ملف الأسبوع | دبلوماسية القنصليات الإفريقية في العيون والداخلة
أعد الملف: عبد الحميد العوني
رغم العمل المضني للرئيس الفرنسي الأسبق والمحامي حاليا، نيكولا ساركوزي، إلى جانب العاجيين، فإن إدارة الرئيس الإفواري، الحسن واتارا، وافقت على قنصلية شرفية فقط في العيون، فيما تواصل فتح التمثيليات الدبلوماسية في عاصمة الجنوب والصحراء، وبلغت خمسا، إلى جانب نقل أخرى إلى الداخلة.
وأطلقت إفريقيا الوسطى وساوتومي وساحل العاج وجزر القمر والغابون عمل تمثيلياتها، وهي دول عرفت في أوقات سابقة تعاونا عسكريا واستخباريا مع الرباط، وانتشارا للجنود المغاربة على أراضيها، واليوم تفتح قنصليات سهلها الفرنسيون، فيما قررت مخابرات الجيش الإسباني دعم تمثيل مواز للعيون والداخلة، تكريسا لتقسيم الصحراء منذ “اتفاق مدريد” في منتصف سبعينات القرن الماضي، ويقسم المغرب الصحراء إلى جهتين، تبعا لنفس السياسة التي تغطي في جانب كبير منها قرار المغرب إلحاق مياه الصحراء بمياهه البحرية، في مقابل جزر الكناري الإسبانية، والاتحاد الإفريقي يعترف بـ”دولة البوليساريو”.
إن تخفيف صدمة الإدماج الكامل لمياه الصحراء بفتح تمثيليات قنصلية في العيون والداخلة، لإبقاء ما يسمى الحكم الذاتي ممكنا للصحراويين، جاء تحت اعتبارات يحيطها نيكولا ساركوزي بكثير من “الواقعية” التي يعتمدها في تأكيده على ضرورة العمل على عدم إجهاض الحكم الذاتي بعد قرار المغرب خفض هذا الأفق إلى مجرد إدارة مستقلة تحت السيادة الكاملة للرباط، إذ جعل مشكلة الحدود والتمثيل الدبلوماسي قرارا سياديا للرباط، وليس لسلطات الحكم الذاتي أي نصيب في تحديده.
وسبق لمجلس جهتي العيون والداخلة التوقيع على اتفاق الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي، ولم يشاركا في ترسيم الجرف القاري باسم إقليمهم، كما حاول المغرب تجاوز حكومة إقليم الكناري في حواره مع مدريد حول نفس الملف، وهو ما يؤكد أن دبلوماسية القنصليات الإفريقية في العيون والداخلة مجرد مناورة.
– – – – – – –
+ نيكولا ساركوزي مهندس المناورة
ينطلق الرئيس الفرنسي الأسبق في سياسته الإفريقية، من الدفاع عن مصالح قطر، وعدم انجرار الموقف المغربي نفسه إلى موقف الرياض، رغم المشاركة العسكرية للمملكة الشريفة في الحرب على جماعة الحوثي اليمنية التي دخلت بقواتها صنعاء وقادت تحولا كبيرا في المنطقة انتهى بانقسام التحالف وحصار الدوحة من الرباعية: السعودية والبحرين والإمارات ومصر.
ومن موقعه كمحامي، واصل ساركوزي مقاربته في إفريقيا من شبكة صداقاته التي سخرها لمنع دولة في الصحراء، وتمتيع الإقليم بإدارة محدودة تسمح بقيادة تواصل إفريقي ـ إفريقي (غرب إفريقيا، منطقة الساحل والمغرب العربي)، ولم تقبل الدوحة التورط في قضية الصحراء، رغم رغبة ساركوزي في اجتياح مجموعة “أكور” للداخلة، وإعادة موقع هذه المدينة في خارطة فرنسية موازية تعتمد البناء والتسويق والسياحة عوض الحرب التي تقودها بلاده في عملية “بارخان” العسكرية في مالي وجوارها الإقليمي.
وهندس ساركوزي التقليل من ردود فعل الاتحاد الإفريقي على ترسيم الحدود البحرية المغربية، بضم مياه الصحراء عبر ما يسمى بورقة “فتح قنصليات في العيون والداخلة”، للتأكيد على صلاحية اقتراح المغرب تسليم الإدارة بشكل كامل للصحراويين فوق تراب إقليمهم.
وتبقى المناورة، حسب الخبراء، محدودة، لأن مصالح قطر تتقدم في أجندة ساركوزي على المغرب، وهو الذي يحاول تحويل علاقاته الشخصية مع قادة دول إفريقية إلى توافقات استراتيجية بين بلاده وأطراف خارجية، وأيضا معادلات رفضها ماكرون أكثر من مرة، خصوصا وأن رئيس المخابرات الخارجية الفرنسية يعمل بتنسيق واسع مع الجيش في “بارخان”، فيما تكون قرارات ساركوزي في خدمة توليفات أخرى، صادرة عن دائرة مغلقة من رؤساء الدول الأفارقة، ودائما بتنسيق مع العاهل المغربي وأمير قطر، فيما لكل دولة هامش المناورة الذي قررته، وأدار المغرب “أزمة القنصليات” في العيون والداخلة في أجواء ترسيم حدوده البحرية، فيما الإقليم “دولة”، حسب الاتحاد الإفريقي.
