تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | الوفد الإسرائيلي يدفن حزب العدالة والتنمية في دار المخزن

عودة رموز الديوان الملكي إلى الواجهة

مثل كل الرحلات الجوية، نزلت الطائرة الإسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي على أرضية مطار الرباط سلا، بكل أريحية، رغم ما واكب ذلك من دعاية إعلامية قصوى، ولكن الحكمة المغربية تجسدت في استقبال رسمي عادي في إطار التعامل بالمثل، حيث تكلف والي العاصمة الرباط، محمد اليعقوبي، باستقبال رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإسرائيلي، وكبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب، قبل أن يقوم الوفد بزيارة لضريح محمد الخامس، قبل الانتقال إلى “دار المخزن”، حيث حظي الجميع باستقبال ملكي كبير، مع بروز أقطاب الديوان الملكي على رأسهم فؤاد عالي الهمة، ليظهر رئيس الحكومة سعد الدين العثماني تائها وسط أحداث لم يتوقعها، قد تؤدي بحزبه مباشرة إلى هزيمة انتخابية مستقبلا، وربما الاندثار..

 

إعداد : سعيد الريحاني

    ارتباك العثماني بدا واضحا حتى فيما يتعلق بالتوقيعات، حيث ظهر وكأنه يحمل ملفا ثقيلا بعدما وقع إعلانا مشتركا بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل، إلى جانب جاريد كوشنير، ومائير بن شبات.. ولكن الحكمة الملكية اقتضت عدم التوقيع على “صفقة القرن”، بل الاكتفاء بإعادة فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي وليس سفارة كاملة، وهنا يظهر ثقل التقاليد المخزنية العريقة، حيث يكون لقائد الدولة وزنه، وهو الوزن الذي ظهر في عدم التفريط في القضية الفلسطينية..

ولم يصدر أي تعليق رسمي عن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة للعلاقات المغربية الإسرائيلية، ولا فيما يخص الصحراء المغربية، اللهم تصريحه لقناة “الشرق” حول سبتة ومليلية، الذي ساهم في تكريس تأزيم الأوضاع، لولا أن الجواب المغربي كان واضحا، وهو أن الثغرين يقعان تحت الاحتلال الإسباني، وهي الرسالة التي تكلفت بإبلاغها سفيرة المغرب بمدريد، كريمة بنيعيش.. ولأن السكوت الماكر هو أفضل اختيار لرئيس الحكومة الذي يقود حزب العدالة والتنمية، فإنه لم يتحدث عبر “الفيسبوك” كما هي عادته كلما قام بنشاط حكومي، حيث لم يتحدث ولم ينشر صورته إلى جانب الوفد الإسرائيلي داخل القصر الملكي في الرباط.

لم يتحدث رئيس الحكومة، رغم أن الوفد الإسرائيلي، الذي يقوده رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي مائير بن شبات، ((وقع عدة اتفاقيات مع المغرب، تتعلق الأولى بالإعفاء من إجراءات التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية، وقعها محسن الجزولي، الوزير المنتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وشلومو مور يوسف، مدير عام وكالة السكان والهجرة، وتتعلق الاتفاقية الثانية الموقعة بمذكرة تفاهم في مجال الطيران المدني، تسهيلا لعملية الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل والمغرب، بين زكريا بلغازي، مدير عام الطيران المدني عن وزارة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي، وجويل فيلدشوه، مدير وكالة الطيران المدني، أما الاتفاقية الثالثة، فتتعلق بمذكرة تفاهم حول ابتكار وتطوير موارد المياه، وقعها حمو بن سعدوت، مدير عام المياه بوزارة التجهيز والنقل واللوجستيك والمياه، ويشقيل ليفشيتس، مدير عام وزارة الموارد المائية بإسرائيل، والاتفاقية الرابعة، فهي عبارة عن مذكرة تفاهم للتعاون في مجال التمويل والاستثمار.. ثم اتفاقية الازدواج الضريبي، واتفاقية تعزيز وحماية الاستثمارات والمساعدة الجمركية، وقعها نبيل الأخضر، المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ممثلا لوزارة الاقتصاد والمالية والإصلاح الإداري، وشيرا جرينبيرج، ممثلا عن وزارة المالية الإسرائيلية)) (المصدر: عدة مواقع).

المغرب وإسرائيل إذن، استبقا افتتاح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، بتوقيع عدة اتفاقيات، وكل اتفاقية هي بمثابة تأبين لوجود حزب العدالة والتنمية في الحكومة، لأن الأصل هو أن هذا الحزب هو صاحب الشعارات الرنانة فيما يتعلق بمناهضة التطبيع، بل إن رئيس الحكومة كاد أن يكون في يوم من الأيام رئيسا لحركة “التوحيد والإصلاح”، التي تجعل من الدعاية ضد التطبيع رأسمالا للتجارة السياسية..

وقف سعد الدين العثماني ليوقع مع إسرائيل، لكن “صناع السلام” الحقيقيين كانوا يجلسون في نفس القاعة وفي مقدمتهم أعضاء الديوان الملكي، وعلى رأسهم فؤاد عالي الهمة، ولم يسمع لهم صوت، بالمقابل، كان الإسرائيليون يتحدثون بالدارجة، ولعله من غرائب الأمور أن يعتمد الصحافيون المغاربة، منذ الشروع في التحضير للزيارة الإسرائيلية إلى المغرب، على تصريحات مسؤولين إسرائيليين وليس المغاربة..

عودة رموز الديوان الملكي للواجهة، حيث يظهر المستشار الهمة إلى جانب رئيس الوفد الإسرائيلي مائير بن شبات، وعلى يمينه بوريطة وكوشنير

لقد دار الزمان دورته، وسمع العثماني وحزبه خطاب مائير بن شبات، مستشار الأمن القومي لدولة إسرائيل، باللهجة المغربية، ومن طرائف اللقاء، أن رئيس الوفد الإسرائيلي من عائلة مغربية، وهو ما دفعه للحديث بالدارجة، حيث قال: ((إخواننا المغاربة، السلام عليكم والله يكثر خيركم))، وأضاف: ((نحمد الله ونشكره على هاذ النهار.. ما نقدر نخبي وما عندي ما نستر، كلشي باين على وجهي وكلامي كيخرج من فمي وقلبي فرحان))، وزاد: ((الله يكمل بالخير ويفرحكم ويفرحنا كلنا))، واسترسل المتحدث قائلا بأن ((هذا اليوم تاريخي بالنسبة إليه ليس بصفته السياسية، ولكن لكون عائلته من والده وأمه وأشقائه كلهم ولدوا وترعرعوا في المغرب قبل ذهابهم إلى إسرائيل))، مشيرا إلى أن أجداده كانوا يحكون له عن المغرب وتقاليده)).. رئيس الوفد الإسرائيلي أكد أن ((الرحلة الجوية من تل أبيب إلى الرباط، تاريخية بكل معنى الكلمة، من أجل تحويل الرؤية إلى واقع))، مشيرا إلى أن ((رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعبر عن تقديره العميق للملك محمد السادس)) (المصدر: هسبريس/ الثلاثاء 22 دجنبر 2020).

وقد تجنب العثماني الحديث عن أي شيء، لأنه ربما ينتظر حسابا كبيرا من طرف قواعد حزبه، التي رتبت أوراقها على “تدوير الناعورة” من خلال العائد الحكومي، ومن خلال التسيير الجماعي لعدة جماعات حضرية وقروية.. فماذا كان حزب العدالة والتنمية سيقول عن هذه الزيارة الإسرائيلية  لو كان في المعارضة ؟

ويا لها من مهزلة سياسية، حيث يقوم حزب العدالة والتنمية بتوقيع الاتفاقيات إلى جانب إسرائيل، بينما تصدر حركته الدعوية بلاغا ضد التطبيع، حيث تقول حركة “التوحيد والإصلاح” أن ((استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل، هو التطور المؤسف وخطوة مرفوضة))، وقال المكتب التنفيذي للحركة في بيان نشره موقعها الرسمي: ((إنه قياما بواجب النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين، يدعو المكتب التنفيذي إلى مراجعة المغرب للتدابير المعلن عنها، والانحياز للثوابت التاريخية في تعاطيه مع القضايا العادلة للشعوب المستضعفة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس الشريف))، كما نبهت الحركة لـ((خطورة هذه التدابير المعلن عنها ومآلاتها السلبية، والتي تضع بلادنا ضمن دائرة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتفتح الباب أمام اختراقه للمجتمع والدولة وتهديده لتماسك النسيج المجتمعي واستقرار الوطن ووحدته)) (المصدر: بلاغ حركة “التوحيد والإصلاح” كما نشر في عدة مواقع).

هذا من حيث الكلام، أما من حيث الواقع، فإن حزب العدالة والتنمية فضل أن يقطف ثمار المرحلة بالسكوت، في انتظار قضية جديدة يركب عليها، والخطير في الأمر، هو مواصلته للتحريض ضد قرارات الدولة.. تصوروا أن “التوحيد والإصلاح” تقول في بلاغ لها أنها ((تدعو الشعب المغربي وكافة القوى المجتمعية الحية للتكتل وتوحيد الجهود من أجل التصدي لخطر الاختراق الصهيوني ومناهضة كافة أشكال التطبيع)) فأين المنطق؟

قد تكون هذه هي نهاية حزب العدالة والتنمية، والسبب هو الوفد الإسرائيلي الذي وقع مع “البي. جي. دي” اتفاقيات للتعاون المشترك بين البلدين، لكن لحسن الحظ أن هناك ملكية تضبط إيقاعات الأمور، ولحسن الحظ أن الشؤون الدبلوماسية من اختصاص الملك.

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى