تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الجيش المغربي يتدخل في الأزمة الاجتماعية ومخاطر الانزلاق تثير حماة العرش العلوي

الأوراق الملعوبة تنقل ملف الهجرة من البحرية الملكية إلى الحموشي

إعداد: عبد الحميد العوني 

تخوف الأمير مولاي هشام من تدخل الجيش المغربي في الاحتجاج الاجتماعي الذي انتقل من البر إلى البحر في شمال المملكة، لقتل بحريته طالبة مرشحة للهجرة على قارب سري يقوده إسباني متعاطف، وسبق للحكومة، قبل أسابيع، تمرير قانون التجنيد الإجباري، مستهدفة الشباب بين 19 و25 سنة، وعبر حزب الأصالة والمعاصرة عن نفس القلق، فيما دعاه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بالجنون، الذي يتخبط فيه الوضع الحكومي الحالي، علق بشأنه حسن أوريد قائلا، أن المغرب ما قبل حراك الريف، ليس هو مغرب ما بعد الحراك، وتشير التصريحات إلى مخاوف من خدموا العرش استراتيجيا ولهم بعد نظر، وهي تقر أن بلدهم على حافة الانزلاق، بعد دخول الجيش على الخط في الأزمة الاجتماعية الطاحنة في المملكة.

 ويرى تحليل الجغرافي لوران شالار، من جامعة باريس في موقع “الشرق 21″، والموجه إلى مجلة “الدبلوماسية الأمريكية”، أن العامل الديمغرافي، عامل ثوري في شمال إفريقيا، وأن الشباب الواعي وبدون أفق، يفسر الحراك الاجتماعي، وأيضا هو تعبير عن محاولته الالتحاق بالحضارة الإنسانية عن طريق الهجرة إلى الغرب، لرفض دولته وأجهزتها التحديث والدمقرطة، وإن نجحت جزئيا الثورة في تونس، فإن هذا العامل، سيكون حاسما في مصر والمغرب، لأن الدول الثلاثة، حسب شالار، ستعرف تحولا كبيرا لوجود “ذروة الولادات” قبل ذلك بـ 25 سنة، وبدأ الانتقال الديمغرافي متأخرا في المملكة بين 1992 و1995، وهو ما يضع المغرب في خطر بين سنتي 2017 و2020، وسبق للدراسة المنشورة في 2015، أن أكدت على الصعوبات الحالية قبل اندلاعها.

وجاءت الإجراءات الأمنية في تفكيك حراك الريف، ومواجهة ذروة الولادات قبل 25 سنة، بالتجنيد الإجباري، لتعزز من القبضة الحديدية، لأن الخيار، بين تدخل الجيش ـ كما في الحالة الجزائرية سابقا، وقد تحولت إلى حرب أهلية أبعدت الثورة اليوم، أو الحالة المصرية مع الرئيس السيسي ـ وبين السيناريو التونسي، وتجمع الرباط الدينامية الشبابية في الشارع، مما يرجح أن يكون الانزلاق جزئيا، لكن دخول الجيش مؤخرا على الخط، يطرح سؤال النجاعة عند البعض، كما يطرح عند البعض الآخر: الخوف من الانزلاق الكامل.

وتشكل محاربة الهجرة بالرصاص الحي، رغم أنها المتنفس لجيل تظاهر واعتقل، صعوبة إضافية، لأنها تشجيع لمعارضين محتملين، يسودهم النزوع الجمهوري في دول الاتحاد الأوروبي، خصوصا وأن المغرب، يواصل تدهوره الاقتصادي لتمسكه بقيادة نيوليبرالية تسيطر على الحقائب الاقتصادية في الحكومة، والتنظيم الوحيد للمقاولات (الاتحاد العام لمقاولات المغرب)، ومعروفة بسياستها “التحكمية”، خصوصا في الشؤون المالية عبر الأمن، كما قال رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران.

+++ الداخلية تتدخل عوض الجيش، لاحتواء حادثة إطلاق الرصاص على “شهيدة الهجرة”، حياة

هل هي أزمة المغرب أم أزمة ديموغرافيا(1)، إذ قرر فائضها أن يهاجر، والواقع أن السلوك الأمني في تفكيك حراك الريف وتفكيك شبكات الهجرة السرية، طرح أسئلة كثيرة، لأن الاحتجاج الشعبي تجاوز البر إلى البحر، وقرر “ناشطون مدنيون” نقل شباب المغرب إلى أوروبا بالمجان.

وخرج خالد زروالي، الوالي مدير الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية، للتواصل مع الإعلام عوض القوات المسلحة الملكية، لإطلاق سلاحها البحري الرصاص الحي على مهاجرين عزل، بل دعا الأوروبيين إلى المشاركة في جهود مكافحة شبكات التهريب، خصوصا بعد إغلاق الطرق الشرقية (تركيا إلى اليونان) والوسطى عبر ليبيا (أو تونس) إلى إيطاليا، وحسب تصريحه لـ “أ. ف. ب”، فمنذ مطلع سنة 2018، جرى تفكيك 80 شبكة، بينها 23 في شهر غشت وحده.

وكشف المسؤول الأمني، “أن المغرب هو الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا، التي تنشر جهازا يكلف الرباط سنويا 200 مليون يورو، على طول ساحلها الشمالي، مع قوات برية يزيد عديدها عن الـ 13 ألف عنصر، مجهزين بوسائل “هائلة” على حد تعبيره، بين السعيدية والجزائر ومن مدينة القنيطرة إلى الشمال.

وما حدث في خفض حركة العبور إلى الشواطئ الإسبانية (ناقص 93 في المائة)، جرى بمجهود مغربي خالص، ويستغل المهاجرون حاليا القوارب السريعة “غوفاست”، وكانت مخصصة إلى وقت قريب، لتهريب المخدرات، وهو تبرير رسمي لحادثة إطلاق النار.

وجاء تصريح المسؤول في الداخلية المغربية لوكالة الأنباء الفرنسية، للتعاون الأوروبي في هذا الملف، كي لا يضغط الغربيون لمحاسبة المسؤولين فورا عما حدث، كما ورد في بيان “هيومان رايتس ووتش”، وقالت سارة ليا ويتسون، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة: “ليس هناك أي دليل يشير إلى أن الركاب كانوا يشكلون خطرا أمنيا على أي أحد”، وحسب مصدر محلي، فإن الزورق انطلق من “مارينا هيركوليس” بسبتة، ولمحوا خفر السواحل الإسبان وسط البحر، ليجدوا في الاتجاه الآخر، في “مارينا سمير” البحرية الملكية التي أطلقت الرصاص، وأردت حياة المنحدرة من حي درسة التطواني، قتيلة، وجرحت لحبيب.ص وحمزة.ب، وثالثا من شفشاون.

وشددت المملكة على المهاجرين من شبابها، بعد 80 يوما، وصل فيها بعض الناشطين من حراك الريف، والمعفى عنهم من طرف الملك مؤخرا، إلى الشواطئ الإسبانية، وقررت الرباط ترحيل القاصرين الراغبين في الهجرة من الشمال نحو جنوب البلاد، دون أدنى حماية تفرضها مدونة حقوق الطفل، وأحبطت محاولات، لأنها غير ملزمة بنفس ما تتعامل به مع الأفارقة، لأن المغرب في هذه الحالة، مجرد دولة عبور.

وانتهاك حق الحياة في حالة حياة، يفيد أن:

– المغرب فضل أن تكون سلطته متطرفة تجاه الهجرة، وقبلها التظاهر السلمي، فحوكم نشطاء الريف وقائدهم مرشح لجائزة “ساخاروف”، ولم يعد ممكنا سوى مواصلة القبضة الحديدية، لأن خدمة الصورة الإيجابية والديمقراطية، لم يعد لها مفعول في قضية الصحراء، وقد دخلت مسارا آخر.

– الرباط قررت أن تبعد جيشها عن تطورات المسألة الاجتماعية، فخرجت وزارة الداخلية لمخاطبة إعلام الحليف الفرنسي (أ. ف. ب) قصد تبريد رد الفعل الغربي.

– الأجهزة الأمنية في المغرب، قبلت مراقبة الأوروبيين لهجرة الشباب المغربي على أراضيها ضمن شبكات الهجرة المختلفة، وفي إطار التعاون الثنائي.

– أن الرصاصات التي أودت بحياة الطالبة التطوانية وجرحت آخرين، أكدت مستوى الإحراج الرسمي الذي خلقه الشباب في رفضهم البقاء في بلدهم، بعد رفضهم الخدمة العسكرية، وأدخلت هذه التطورات الجيش المغربي، في المسألة الاجتماعية، إذ وصل الرفض درجات متقدمة، من رفض أحكام القضاء في حراك الريف، ومحاكمة الصحافيين، ورفض الخدمة العسكرية، خصوصا من طرف معتقلين سابقين في حراك الحسيمة، مما وضع منطقة الريف، وشمال المملكة، في حالة سيولة اتجهت عن طريق الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، وقد سبب المهاجرون، من حراك 20 فبراير، إنشاء تنظيم “الجمهوريين المغاربة”، وتؤسس الموجة الثانية في حراك الريف، لمعارضة أقوى، فالمسألة سياسية قبل كل شيء.