ونجح تمرير ترسيم الحدود البحرية المغربية بضم مياه الصحراء بدون خسارة تذكر، إلا توصية من الاتحاد الإفريقي، بمشاركة كل الدول في القمم الدولية بما يفيد مشاركة “دولة البوليساريو” دون تحفظات في اللقاءات القادمة، ولا تزال هذه التوصية مثيرة للجدل الذي يريده الجميع منخفضا.
وتواصل عمل ساركوزي على “دبلوماسيات القنصليات” في العيون والداخلة بعد توالي لقاءات “كرانس مونتانا” في الداخلة التي شارك فيها نيكولا ساركوزي شخصيا، وعبر في مداخلته عن صعوبة إحداث دول جديدة في الخرائط والمعادلات الجارية على الأرض.
وتمكن الرئيس الأسبق لفرنسا من إقناع الحسن واتارا بقنصلية فخرية، فكانت النتيجة ضعيفة، رغم السعي الحثيث الذي بذله ساركوزي، لكن مجرد تحقيق هذا المنجز مع دولة حليفة تحولت إلى دعم خيار الاستفتاء لحل قضية الصحراء في مداخلة ممثل ساحل العاج في مجلس الأمن، شهر أكتوبر الماضي، يعد نقطة إيجابية لصالح العاصمة الرباط.
ويكاد ساركوزي والحسن واتارا يتشاركان في الكثير من الطباع ليسلم صديقه الفرنسي “الملف القطري والخليجي في الجملة”، وأيضا التوافق مع المغرب في موضوع “الاستثمارات الخليجية” في القارة السمراء التي يدير تفاصيلها ساركوزي وأقيل بسببها المستشار الخاص للرئيس الإيفواري، مامادي دياني، من منصبه، وهو القريب جدا من مواقف المغرب، والسفير الذهبي لأمريكا في غرب إفريقيا، وليس في ساحل العاج فقط.
وعارض دياني الخطوة، ليس لأنها قادمة من غريمه ساركوزي، بل لأنها قد تتحول إلى “تمثيل دبلوماسي إفريقي صلب لدولة البوليساريو في العيون والداخلة”، وهذه الدول تعترف بـ”الدولة” المعلنة في المخيمات.
رجل أمريكا في غرب إفريقيا، والمتبنى من الرئيس الأسبق هوفويت بوانيي، وسبق أن عمل في مجلس إدارة ثلاث مطارات في واشنطن، وشارك في تنظيم كأس العالم في الولايات المتحدة عام 1994 تحت رئاسة هنري كسنجر، يعارض إلى الآن استراتيجية ساركوزي، لأنها لا تؤثر، وتخلق تعاملا قاريا على الصعيد التجاري والمالي مع العيون بعيدا عن العاصمة الرباط.
إن أي سياسة حول الصحراء في المستقبل، ستبني استثناءها الدبلوماسي من الآن، وستكون نهاية التأثير المتوسطي للمغرب في أكادير، لتبدأ رهانات الصحراء الكبرى من العيون.
وبمعارضة تاجر الأرز في واشنطن والسفير في بلده، مامادي دياني، لكل السياسة الجارية للمغرب والتي يؤثر فيها غريمه ساركوزي، تبدأ بالمنطقة إعادة تصريف ملف القنصليات في العيون والداخلة من دول ضعيفة جدا، وقد سمحت هذه الصدمة بمعرفة ضعف رد الاتحاد الإفريقي من جهة، ومن جهة ثانية، بـ”تمرير ترسيم الحدود البحرية المغربية بضم مياه إقليم الصحراء”، فهل الإجراء المغربي محدود بقصد تمرير ترسيم المغرب لحدوده، أم هو جزء من أجندة تعمل عليها المملكة؟
إلى الآن، لا يزال الخلاف متقدما بين عراب الأمريكيين في غرب إفريقيا وعراب المصالح الفرنسية خارج منطقة الساحل التي تركها ساركوزي للقرار العسكري ولقصر الرئاسة في بلاده، والذي لا يعرفه المراقبون، أن دياني أدار ملف العلاقات مع الغابون ويعرف العمليات السرية التي قادها المغرب في هذا البلد، ولذلك، فإن التعاون العسكري، ومن ثم انتشار الجنود المغاربة في كل الدول التي فتحت قنصلياتها في العيون أو الداخلة، هو من أطر هذه الخطوة المحدودة التي تعمل بالأساس على خلق جو تجاري يتجاوز تعقيدات البوليساريو في “الكركرات”، وهذا الهدف قد يكون معقولا في تذويبه من خلال منطقة التجارة الحرة الإفريقية التي ساعدت في ميلاد القنصليات الإفريقية في العيون والداخلة لعزل البوليساريو، لكن الجبهة تنقل بنيات إدارية ومدنية إلى شرق الجدار ضمن التحركات الأخيرة، بعد توقف مسلسل جنيف بفعل استقالة هورست كوهلر.
إن الخطوات الأحادية الجانب التي دخلها طرفا النزاع في الصحراء، من ضم مياه الصحراء وإلى إعمار ما وراء المنطقة العازلة، لن تكون قادرة على تغليب طرف على آخر، لذلك، فخيار البوليساريو هو الحرب وليس تعمير شرق الجدار الدفاعي المغربي في الصحراء، وخيار المغرب هو السلم عبر الآليات التجارية لبناء منطقة تجارية حرة تجمع موريتانيا والداخلة تحت هيمنة المغرب، ويفرض هذا الواقع في منطقة التبادل التجاري للقارة، ترتيبات جذرية قد تؤدي إلى الحرب أو تعمير شرق الجدار، وأيضا رفع منسوب التجارة المغربية وجوارها مع غرب إفريقيا عبر “الكركرات”.
في منظور الولايات المتحدة، فإن ما يجري من تطورات، ومن طرفي النزاع في الصحراء، سينتهي إلى حرب محدودة، لذلك، فالقنصليات في العيون والداخلة و”المينورسو”، وغيرها من مظاهر التواجد الدولي في الصحراء، تشكل عقبة جوهرية في وجه الحرب.
وبتأثير كبير من ساركوزي، لم تتمكن العاصمة الرباط من خلق علاقة تجذب الاستثمارات الخارجية عبر رجل أمريكا مامادي دياني، الذي لم يدخل العاصمة الرباط ضمن هندسة بلاده ساحل العاج وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية لمصالح الوجه الآخر، الغابون وموريتانيا، وقد أدارها رجل الأعمال مصطفى الشافي، الذي أدخل القطريين إلى ساحل العاج قبل أن يتمكن ساركوزي من إعادة توليف المصالح من خلال صديقه سيريل بولوري على رأس مجلس المراقبة في “فيفاندي”.
وفي اليد الأخرى لساركوزي، منذ 2017، مجموعة “أكور” التي يمثل في مجلسها مقعد “كاتارا هوسبيتاليتي”، فأطلق خطة مليار دولار لبناء 40 مؤسسة فندقية بـ 9 آلاف سرير في دول جنوب الصحراء، وطلب بعدها بهذا التمثيل الإفريقي، السماح بتأمين إدماج الداخلة في هذا المشروع.
ويرى عراب هذه الفكرة، ليونيل زينسو، الرئيس السابق للحكومة البنينية، أننا أمام حرب أخرى قوامها الاستثمارات الكبيرة التي لا تسمح فيها المصالح بالمواجهة العسكرية، وهي الجملة المستعملة بتأثير من هذا اللوبي، من طرف بنك “ساوثبريج”، وانتهت كما هو معروف بشراكة كابيروكا وليونيل زينسو، فيما جاء قرار وزراء الخارجية الذين وافقوا على هذه الخطوة في الدول الإفريقية الخمس، ليس بفعل دبلوماسية ناصر بوريطة، بل عمل مضن لأجهزة مغربية مختلفة ولحلفاء فضلوا أن يكونوا في الظل.
وانطلاقا من ساحل العاج التي تعرف خلافا في الموقف من الصحراء بين وزير الدفاع حميد باكايوكو وبين وزير الخارجية مارسيل أمون توناه، تكون الحلول الوسطى جزء من التوافق في حكومة أمادو جون كوليبالي.
وبمراجعة خلفية وزير الخارجية الإيفواري، السوسيولوجي الذي رأس شركات استيراد وتصدير قبل تحوله في 2002 إلى وزير للنقل ثم السياحة والسكنى ومدير ديوان الرئيس لسنتين واستقر في وزارة الخارجية، نعرف الدافع، فيما وزير الدفاع باكايوكو (وزير الداخلية السابق بين يونيو 2011 ونونبر 2012) يعتمد على ثوابت العمل الإفريقي وحياد ساحل العاج في القضايا الإقليمية، لأنه صحافي في خلفيته، ويعرف جيدا أن التحالف مع ساركوزي لن يكون مؤثرا في المعادلة، خصوصا وأن السنغال “محايدة” إن لم تكن بعيدة عن معركة القنصليات في العيون والداخلة.
ولذلك، يمكن القول أن ضغط ساركوزي لم يكن كافيا في اتجاه فتح قنصلية لساحل العاج في العيون، فتقرر فتح قنصلية فخرية في وقت اتجهت فيه دبلوماسية الرباط إلى إنشاء بنية للعمل القنصلي الإفريقي في الصحراء، تأكيدا على وحدة مصير الإقليم المتنازع عليه.
وتبعا لهذا الهدف الذي يكرس وحدة المياه، وبالتالي، الوحدة الكاملة مع المغرب، نلاحظ بشكل جوهري أن قدرة الأفارقة على تجاوز قرارات الاتحاد “تمرين ممكن”، وهو ما يزيد من عزل الاتحاد القاري عن مسلسل السلام الأممي للوصول إلى حل في الصحراء، من جهة، ومن جهة ثانية، في إعادة هيكلة التأثير المغربي في غرب إفريقيا، فجاء الاختراق من جزر القمر.
ولا ينكر أحد أن مهندس هذه الخطوة بإقرار قنصلية بلاده في العيون، وفي مواجهة الاتحاد الإفريقي، هو فهمي سعيد إبراهيم المسيلي، وزير الشؤون الإسلامية والعدل والوظيفة العمومية وحقوق الإنسان لجزر القمر، وقد عملت الدبلوماسية الدينية بشكل واسع لدى المرشح الرئاسي عام 2016 لتنتهي بكسر “الطابو” وإعلان وحدة الصحراء في المغرب من رؤية دينية قبل أن تكون سياسية، وسبق لفهمي أن أدار دبلوماسية بلاده في حكومة أحمد سامبي.
+ وزير علوي يكسر “طابو” الاتحاد الإفريقي، ويعلن الصحراء جزء من المملكة العلوية
سر التحول الذي عزل قرارات الاتحاد الإفريقي، يقوم على إعلان جزر القمر افتتاح قنصلية في العيون، من تأثير متصاعد لسليل الأسرة القمرية الكبيرة (با علوي) المتصلة بنفس عائلة العاهل المغربي.
وينتمي وزير الخارجية القمري السابق ووزير الأوقاف، فهمي سعيد إبراهيم، إلى شرفاء يعودون في أصولهم إلى حضر موت، وأبوه أمير عرف الإمارة والعرش في الحكم، والسياسة، فكان أحمد سعيد برلمانيا ديغوليا في البرلمان الوطني الفرنسي بين 1958 و1970، ورأس بعدها إقليم جزر القمر في سنة 1970، ليكون جد الوزير هو آخر سلطان لجزر القمر.
ويعرف القريبون من فهمي سعيد، الذي فقدت أسرته السلطنة، أن دعم آخر سلطان عربي علوي في القارة الإفريقية، واجب ديني، ولأنه في مهنته محامي ويرأس شركة للمحاماة “سي. إس. إي”، فهو ينازع المحامي ساركوزي، وهو المتخرج كما هو معروف من جامعة “أساس” وأيضا جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
وبين المحاميين ساركوزي وسعيد إبراهيم، لم تكن لقاءات خاصة حول الصحراء، لكن وزير الخارجية القمري سويف محمد الأمين، الكاتب والدبلوماسي في مساره والعارف بكواليس الفرنكفونية، يرى أن “الرؤية الدينية” و”الرؤية الفرنكفونية” متفقتان، لذلك، لا يجد في توليفة ساركوزي وسعيد إبراهيم ما يتنافى وبناء موقف جزر قمري لصالح دمج الصحراء في المغرب.
وعمل سويف في جامعة الدول العربية من 1995 إلى 1998، قبل أن يتولى ملف العالم العربي، غير المعترف بالصحراء، في رئاسة محمد تقي عبد الكريم في سنة 1998، ويصبح بعد سنة وزيرا للخارجية.
إن هذه الخلفية التي تجمع سعيد إبراهيم فهمي وسويف محمد الأمين، تضم إليها الرئيس المنتخب مجددا في جزر القمر، غزالي عثماني، العسكري الذي انقلب على الحكم في 30 أبريل 1999 باسم “الوحدة الوطنية”، قبل أن يرأس بلاده في 2002 و2016 و2019 تحت نفس القناعة.
وفي جزر القمر، اجتمع البعد الديني والدبلوماسي والعسكري حول مبدأ الوحدة الترابية والوطنية للدول، لذلك، قررت جزر القمر، بدافع منسجم من قناعات حاكميها، تجاوز آخر قرارات الاتحاد الإفريقي، وخلقت هذه الدولة الأرخبيلية، أزمة مع الاتحاد الإفريقي، بتجاوزها لثوابته انتصارا لعقيدة داخلية بالأساس، فيما انطلقت إفريقيا الوسطى من أجندة محلية خوفا من الحرب مجددا بين البوليساريو والمملكة.
+ إفريقيا الوسطى التي عانت من سيطرة المجموعات المسلحة على 70 في المائة من أراضيها في أزمة إنسانية طويلة، لا ترغب في حرب بشمال القارة قد لا تنتهي حدودها في الصحراء
إن رفض بعض القمريين إرجاع قرارهم بفتح قنصلية في العيون إلى تأثير فرنسا، وخصوصا رئيسها السابق ساركوزي، وإن سعت حكومتهم إلى استشارة باريس بشأن هذا القرار، فإن إفريقيا الوسطى قد خضعت للتأثير المباشر من أكثر من طرف لفتح قنصليتها في العيون.
وبقيادة رئيس الحكومة فيرمين نغريبادا، ورئاسة فوستين أرشانج تواديرا، فتحت دولة إفريقيا الوسطى قنصليتها في الصحراء، رغم مجيء حكومتها من اتفاق بين السلطات والمجموعات المسلحة.
واستطاع زوج ابنة عم الرئيس، وقائد دبلوماسية إفريقيا الوسطى، أن يقنع محيطه بهذه الخطوة الوجودية التي يؤمن بها حزبه (التجمع من أجل الجمهورية) الذي يقوده حاليا ألكسندر فيرديناند نجيدات.
ومن خلال التجربة المريرة لهذا البلد والتي بلغت “الاتفاق الثالث عشر” مع المجموعات المسلحة، جاء الرد خارجيا برفض سياسات “المجموعات المسلحة” في إفريقيا، خصوصا بعد استقالة سارانجي الثانية.
