المنبر الحر

المنبر الحر | فاس في ذاكرة الانتخابات.. أين اختفى اليسار ؟

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.. تعود الأحزاب السياسية إلى الواجهة، فتتجدد اللقاءات التواصلية، وتتحرك القيادات والمناضلون، وتبدأ لغة الوعود والبرامج والبحث عن أصوات الناخبين، وفي خضم هذا المشهد، يجد أبناء جيلي، خاصة في فاس، جيل الستينات والسبعينات، أنفسهم يعودون بذاكرتهم إلى زمن كانت فيه السياسة تُمارس بروح مختلفة، وكانت الانتخابات بالنسبة إلى كثير من الشباب آنذاك أكثر من مجرد مناسبة للوصول إلى البرلمان أو تدبير المجالس المنتخبة؛ فقد كانت قضية وموقفا وقناعة، ومشروعا لتغيير المجتمع.

ومن مدينة فاس، التي كانت ولا تزال إحدى القلاع السياسية والفكرية الكبرى في المغرب، نستحضر مرحلة انتخابية عشناها عن قرب في نهاية السبعينات، حين كان الصراع السياسي محتدما بين حزب الاستقلال، ذي الحضور التاريخي والمحافظ، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأجنحته التقدمية، في مشهد كان يعكس بوضوح التنافس بين رؤيتين ومشروعين سياسيين.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد كانت فاس في تلك المرحلة مدينة استقلالية بامتياز، لكن الحملات الانتخابية القوية التي خاضها الاتحاد الاشتراكي، استطاعت أن تستقطب شريحة واسعة من الشباب والطلبة، ومن بينهم نحن الذين كنا نحلم بالتغيير ونؤمن بأن السياسة يمكن أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع والدفاع عن القضايا العادلة، وأتذكر أننا كنا ندعم أربعة من مرشحي الحزب، وهم الدباغ والمجذوبي وبوطالب وبنسعيد، وكنا نحضر خطاباتهم ولقاءاتهم، ونشارك في حملاتهم الانتخابية في مختلف أحياء فاس، ليلا ونهارا، دون أن نشعر بالتعب أو نبحث عن مقابل.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكان يقودنا في تلك المرحلة عدد من المناضلين والمنظرين السياسيين، ومن بينهم الأستاذ عبد الرحمن الغندور، الذي كان حاضرا بقوة في تأطير الشباب وتنظيم الحملة الانتخابية، وبذل جهدا كبيرا في التعبئة والتواصل، وربما كان من الإنصاف القول إن أمثال هؤلاء المناضلين تركوا بصمتهم في نجاح الحزب وتمكنه من الحصول على مقاعد برلمانية لتمثيل مدينة فاس.

تتمة المقال تحت الإعلان

كنا يومها طلبة وتلاميذ وشبابا في مقتبل العمر، وإلى جانبنا طلبة جامعة سيدي محمد بن عبد الله، وكان الحماس السياسي جزءً من حياتنا اليومية. لم نكن نذوق طعم الراحة، لأن الذي كان يحركنا لم يكن حسابا انتخابيا ولا طموحا شخصيا، وإنما قناعة ومبدأ وإيمان بما كنا نراه آنذاك مبادئ نبيلة يدافع عنها الاتحاد الاشتراكي. وهنا تكمن، في نظري، إحدى أهم الفوارق بين السياسة التي عرفناها في شبابنا والسياسة التي نراها اليوم: كان المناضل يبحث عن الفكرة قبل المقعد، وعن المشروع قبل الامتياز، وعن إقناع المواطن قبل استمالة صوته.

ولم تتوقف مشاركتنا عند الانتخابات التشريعية، بل امتدت إلى الانتخابات الجماعية، حيث شاركنا إلى جانب أساتذة ومناضلين، من بينهم بومهدي وبامو بنعيسى وعبد الرحمن الغندور، وانتهت تلك المرحلة بوصول الاتحاد الاشتراكي إلى تدبير شؤون بلدية فاس، في لحظة سياسية كان لها وقع خاص في نفوسنا، لأننا كنا نرى بأعيننا ثمرة العمل الميداني الذي شاركنا فيه.

كانت السياسة آنذاك مدرسة حقيقية، يتعلم فيها الشباب معنى الالتزام والعمل الجماعي والصبر على الاختلاف، وكان الحزب فضاءً للتكوين والنقاش وإنتاج الأفكار، وليس مجرد آلة انتخابية لا تظهر إلا قبيل موعد الاقتراع، ولذلك بقيت تلك التجربة راسخة في ذاكرة أبناء جيلي، حتى بعد أن تغيرت الوجوه وتبدلت الظروف وتحولت الخريطة السياسية المغربية مرات عديدة.

لكن الزمن لا يتوقف، والسياسة أيضا لا تعرف الجمود؛ فقد تغير المجتمع، وتغيرت انتظارات المواطنين، وتغيرت طبيعة الأحزاب، وتراجعت قدرة بعض التنظيمات على استقطاب الشباب وتأطيره، وهنا يصبح من حقنا، نحن الذين عشنا تلك المرحلة، أن نطرح السؤال دون حنين أعمى إلى الماضي، ودون إصدار أحكام مسبقة على الحاضر: أين هو الاتحاد الاشتراكي اليوم مقارنة بما كان عليه بالأمس؟ وأين اختفت تلك الروح النضالية التي كانت تجعل شابا يقضي يومه وليله في الحملة الانتخابية إيمانا بفكرة ومشروع ؟

والسؤال اليوم لا يتعلق بالاتحاد الاشتراكي وحده، وإنما باليسار المغربي بكل مكوناته وأطيافه..

فقد عرف اليسار خلال العقود الماضية تحولات وانقسامات وتجارب متعددة، وأصبح أكثر تشتتا مما كان عليه في مراحل سابقة، وإذا استطاعت مختلف مكونات اليسار أن تتجاوز خلافاتها، وأن تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية والشخصية، وأن تتقارب حول مشروع اجتماعي وديمقراطي واضح، فقد يكون بإمكانها أن تستعيد شيئا من وهجها القديم، أما إذا بقي كل مكون ينظر إلى الآخر باعتباره منافسا أكثر منه شريكا، فإن حلم توحيد الصفوف سيظل مؤجلا، وستظل السفينة تبحث عن ربانها في بحر سياسي متغير.

إن استحضارنا اليوم لانتخابات فاس في نهاية سبعينات القرن الماضي ليس بكاءً على زمن مضى، ولا دعوة إلى استنساخ الماضي بحذافيره، وإنما هو محاولة لاستحضار روح السياسة عندما كانت الفكرة قادرة على تحريك الشباب، والحلم بالتغيير قادرا على تعبئة الناس، والنضال مرتبطا بقناعة لا بمصلحة شخصية.

لقد تغيرت فاس، وتغير المغرب، وتغيرت الأحزاب، وتغيرت أجيال الناخبين، لكن السؤال القديم ما يزال حاضرا بصيغة جديدة: هل تستطيع السياسة المغربية أن تعيد إلى المواطن ثقته في العمل الحزبي؟ وهل يستطيع اليسار، بكل مكوناته، أن يجمع شتاته ويقدم مشروعا قادرا على قيادة السفينة نحو المستقبل ؟

ذلك هو التحدي الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة: ليس فقط من سيفوز بالمقاعد، وإنما من سيكسب ثقة المواطن، ومن سيقنعه بأن السياسة ما تزال قادرة على خدمة الوطن والمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى