمه “ص” على أنه سيكون وزيرا لدفاع الثورة.
سبق لعدة كتابات أن رسمت النهاية الحزينة ليوم 3 مارس 1973، وهو اليوم الذي قاد فيه محمد بنونة انقلابا بالسلاح ضد نظام الحسن الثاني.. في إطار ما عرف بأحداث مولاي بوعزة: لقد كان محمد بنونة القائد الميداني لأحداث مارس، أحد أعضاء التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي كان يقوده الاتحادي الفقيه البصري، الرجل الذي كان يحلم بالثورة المسلحة، قبل أن ينجح رفقاء عبد الرحيم بوعبيد في التخلص منه ومن أفكاره(..) بعد المؤتمر الاستثنائي الشهير الذي أعلنوا فيه التزامهم بالخيار الديمقراطي بدل الخيار الثوري)) (المصدر: تفاصيل “الأسبوع” عدد 22 مارس 2012).