ولمزيد من محاصرة الأثر المتوقع لمشاركة المجموعات المسلحة في الحكومة، ارتأى فيرمين نغريبادا محاصرة مطالب الميليشيات المسلحة لتأسيس دولة في شمال إفريقيا، ووافقت السيدة التي تدير الخارجية في هذه التشكيلة، على القرار، تجنبا لمزيد من الضغوط، رغم أن البوليساريو لا تعد نفسها جزء من المنظومة المغربية، فيما باقي الميليشيات والمجاميع المسلحة في إفريقيا الوسطى تحارب دكتاتورية وفساد السلطة من خلال حرب دينية غير مستقرة وعنيفة، بما جعل تسليح كل قبيلة جزء من التعايش الحذر الذي يعيشه هذا البلد الإفريقي.
ولا يستبعد من عاش هذه التجربة العنيفة تكرار نفس السيناريو: تسليح القبائل في مجتمع صحراوي قبلي كما يعرف الجميع.
ومن جهته، يعرف ساركوزي جيدا، سيلفي بايتو تيمون، خريجة جامعة “أورليانز” الفرنسية في 1996، والمترعرعة في أجواء يمين الدولة، الوحيدة القادرة اقتصاديا على الاستجابة لمطالب شعبها، وبالتالي، فإن هيمنة قوة الدولة عبر نظام يميني، جزء من رؤية ساركوزي وتيمون، المتحدان معا في هذه الروح الجامعة، ولتداخل رؤية سيلفي التي اشتغلت في وقت سابق محللة مالية لـ”بي. إن. بي” بباريس عام 2003 مع رؤية الأعمال التي يشتغل عليها ساركوزي، يبدو في هذا التواطؤ، تغليب التحليل المالي على التحليل السياسي.
ونشرت “جون أفريك” أن سبب حصولها على مقعد سلفها سارل ديمريل دوبان، راجع لتغليب وزير الخارجية السابق للغة القانونية، وهو الذي اشتغل في الأمم المتحدة لفترة.
ويعرف المتتبعون كيف سمح دوبان لروسيا بالتوسع في بلاده(1)، قبل أن يقرر رئيس البلاد إعادة توجيه البوصلة إلى فرنكفونية قريبة من دوائر اليمين الفرنسي، الداعم الرئيسي للمغرب.
إن التزام الوزيرة الذي دام 15 سنة في بنك فرنسي كـ”باريباس”(2)، يكشف إلى أي حد يدور التداخل بين المالي والسياسي في حياة ساركوزي وحلفائه الأفارقة، ويمثل المغرب جزء منه، اعتمادا على رؤية “رابح ـ رابح” انطلاقا من الاستثمارات والاقتصاد.
وتؤكد المعلومات المتوفرة، على التأثير الواسع والخلاق لساركوزي في قرار إفريقيا الوسطى، ولا يختلف الغابون عما سبق، لتوازن التأثيرين الفرنسي والمغربي في علاقة تاريخية تعود إلى عهد الحسن الثاني.
+ الغابون.. الحليف التاريخي للمملكة منذ عهد الحسن الثاني
مع تولية وزير الدولة ووزير الخارجية ريجيس إيمونغو تاتانغاني، لمنصبه الدبلوماسي، وهو الوزير السابق للطاقة وأيضا الصناعة والمعادن والسياحة، حتى ظهرت خطوة فتح الغابون لقنصليتها في مدينة العيون، خطوة ممكنة.
وقام السفير الغابوني في العاصمة الرباط، الدكتور مينكي مينسيمي، بتهييء المناخ لتأمين فتح قنصلية في مدينة العيون، وفي ترتيب متداخل بين الأجندة الدبلوماسية وأجندة الاستثمارات في المعادن وغيرها، نجد التالي:
1) إن أجندة الغابون لم تقرر هذه الخطوة إلا بموافقة باريس، كي لا تتأثر الرؤية الفرنسية لحل قضية الصحراء، وفي الاستشارة، وجدنا الفقرة التالية: ((إن تأمين التجارة الإفريقية بين الشريك المغربي وباقي دول غرب القارة، يساعده هذا القرار – فتح قنصليات في العيون- بما أنه تأمين للممر التجاري البري الكركرات)).
2) أن الغابون ملتزمة بالخطوات الفرنسية في هذا الملف.
3) أن الغابون ترغب في تأمين مصالحها المشتركة مع المملكة وبناء أفق جديد مستقل لعلاقات البلدين.
ويعد تاتانغاني وزيرا للفرنكفونية إلى جانب مهامه الدبلوماسية، والانتصار في الصحراء، حسب ساركوزي على الأقل، هو انتصار للفرنكفونية ولاستراتيجيتها في غرب إفريقيا.
لا يختلف ساركوزي في الصحراء عن ساركوزي الذي لم يسمح لطلبة الغابون فوق الأراضي الفرنسية بالحديث عن بلادهم، وهو القائل: “إن أردتهم أن تتكلموا عن الغابون فعودوا إليه”(3)، وقد عبر، في وقت سابق، أن الغابون شريك مثالي(4)، ولا يزال الأمر بالنسبة إليه مستمرا، خصوصا وأنه يحافظ على علاقاته بطريقة شخصية جدا، كي لا تخترقها المخابرات من أي جانب، ويناقش الرئيس الفرنسي الأسبق التفاصيل الدقيقة، وتصورات الحل، وليس مهما بالنسبة إليه أن يكون التوافق، بل القناعة لخدمة التوافق، ولم يتأت ذلك دون درجة العمل مع الفرنكفونية.