+++ الاحتجاج بالهجرة

في 2013، كتبت ليلى ديليزان عن “نهاية هجرة المغاربة إلى إسبانيا”(2)، لأن المغاربة شكلوا أول خط للعطالة في المملكة الإيبيرية، لكن المسألة لم تعد اقتصادية، بل مسألة حرية، لذلك جاءت الهجرة بعد حراك الريف “صادمة وقوية”، وإن فسرت الداخلية المغربية ما حدث، على أنه انتقال للهجرة السرية من شرق المتوسط ووسطه إلى شمال المغرب، وهذا التفسير الجيوسياسي، لم يؤطر السؤال الاجتماعي لمنع التهريب المعيشي من مليلية بإغلاق معبر “بني انصار”، حيث زادت نسبة الفقر كما زاد موقع إسبانيا عند أبناء هذه الأسر، فانتقلت المسؤولية من الآباء والأمهات المهربات إلى البنات والأبناء، فالهدف لم يعد الغنى، بل العيش الكريم فقط، وأيضا طلب الجنسية والاستقرار نهائيا في الجارة الإسبانية، إنه احتجاج بالهجرة في حديه: ردا على ما حدث في الحسيمة من اعتقالات ومحاكمات، وردا أيضا على إغلاق أهم منافذ التهريب المعيشي، فهذه الانتفاضة، انتفاضة الفقراء، لكنها في الواقع، تثبيت لشعار جيل الاحتجاجات: “الموت ولا المذلة”.

ولقربها الجغرافي، كما تقول “لو فيغارو”، فإن “المشاكل الداخلية في المغرب، يكون انعكاسها مباشرا على إسبانيا(3)، والمنحدرون من الريف، لم يعودوا ملتصقين بالأراضي المنخفضة، لأن مدريد استعمرتهم، بل سيكونون في إسبانيا غدا”.

ودون أي تحفظ، فإن المغرب مضطر لأن يكون نظامه الملكي، على النمط الإسباني، وإلا زادت الفجوة بين أجياله الجديدة وحاكميه التقليديين، ومنذ 5 سنوات، تجاوز المهاجرون المغاربة إلى إسبانيا، المهاجرين إلى فرنسا، المستعمرة الرئيسية للمغرب بـ 1.6 في المائة، وقد تضاعفت هجرة المغاربة 3 مرات، أي 300 في المائة منذ اندلاع نزاع الصحراء عام 1975.

ويعرف الجميع، أن إسبانيا التي أطرت علاقتها القانونية مع المنتسبين للصحراء، ستتمكن من إعادة النظر في جوار سبتة ومليلية من الأصول الواحدة لساكنة الريف.

وليس غريبا أن تجد إسبانيين يساعدون بشكل مجاني في نقل ريفيين إلى الأراضي الإسبانية الخالصة، لأن تقاربا كبيرا بين الريفين في الأراضي المنخفضة وسبتة ومليلية وفي باقي الريف، حدث بعد أزمة الحراك، ولأن الدولة أصرت على النزوع الانفصالي لأكبر حركة جماهيرية حدثت في شمال المغرب، وزادت الأمور تعقيدا بعد التطورات الأخيرة.

وكشفت تصريحات رئيس حكومة مليلية المحلية، بمناسبة الذكرى السنوية لـ “أسبنة المدينة”، أن “حكومته لم تعد تنظر إلى الجنوب، وترى نفسها شمالا في الجغرافية الأوروبية”.

يسود هذا الإحساس في الريف التاريخي تحت الإدارتين المغربية والإسبانية، لذلك، فالهجرة التي تجرح كبرياء النظام السياسي في المغرب، تهدد بمأساة إنسانية.

ويكاد المختصون يعتقدون أن إسبانيا، أكبر بلد في الاتحاد الأوروبي، يستقبل المهاجرين بحجم ساكنته(4)، يرتبط بشكل خاص بساكنة مستعمراته السابقة، ويدافع عن جودة حياتهم  وشروطهم، وبالتالي، فإن قدرة النظام المغربي على حرمان مليلية من شريانها منذ 1957، قادر على فرض قرارات مثل إطلاق الرصاص على مهاجرين سريين، لأنهم معارضون، قبل أن تطأ أقدامهم الأراضي الإسبانية.