إذن، منطلق الغابون هو تنفيذ مشروع “الفرنكفونية السياسية”، ويكون قرار الدولة الغابونية هو قرار صريح لهذه الفرنكفونية التي يسوقها ساركوزي بوضوح يقبل كل التفاصيل، لكن في إطار صياغة موقف حول الصحراء.
+ ساركوزي عراب القصر المغربي والفرنكفونية السياسية الرافضة لدولة سادسة في المغرب الكبير
من داخل شراكة شاملة مع ما يسميه “الشريك المثالي”، وتحت سقف “الفرنكفونية السياسية”، يخدم ساركوزي أجندة بدأت في الإليزيه وتعرقلت جزئيا، لكن خروج اللاعب الألماني من قضية الصحراء باستقالة كوهلر، ضغط بقوة على الفرنسيين لأجل التحكم في مسارين: منع الحرب التي تهدد بها البوليساريو، والخطوات المسماة أحادية الجانب التي يتقدم بها المغرب، وخوفا على مبادرة الحكم الذاتي، وهي مبادرة فرنسية مائة بالمائة موروثة عن الرئيس الراحل شيراك، أظهرت باريس رغبتها في فتح قنصليات في العيون والداخلة، كي تبقى شاهدة على تميز الإقليم عن باقي تراب المملكة.
ولا تثق الرباط في ما اقترحته “الفرنكفونية السياسية في غرب إفريقيا”، لأنها لا تؤكد أن الحكم الذاتي في الصحراء هو الحل الوحيد لقضية الصحراء، ولدى إدارة ترامب في الجهة الأخرى من الأطلسي، نفس الموقف، مع شروط خمسة.
وحسب مصادر “الأسبوع”، فإن ساركوزي الذي ساهم بشكل واسع في تأسيس رؤية فرنسا في غرب إفريقيا، من خلال سقوف “الفرنكفونية السياسية”، قرر جعل الحكم الذاتي بـ”الرؤية الشيراكية” سقف الحل الغرب إفريقي في المستقبل، انطلاقا من عمل الحلفاء الذين حولهم إلى جزء من عمله خارج الإليزيه.
ولا يختلف الملاحظون حول وجود بصمة قوية لساركوزي في موقف الغابون لفتح قنصلية لها في مدينة العيون، إلى درجة أقنع فيها أحد المسؤولين الكبار بقوله: “تقترب كل الأطراف من دفن الحكم الذاتي في الصحراء، وتقاتل باريس لإبقائه حلا ضمن أرضيات أخرى يريد مجلس الأمن التفاوض بشأنها بين المغرب وجبهة البوليساريو لإيجاد حل متوافق عليه”.
إن رئيس فرنسا الأسبق لا يختلف عن رئيسها الحالي في الدفاع عن مصالح فرنسا، متخذا من دبلوماسيته الشخصية لدى رؤساء ورجال الأعمال الأفارقة، وسيلة للعمل على أربعة أهداف:
1) عدم قتل مبادرة الحكم الذاتي، كما يريد طرفا النزاع، بتجاهل المبادرة أو خفض معاييرها.
2) الحكم الذاتي سيتحول من مبادرة فرنسية إلى مبادرة لـ”الفرنكفونية السياسية”.
3) أن الحكم الذاتي لا يزال فاتورة ثقيلة، لأن الديمقراطية على طرفي النزاع “ضعيفة ومهزوزة”.
4) الحكم الذاتي تأخر، ولا يمكن إعادة إطلاقه في هذه الظروف.
ولا تزال قدرة ساركوزي متواضعة لخلق توازن بين مصالح المغرب وقطر والغابون وباقي الحلفاء من داخل “الفرنكفونية السياسية”، لذلك تدخلت المخابرات الخارجية الفرنسية مرتين، لإعادة الأمور إلى نصابها، واختارت اعتقاله في إحداها بعد مشاركته في لقاء بالداخلة، خوفا من رد فعل الاتحاد الإفريقي، لكنه أتى متواضعا، فاستطاعات باريس أن تناور بشكل واسع في غرب القارة السمراء، كي لا تكون مبادرتها للحكم الذاتي الموسع منذ عهد شيراك “وديعة صامتة”.
وبين الوديعة الإسبانية بشأن “الاستفتاء” والوديعة الفرنسية حول “الحكم الذاتي” في الصحراء، يحاول الغربيون حل المشكل بواقعية وبراغماتية تطلبها إدارة ترامب في كل مشاكل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لذلك جاءت الحلول منتصرة لما هو قائم عسكريا وأمنيا.
وفي هذه الحالة، يمكن للمغرب تمييز قضيته عن قضية فلسطين في الشرق الأوسط تماما، كما تحاول إسرائيل تمييز قضيتها عن قضايا المنطقة، ولذلك، يذهب ساركوزي إلى فصل الصحراء عن باقي القضايا الإفريقية، وعن قضايا الشرق الأوسط، وهذا الفصل المزدوج، سبب عملا مباشرا على صعيد الاتحاد الإفريقي قد ينتهي بعزل المغرب أو عزل الجزائر وجنوب إفريقيا.
وتشير تقارير الاستخبارات الفرنسية الخارجية، إلى محاولة ساركوزي عدم ربط المسعى الفرنسي ومسعاه الشخصي بإرث شيراك في هذه القضية، أو الحل المتوصل إليه بين الجزائر والمغرب والذي تراجع عنه وزير الخارجية المغربي الأسبق.
وفعلا، أعطى ساركوزي بعدا آخر لقضية الصحراء في منظور فرنسا، بين تهميش مبادرة الحكم الذاتي كما في الدبلوماسية الشخصية لساركوزي، وبين التمسك الضعيف والبيروقراطي بالمبادرة في أوساط الخارجية الفرنسية.
+ رئيس ساوتومي يرد الجميل لساركوزي
قبل استحقاق 2021 الذي ستدخله الدولة الأرخبيلية، ساوتومي وبرينسيبي الديمقراطية، لتحديد مصير رئيسها إيفاريستو كالفالهو، الذي أعلن منتصرا، لانسحاب خصمه في انتخابات مثيرة للجدل، وتقف فرنسا إلى جانب الرئيس منذ 3 شتنبر 2016 ولاتزال، بل حاولت ساوتومي تعيين أقرب مناصر لـ”الفرنكفونية السياسية” في هذا البلد الذي يتحدث البرتغالية، في رئاسة الحكومة.
ومنذ 3 دجنبر 2018، ساعد ساركوزي دوائر الاستخبارات الفرنسية على إعادة تموقع بلاده الجيد في الجزيرتين الكبيرتين اللتين انسحب منهما البرتغاليون عشية انسحاب الإسبان من الصحراء عام 1975، ليستقل الأرخبيل، وتتواصل الحرب في الصحراء إلى عشية التدخل الأممي لوقف إطلاق النار.
ويعرف المتابعون، أن التمثيل الدبلوماسي مثلا لأمريكا في ساوتومي تابع لسفيرها في الغابون، فيما تتمثل ساوتومي في نيويورك من خلال السفير كارلوس أزيفدو أغوستينهوداس نيفيس، منذ 3 دجنبر 2013، وتصوت ساوتومي لصالح الأمريكيين والإسرائيليين في كل القضايا، لذلك، فإن خطوة ساوتومي محسوبة على الهوى الإسرائيلي لساركوزي، وأيضا تل أبيب، كما يروج على الأقل في كواليس نيويورك.
وحسب المصادر المحلية، فإن هذه الخطوة قادتها حصرا أجهزة المغرب، فيما تحاول دوائر فرنسية وإسرائيلية التأكيد على دور سري ووازن لتل أبيب وباريس في هذا المنجز.
واستثمر المغرب في التحول الجذري بغامبيا، لأن المهم هو إبقاء الصحراء برأسين وليس بعاصمة واحدة، استمرارا لإدارة تعود إلى “اتفاق مدريد”، ومن ثم مبادرة بوتفليقة، وأخيرا في تمثيل الإقليم في جهتين تحت السيادة المغربية، خصوصا، بعد انتصار الديمقراطية في هذا البلد وإدارة أرسينو داربوي لدبلوماسية بلاده إلى جانب رؤية المرأة القوية إيساتو توراي، وزيرة التجارة والاندماج الإقليمي لقضية الصحراء، لأن الحل الديمقراطي والواقعي، يؤكد النظرة الجديدة لمسؤولي غامبيا حول التجارة بدون أي عائق.
ويؤكد التمثيل القنصلي في الداخلة على رؤية الاندماج الإقليمي والجهوي، كما تحمله توراي تحديدا، لذلك، فإن نظرة غامبيا مختلفة جزئيا عن باقي الطاقم بشأن فتح القنصليات في الإقليم المتنازع عليه.
+ قنصلية غامبيا في الداخلة التزام برؤية الاندماج الجهوي والإقليمي الذي تقدمه وزيرة التجارة والاندماج الإقليمي إيساتو توراي
لا أحد يجهل عمل الفرنسيين وساركوزي في ملف اعتقال قادة المعارضة منهم رئيس غامبيا السابق قبل أن يخرج اثنين منهم من السجن إلى الوزارة لقيادة البلد، حيث كان تحريرهم تحت سقف نيجيريا التي باشرت التطبيع الاقتصادي مع المغرب، وإن لم يصل إلى حد قبول العاصمة الرباط في المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (سيداو).
ولتكريس هذا التداخل الواسع في غرب إفريقيا دون أن تفقد نيجيريا زعامة غرب القارة، فضلت العمل من خلال بعض الحلفاء، ضمنهم غامبيا التي تحاول أن تضغط على موريتانيا لصالح المغرب وتفتح صفحة جديدة بين العاصمة الرباط ونظام ولد الغزواني، فيما تكون غامبيا في الداخلة، وهذه رسالة خاصة من الغامبيين إلى نواكشوط أكثر منها إلى أي طرف آخر.
إذن، فاللعبة دقيقة، تخوف منها ساركوزي، وحاول إدارتها، غير أن الحسابات الثنائية بين غامبيا وموريتانيا تجاوزت فتح قنصلية في مدينة الداخلة، إلى التأطير المغربي لهذه الخطوة.
إن انتصار نظرة نائبة الرئيس (توراي) منذ 15 مارس 2019 على باقي التصورات، جعل الاندماج الإقليمي بين المغرب وموريتانيا وغامبيا والسنغال، جزء من منظور يدعم المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل.