وهذه الصورة بالنسبة لمسلمي مليلية، رفعت منسوبين: قبول هذه الفئة بالعمل في القوات الإسبانية، ودفن “الاستفتاء الشعبي” للعودة إلى المغرب، بعد الذي حدث في كاتالونيا، لكن الحصار الاقتصادي على مليلية، غير بشكل جذري القواعد المتبعة منذ 1957، ولذلك، هناك صياغة جديدة بشمال المغرب في علاقته بمليلية، وبالهجرة وحراك الريف، وستكون الأبعاد الجديدة قائمة على ميزان قوى جديد، يمنع التهريب المعيشي والهجرة المعيشية، وقبلهما الاقتصاد الاجتماعي والمعيشي كما حددته مطالب حراك الريف في مقابل الخطة النيوليبرالية المعتمدة على السياحة كما في خطة “الحسيمة منارة المتوسط”، ويجري كل ذلك تحت أنظار الإسبان، ويمكن حاليا التأكيد على خلاصتين:

1) الاحتجاج على سياسات الرباط، يجمع حكومة مليلية والريف، ويحدث هذا، لأول مرة، وغيرت بعض الإجراءات قواعد الاشتباك الاستراتيجي (الاقتصادي والأمني) في المنطقة.

2) أن منطقة الريف التاريخي، تأخذ صياغة جديدة.

ومن المهم القول أن ما يحدث، ليس مناورة فقط، بل يطلق تحولا كبيرا في المنطقة، وسيكون شمال المملكة بؤرة فاعلة في كل البحر المتوسط، ويريد المغرب دعما أوروبيا لقواته الخاصة، في موضوع الهجرة، فالتأزيم وليد تغيير في الأهداف، فيما تحولت رؤية الشباب كليا:

أولا: لأن الشاب المغربي الذي لم يكن يستطيع الهجرة لوصول فاتورتها إلى 7000 يورو، عادت تضامنية ومجانية بعد حراك الريف.

ثانيا: لأن الشاب المغربي معرض للاعتقال، أو الهجرة، أو الدخول للثكنة العسكرية لأداء التجنيد الإجباري.

ثالثا: لأن الهجرة ساهمت في استقرار المغرب، فالمملكة لا تستطيع أن تستوعب 4 ملايين نسمة، عدد المهاجرين المغاربة، وأغلبهم من الفئة الشابة، والمخيف أن الخلفية السياسية في فئة المهاجرين الجدد، مرتفعة، أي أن حساسيتهم إما جمهورية أو انفصالية على الأقل، في نظر السلطات الأمنية.

رابعا: لأن هناك انسجاما كبيرا بين الجيل الثالث والجيل المولود في بداية تسعينات القرن الماضي بالمملكة.

خامسا: لأن المعارضة في الخارج، قد ترتفع إلى 200 في المائة، إن نجحت الهجرة المجانية أو التضامنية لشباب شمال المملكة.

سادسا: لأن الاتحاد الأوروبي، سيراجع بعض مساعداته إن تواصلت الهجرة بطرقها الجديدة.

سابعا: لأن خطة الاندماج، ارتفعت جودتها في إسبانيا، وتجاوزت مدريد ما وقع لأهدافها المعلنة في سنوات 2011 – 2014(5).

+++ إطلاق الرصاص، جاء بعد إعادة اعتراف في 23 غشت باتفاق الجَوَلان الموقع بين المغرب وإسبانيا في 1992

دون أن يعيد المغرب العمل إلى معبر “بني انصار”، أعادت إسبانيا العمل باتفاق 1992(6)، واختار المهاجرون الوصول إلى باقي التراب الإسباني، وأرادت الرباط بذلك الاتفاق، تمييز مدريد بين ترابين (سبتة ومليلية) وباقي الأراضي الخالصة لإسبانيا، وتحفظت حكومة مليلية على هذه الصياغة، فيما واصل المغرب منذ الأول من غشت 2018، إغلاق معبر “بني انصار”، وبقي على قراره، لذلك، فإن الهجرة أصبحت رهانا جيوسياسيا، لكن السياسات النيوليبرالية، حولته إلى هدر للحقوق على طريقة ترامب، وقد تجاوزها المغرب بإطلاق الرصاص على حياة وزملائها في زورق مطاطي للهجرة.

وحاليا، يصعب تصور المحاسبة في مقتل حياة، لأن مقتل محسن فكري ذهب سدى، وإن خلق 800 معتقل وأزمة حقوقية للمملكة، وقد دخلت بين زمنين (ما قبل الحراك وما بعده)،  وبمقتل حياة، هناك فصل آخر بين نظرتين ووعيين، فالنظام السياسي لن تكون له رؤوس بعد اليوم، غير أنه يعتمد على توازن المؤسسات الاستخبارية الأمنية، لأن دخول الجيش على خط الأحداث، رغم محاولته إبعاده عن الإعلام، يشكل أزمة، ومصير 13000 من قواته بعد حادثة حياة، مطروح بقوة، لأن إسبانيا تريد تعديل حجم هذه القوات وأهدافها، وتطبيق المعايير الأوروبية في الهجرة.

وبناء عليه، فالنظام الذي يموله المغرب سنويا بـ 200 مليون يورو لمكافحة الهجرة، سقط أخلاقيا، ولابد من إنقاذه، دون دفع ثمن ما حدث، فإعادة توجيه 200 مليون يورو للتنمية البشرية، سيغير وجه الريف، وستقدم الرباط ولا شك، تنازلات مؤلمة للغاية، ليس بالداخل، بل للأوروبيين، لتخفيف الضغط على الجيش المغربي، والجيش والقضاء، هما الجهازان اللذان دخلا السياسة مؤخرا، ومن المنطقي أن يبقيا بعيدا.

+++ قتل حياة بالرصاص وتهجير الشباب المغربي بالمجان، لغزان غير خاضعين للتحقيق، وقد توفي 300 شخص منذ بداية السنة الجارية، حسب أرقام وكالة الأمم المتحدة للاجئين

سيظل إطلاق البحرية الملكية الرصاص على المهاجرين العزل، شيئا مثيرا وغامضا، وقد حمل رئيس الحكومة، العثماني، المسؤولية لشبكات الهجرة، وقال من طنجة، “إن ما يجري حرب”، وقد أودت بـ 300 شخص، حسب الأمم المتحدة، وترى جريدة “لوموند”، أن المسار الذي حاولت قطعه حياة، يستخدم بشكل متزايد، على خلفية تزايد توترات الهجرة بالمملكة.

وبين التوتر والحرب، نجد وصف العثماني يتجاوز الصحافيين لتبرير إطلاق الرصاص، في ظل إحباط 54 ألف محاولة عبور في اتجاه الاتحاد الأوروبي منذ بداية يناير من السنة الجارية، ووصول 40 ألف شخص إلى إسبانيا في هذه الفترة، وهو ما دفع مدريد لتغطية ما قامت به البحرية الملكية، لقرارها تحريم زوارق “الفانتوم” من دخول مياهها، لكن إطلاق الرصاص، خشونة إضافية في ممارسة المملكة في مجال الهجرة، بعد الإبعاد القصري لـ 6500 شخص جرى نقلهم من شمال المملكة إلى مدن بعيدة، في وسط أو جنوب المغرب، حسب مجموعة “غاديم” المدافعة عن الأجانب المهاجرين.

ومرور 38850 شخصا إلى الضفة الأخرى، أي بمعدل يومي يصل إلى 150 شخصا، يعد رقما مؤلما، فوصول مثل هذا الرقم من الشباب المغربي إلى الأراضي الإسبانية، خلق فوضى، فيما يغرق 11 مهاجرا كل يوم في 14 كلم تفصل بحرا بين البلدين.

وحسب موقع “لوتون” السويسري، فإن المملكة استعملت دائما الهجرة إلى أوروبا كوسيلة سياسية للحصول على الرضى بشأن قضايا أخرى مثل حقوق الصيد.

إذن، فتداخل موضوعي الصيد البحري والهجرة، كما يطرحه موقع “لوتون” يؤكد أمرين:

1) أن الهجرة، حساب جيوسياسي في السياسة المغربية الأوروبية، ولا تناقش الرباط دوافع الشباب للهجرة، وقررت أن الاحتجاجات موضوع داخلي، لدفاع الجميع عن المقاربة الأمنية المستخدمة، وترفض المملكة وجهة نظر هولندا في مقابل تعاونها مع الرؤية الإسبانية الداعمة للإجراءات العسكرية ضد الهجرة.

2) أن تدخل الجيش المغربي في منع المهاجرين، ونقل الإجراءات من الدرك البحري إلى البحرية الملكية، تطور يؤكد أن المغرب أعلن حالة الطوارئ.

+++ الإجراءات العسكرية ضد الهجرة، ونقل الملف من الدرك البحري إلى البحرية الملكية، قرار سياسي، بفعل التغييرات التي حدثت في الدرك والجيش من جهة، ومن جهة ثانية، فإن إعادة جدولة العملين ـ الدركي والعسكري ـ في شمال المغرب، ومن خلال منع الهجرة، دخلت دائرة التنافس

يقول أستاذ الاقتصاد المتخصص بمعهد الدراسات الدولية والتنمية جون أركان: “إن المسألة سياسية، فالمغرب الذي يستطيع إدارة حدوده بقوة مفرطة، غير قادر على إعادة المهاجرين الأفارقة إلى الحدود، لرغبته في المحافظة على علاقاته الجيدة مع شركائه الأفارقة”.