ويعرف الملاحظون أن وزير الخارجية الغامبي مامادو تانغارا، الذي مثل بلاده في الأمم المتحدة من 2013(5) إلى عشية تعيينه رئيسا لدبلوماسية بلاده، متحفظ، ويدعم المقاربة الأمريكية في الصحراء، لكنه انحاز لتوراي، بعد استجلاب دعم فرنسي في مقابل الرقم الموريتاني، حيث ضغطت باريس لتحويل الرئاسة إلى ولد الغزواني، لقبوله إعادة تموقع بلاده في المعادلة الإقليمية.
فما حققته توراي في مقابل تانغارا، يكشف في ملف الصحراء أن البعد البراغماتي والواقعي رغم قوته، فهو يخدم مصالح أخرى، فالصحراء بيدق في الرقعة ولا تشكل لدى الأفارقة سوى معطى للمقايضة “السياسية” بالأساس.
وليس محسوبا، بشكل كاف، رد فعل نواكشوط على دعم المغرب لخطوة غامبيا في الداخلة على صعيد المنطقة التي تعرف شدا وجذبا يمكن أن يتجاوز الخطوط الحمراء.
وإلى الآن، فإن خبرة تانغارا في تمثيل بلاده في الأمم المتحدة، ورغم الأزمة مع رئيسه(6)، وأيضا عمل وزير الخارجية الموريتاني في الأمم المتحدة، شكلا عاملا رئيسيا يسيطر على الوضع.
وبين نظرتي توراي وولد الغزواني، تقع المفارقة بين دعاة الاندماج الإقليمي ـ الاقتصادي ـ الذي تقوده توراي، وبين دعاة الاندماج الإقليمي الأمني ـ الذي يسمح عبر التنسيق، بهامش كبير لعمل الدول واستقلالها.
+ انتصار المغرب لمقاربة توراي في فتح قنصلية بلادها بمدينة الداخلة، رسالة موحدة إلى موريتانيا التي لم تعد تواجه تنافسها التقليدي مع السنغال، بل تقود عملا إقليميا مباشرا انطلاقا من الحزام الحيوي الموريتاني
لم تكد نواكشوط تنسى أبدا أن مدينة الداخلة كانت جزء من خارطتها إلى حين دخول المغرب العسكري إلى وادي الذهب، لأن “اتفاق مدريد” سلم هذه المدينة وثلث الصحراء (النافعة) إلى موريتانيا، لكن الخارطة التي تغيرت، تركت تأمين الممر التجاري “الكركرات” معلقا بين اتفاق وقف إطلاق النار وبين القواعد العامة لحرية التجارة الدولية.
وانتصار نظرة توراي لحرية التجارة والاندماج الإقليمي، يجعل الأمور تتحرك نحو الصدام العسكري أو الانفتاح الاقتصادي غير المشروط، وتواجه البوليساريو صعوبات في قبول أي تعديلات للوضع الميداني الذي يعود إلى المربع الأول لوقف إطلاق النار في سنة 1991، أو تحريك الخارطة إلى تعديلات تناسب بقاء المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها دون فاتورة.
إن مشكل الممر التجاري الترابي الوحيد مع غرب إفريقيا، هو الذي ينغص على المغرب في كل مرة بقاء الوضع على ما هو عليه، ورغم النشاط التجاري إلى النيجر، وترسيم الحدود البحرية بضم مياه الصحراء بقانونين صادق عليهما البرلمان المغربي مؤخرا، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الأممي ليس مريحا بشكل كامل للعاصمة الرباط، ولسبب واحد ووحيد، هو”الكركرات”.
يعرف حلفاء العاصمة الرباط، أن دعم المغرب في الداخلة، ولو في مواجهة موريتانيا، فاتورة لا بد من دفعها، ولذلك، لم يعد ممكنا الحديث عن حسابات فتح القنصليات الإفريقية في العيون، لأنها عاصمة الإقليم، بل أيضا في الداخلة، لكن أي توقف لهذا المسلسل سيصورالمغرب ضعيفا، لأن أي دولة رئيسية في إفريقيا لم تقدم على هذه الخطوة، من جهة، ومن جهة أخرى، لأن الدول الكبرى لم تلتفت إلى هذا التطور، لكن التراكم مفيد، فالمغرب لديه عشر دول في المعدل المتوسط قادرة على تنسيق خطواتها معه مباشرة أو عبر حلفاء، وبالتالي، فإن قدرة المملكة على خلق هامش جديد للمناورة، ليس سهلا، لأن معركة فتح القنصليات لتغطية ترسيم الحدود البحرية بضم مياه الصحراء، كانت محدودة النتائج، ولها تأثير داخلي في ظل رغبة الجميع في منع حرب قادمة.
هوامش
1- Centre Afrique: le ministre des affaires étrangères limogé, jeune Afrique, 16 déc 2018.
2- Sylvie Baipo Temon, berlinglobal.org (5,13/2/2019).
3- Sarkozy: “vous voulez parler du gabon, retournez -y” le point, 22/9/2016.
4- Sarkozy: le Gabon, partenaire modèle, le Figaro; 25/2/2010.
5- le nouveau représentant permanent de la Gambie présente des pouvoirs nouvelles de L’ONU; 3 mai 2017.
6- Yahiya Jammeh sacks ambassador de L’ONU; the Gambia echo, 20/12/2016.