إذن، فما حدث من إطلاق الرصاص على المهاجرين، “قرار سياسي”، يتأكد معه أن الإجراءات العسكرية ضد الهجرة، ونقل هذا الملف من الدرك البحري إلى البحرية الملكية، يعود إلى التغييرات الأخيرة التي حدثت في الدرك والجيش معا، وقرار استخدام الرصاص الحي ضد المغاربة وليس الأفارقة، رسالة واضحة، لأن صورة المغرب في الاتحاد الإفريقي مطلوبة، فيما يعتقد أنه قادر على احتواء هذه الخطوة الرادعة ضد الشباب المغربي الراغب في الهجرة.

وليست مصادفة، أن المغاربة اختاروا عن سابق إصرار، وفي شهور الاحتجاجات، زوارق “الفانتوم”، عكس المهاجرين السريين الأفارقة، ليتميزوا عن غيرهم، لكن استهداف حياة وآخرين مع قادة “الفانتوم” الإسبان، رسالة مباشرة إلى الشباب الغاضب في المملكة، قبل أن تتحول الرسالة إلى جرس إنذار بالخطر، حسب تعبير بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية.

ويمثل المغاربة حاليا، 15 في المائة من الساكنة الأجنبية المسجلة في إسبانيا، بما قدره 715690 شخصا، ووصل بين 2010 و2015 من الحاصلين عن الجنسية في هذا البلد، 127474 شخصا من مجموع 211709 أشخاص بين 2000 و2016.

وسلمت مدريد في كل فصل من السنة الماضية، 32500 تأشيرة، ويتوقع الملاحظون، أن يصل عدد المهاجرين السريين إلى الأراضي الإسبانية، 35000 شخصا في هذه السنة مقابل 130000 تأشيرة(7).

وبناء على هذه الأرقام، فإن المهاجرين السريين يقتربون من نسبة 50 في المائة من الزوار المهاجرين والعمال والسياح القادمين من المغرب، وفي الحدود المغربية، يبدو حسب “إلموندو”، أن إسبانيا تعمل الشيء الجيد(8)، وهو ما يزيد من جاذبية مدريد لدى الشباب.

وحسب وصف الجريدة الإسبانية، فمنذ يوليوز الماضي، كلفت الرباط قواتها الشبه عسكرية (القوات المساعدة)، بتفكيك المخيمات الخاصة بالأفارقة جنوب الصحراء، خصوصا من غينيا كوناكري والكامرون ونيجيريا.

وبقرار سابق، ابتعد الدرك عن مسألة الهجرة، إذ قامت القوات المساعدة بتفكيك المخيمات  وإعادة انتشار المهاجرين وسط وجنوب المغرب، وقامت البحرية الملكية عوض الدرك البحري، بمنع الزوارق، قبل أن تسمح المملكة بإطلاق النار على قوارب الهجرة.

وسبق أن أبعدت “زودياك” في محاولة ثانية، لتمنع البحرية بالنار “الهجرة الاحتجاجية” على الأوضاع الداخلية في المملكة، وتنظر العاصمة الرباط إلى هذا التهديد، بأنه دائم، وهي تتحدث عما يسميه مسؤولوها بـ “قابس الهجرة”(9)، وعندما اندلع جاء الرصاص لإيصال رسالة واحدة إلى الشباب، بأن الخيارات الثلاثة: الرصاص أو الاعتقال، أو التجنيد، على الأقل في نظر الشباب الغاضب، الذي يرى هذا الثالوث أكثر سوداوية، فيما يطالب الحزبيون، بألا تكون الصورة سوداوية أو عدمية، لكنهم يعترفون بالواقعية السوداء.

ومن المهم، حسب رئيس الحكومة الإسبانية، عدم مقابلة الصورة السوداوية للمغرب والصورة الذهبية لمدريد في نفسية الشباب، حسب “إلموندو”.

وفي الرباط، لا أحد يقبل قرارات ونوايا وزير الداخلية الإسباني فيرناندو غراندمار لاسكا، الذي كان ضحية مخطط إرهابي لقتله من طرف منظمة “إيتا” في 2008، فهو قوي للغاية ضد الإرهاب، ويريد رفع الإغلاق عن سبتة ومليلية، فيما نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت يرفض الفكرة الأوروبية، والخاصة ببناء مراكز للمهاجرين على الأراضي المغربية، وقد أوضح مسؤول مغربي، أن المسألة تتعلق بحلفاء رئيس الحكومة، سانشيز، أي حزب “بوديموس”، أصدقاء البوليساريو، لكن تعويض المغرب للفكرة الأوروبية بتدخل البحرية الملكية، أي عسكرة مسألة الهجرة، هو مشكل حقيقي، إن تواصلت عسكرة المسألة الاجتماعية بغير قليل من الحذر.

وتراقب القوى الإقليمية أمورا أساسية منها:

1) عدم دخول دينامية التغيير إلى البحرية الملكية، عكس ما طرأ في باقي القطاعات الأخرى للقوات المسلحة الملكية، وإن عرفت تقدما تقنيا هائلا، ويشكك المراقبون العسكريون في عدم معرفة البحرية لوضعية زورق سريع وعادي، لذلك، فمسألة إطلاق النار على الزورق بتفجيره، ليس خطئا إلى الآن، وبشكل رسمي.

ووعدت الرباط بتحقيق في الحادث، بينما يعرف الجميع أن التحقيقات المثيلة غير شاملة أو عميقة، غير منشورة وتخدم التفاصيل التي تدافع عن الطرف الرسمي، وتبرر له.

2) أن البحرية الملكية، لا تحقق في الحادثة إلا بشكل داخلي، وما نشرته بعض وسائل الإعلام، تهييء لتحميل العنصر الذي أطلق النار مسؤولية الحادثة، لظروفه الوظيفية، ولما حدث له في وقت سابق مع زورق من نفس الطراز يحمل المخدرات.

3) أن البحرية الملكية، لم ترغب في أن تكون حادثة إطلاق النار، عملا ممنهجا أو قرارا مسبقا اتخذته القوات المسلحة الملكية من خلال قطاعها البحري.

وبالتالي، فإن البحرية الملكية، تساير قرارا ملحوظا في استعمال جميع حملة السلاح لسلاحهم الوظيفي في الجريمة، وهو يشمل الجيش والشرطة والدرك وغيرهم.

وتفرض هذه الخاصية الجديدة غير المسبوقة في الجيش، وفي باقي الأجهزة الأمنية، التأكيد على ملاحظات منها:

1) أن الدرك البحري مقابل الحرس الوطني الإسباني، لم تعد معادلة إقليمية، والجيش، بعد إغلاق معبر “بني انصار”، طور علاقة بديلة مع شمال المملكة، فالقوات المسلحة الملكية تحمي الحدود، بنفس الفعالية من تيفاريتي إلى معبر “بني انصار”.

ويكشف تقرير إسباني للحرس المدني، أن حضور الجيش المغربي، يستدعي حضورا موازيا للجيش الإسباني في الثغرين المحتلين (سبتة ومليلية).

2) أن البحرية الملكية، لا تقود الاستراتيجية الدفاعية لشمال المغرب، وإنما هي ضمن خطة عمل، هي جزء لا يتجزأ منها، ورغم حضورها المشترك إلى جانب الحرس الإسباني، فإنها تستطيع قيادة عمليات خاصة، عكس ما عملت عليه الرباط في أزمة “جزيرة ليلى”، فهذه الأزمة نقلت الثقل الدفاعي من الدرك البحري إلى البحرية الملكية، وإطلاق الرصاص من طرف هذه القوات على مدنيين، قد ينقل المهمة إلى طرف آخر، في إطار تنويع التكتيكات، وقد أصبحت جزءا من العمل الميداني للمملكة.

3) أن الرغبة الإسبانية، واضحة في استقرار الوضع حول سبتة ومليلية، دون تعقيدات إضافية، لذلك، قررت السكوت على ما حدث، وإن اعتقل المغرب إسبانيان.

ويكشف تقرير الحرس المدني، أن أي تعديل في الخريطة الأمنية المغربية حول سبتة ومليلية، أو تغيير في الأجهزة العاملة هناك، فيه مغامرة لا تقل عن دخول الجيش المغربي على خط الأزمة الاجتماعية في المملكة الشريفة.

+++ “عسكرة” مسألة الهجرة، تطور جديد لـ “عسكرة” المسألة الاجتماعية في المغرب، ويبدي السياسيون والحزبيون تخوفا شديدا من أي انزلاق

إن حادثة إطلاق الرصاص من طرف البحرية الملكية على المهاجرين السريين، دفع دوائر الحكم، في الداخل والخارج، إلى نقل مهمة الهجرة السرية إلى الشرطة المغربية، التي مولت الولايات المتحدة الأمريكية، مؤخرا، قدرتها الجوية لمكافحة الإرهاب، وأي اختراق للتنظيمات المتطرفة لصفوف المرشحين للهجرة، يسعف الحموشي على إدارة مهمة مكافحة الهجرة.

من جهة، لأنه يرأس المخابرات الداخلية، وبتسليمه هذا الملف، سيكون إجهاض شبكات الهجرة، بنفس الطريقة التي يجري بها تفكيك الخلايا الإرهابية، ومن جهة ثانية، هناك تنافسا بين مهمة القوات المساعدة التي فككت مخيمات الأفارقة في شمال المغرب، وبين باقي المتدخلين، ويبدو أن الشرطة والمخابرات الداخلية، لم يتدخلا في التطورات الأخيرة، رغم حجم التطوير الذي وصل إلى ما يسمى “شرطة الماء”.

ونرى بوضوح أن حادثة إطلاق الرصاص، تساهم في الوصول إلى 5 أمور:

1) تحويل مكافحة الهجرة إلى الشرطة والمخابرات الداخلية، لأول مرة في تاريخهما.

2) تعزيز اندماج القوات المساعدة في منظومة المكافحة والعمليات الخاصة إلى جانب البحرية المغربية، وقد عزز هذا الوضع، تقدم القوات المسلحة الملكية، لكن حادثة إطلاق الرصاص، جعلت الأمور تتغير، وتنقل الملف إلى شرطة تريد أن تكون لها قوة بحرية، بعدما مولت الولايات المتحدة الأمريكية قدراتها الجوية، ومحاولة أن تكون شرطة الحموشي على نسق “الحرس المدني الإسباني”، ذي الطبيعة العسكرية منذ تأسيسه بظهير ملكي في 28 مارس 1884، طموح قوي يسود الساحة.

وتذهب الاستشارة الأمريكية إلى:

– نقل ملف الهجرة إلى الشرطة والمخابرات الداخلية التي يقودها الحموشي، على أساس أن يكون تكييف الهجرة، على أنها جرائم الاتجار في البشر، وأي قدرات بحرية للشرطة مستقبلا، ستكون تطورا لا محيد عنه لباقي القوات المتدخلة في موضوع الهجرة، وقد لاحظ الجميع أن دعم واشنطن للحموشي، غير محدود.

– أن الرؤية الأمنية، كلاسيكية في موضوع الهجرة، ولابد في نظر الخبراء الأمريكيين، من تحديثها.

– أن تطوير الشرطة إلى جهاز شبه عسكري، يساهم في إعادة تأطير أمن الحدود، خصوصا وأن المخابرات الداخلية، معتمدة على أساس مراقبة التراب الوطني.

وبناء على ما تقدم، يكون العمل الميداني للشرطة “شبه عسكري” مهم لمنع تورط الجيش في المشاكل الداخلية، خاصة وأن رهاناته في شمال المملكة، وفي مقابل الجيش الإيبيري، “مهمة وحاسمة”، وأتى بالقوات المساعدة لإعادة تسطير تواجده البري والبحري في هذه المنطقة الحساسة.

وسيكون ما حدث مع حياة، نقلة كبيرة، لأن دخول الجيش إلى المعترك الاجتماعي بتداخلاته المعقدة، رهان قد يحول المسار كله، وهو ما يدعوه البعض، انزلاقا أو حبشا في الأفق، يبدأ من استثمار الوضع الحالي لتحقيق تحول جذري وجدي في الخريطة الأمنية، يحول الشرطة إلى إطار شبه عسكري في الأفق القريب.

هوامش:

1 – La démographie comme facteur révolutionnaire en Afrique du Nord; Tunisie, Egypte, Maroc, Maurent Chalard, Orient XXI, 5/8/2015.
2 – Vers la fin de l’immigration Marocaine en Espagne, Leila Délezenne, hommes et migration, revues française de référence sur les dynamiques migratoires, Dossier 1303, p: 75, 2013.
3 – le figaro.fr/ actualité 2012/0/0/01016.
4 – le figaro.fr, Espagne- pays-proportion.
5 – Extranjeros.emplo.gob.es/es/integracion ret orno/plan-stratégico 2011/ pdf/PECI2011-2014.
6 – L’espagne ordonne le renvoi vers le Maroc des migrants qui ont forcé le clôture de Sebta, Anais le ferbure, Huffpost maghreb, 23/8/2018.
7 – Los marroquies Suponen el 15% de la poblacion extrajera registrada en Espana, la vanguardia, 20/03/2018.
8- La inmigracion desdé la frontera marroqui: «Hacemos el trabajo sucio mentras espanahace de buena, lucas de la cal, et mondo, 29/07/2018.
9 – Tapon migratorio.
تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى