المنبر الحر | قصة الغرور وتحمل المسؤولية فوق القدرات والطاقة


محامي بهيئة وجدة
أسطورة إيكاروس ودايدالوس (Icarus et Daedalus)، من الميثولوجيا الإغريقية التي يُضرب بها المثل في عاقبة الغرور وتحمل إنسان لمسؤولية كبيرة تفوق قدراته البشرية مما يؤدي إلى سقوطه وهزيمته، وفي هذا السياق أسوق لكم تفاصيل القصة والدروس، ومنها قصة الطيران نحو الهلاك والسجن.
يحكى أنه كان المهندس البارع دايدالوس وابنه إيكاروس مسجونين في برج داخل متاهة جزيرة كريت، ولكي يهربا من السجن صنع دايدالوس أجنحة ضخمة من الريش وربطها باستخدام الشمع، فما هي الوصية والمسؤولية قبل الطيران؟ اعطى الأب لابنه مسؤولية كبيرة وحذره قائلا: “لا تحلق عاليا جدا حتى لا تقترب من الشمس فيذوب الشمع، ولا تحلق منخفضا جدا حتى تقترب من البحر فيثقل الريش بالماء فتغرق، لكن الغرور أدى إلى الهزيمة؛ فبمجرد أن طار إيكاروس وشعر بنشوة القوة والحرية، ظن أنه قادر على تحدي الطبيعة ونسي تحذير والده، وارتفع فوق قدرته ومسؤوليته الحقيقية مقتربا من الشمس، فكانت النهاية المخزية، ذاب الشمع، وتفككت الأجنحة، فسقط إيكاروس من علياء السماء ليموت غرقا في البحر أمام عيني والده، وبالتالي أصبح رمزا للهزيمة الناتجة عن الطمع وتقدير الذات بأكبر من حجمها.
أبعاد القصة في علم النفس والاجتماع تُعرف هذه الحالة في علم النفس بـ”متلازمة حبسة الغطرسة”، وتتكرر في عدة مجالات، في السياسة وفي العمل الجمعوي، والحزبي، ومجالات أخرى.. فالقادة المصابون بالغرور وحب المناصب والذين يتولون مناصب قيادية ضخمة دون خبرة كافية ودون تجربة سياسية ونقابية ونضالية، يدفعهم الغرور وحب الكراسي مدى الحياة إلى اتخاذ قرارات مصيرية تفوق مستواهم العلمي والثقافي والسياسي، فتكون النتيجة السقوط في أعماق البحر وهزيمتهم، مثل نابليون أو هتلر في غزو روسيا (رغم أنه لا مجال للمقارنة مع هذه الشخصيات العالمية).
وفي الإدارة، هناك “مبدأ بيتر” (Peter Principle)، الذي ينص على أن الموظف يرقى حتى يصل إلى مستوى عدم كفاءته، فيتحمل مسؤولية أكبر منه، تفشل مسيرته، ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية، بغض النظر عن نزاهتها أو فسادها، نعيش ظروفا سياسية إقليمية ودولية تتطلب منا جميعا تكتل جميع مكونات المجتمع المغربي، لمواجهة أعداء وحدتنا الترابية، ولهذا يجب مراعاة كل الظروف المحيطة بالمغرب قبل اتخاذ أي قرار لا يخدم أي طرف.
إن الحفاظ على الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية هما الركيزة الأساسية لاستقرار المغرب وحماية مصالحه العليا في ظل التحديات الإقليمية الراهنة ومواجهة أعداء وحدتنا الترابية الذين يتربصون بالمغرب وانتظار الفرص والظروف المواتية لزرع الفتنة والاضطرابات داخل المجتمع المغربي.
تتأسس الرؤية الاستراتيجية للمملكة على أولوية الدفاع عن الوحدة الترابية وتنمية الأقاليم الجنوبية مع تبني خيار الدبلوماسية الحكيمة وضبط النفس لتجنب التصعيد أو الانجرار وراء الأزمات المفتعلة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويرى العديد من المحللين والمسؤولين أن قوة المغرب تكمن في الاستقرار الداخلي وتسريع المشاريع التنموية والاجتماعية لتقوية مناعة الاقتصاد والمجتمع والالتزام بالقانون الدولي والتمسك بالشرعية الدولية، ودعم مخطط الحكم الذاتي كحل واقعي ووحيد للنزاع الإقليمي، والبقاء على سياسة اليد الممدودة والاستمرار في التعبير عن روح المسؤولية وتجنب الدخول في مهاترات سياسية أو إعلامية تؤجج التوتر في المنطقة المغاربية، ولهذا فإن اتخاذ القرارات، خاصة تلك التي تمس استقرار المجتمع وهيئاته، يجب أن يكون مؤسسا على رؤية وطنية تأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية الداخلية والخارجية حتى نتجنب الوقوع في أزمات اجتماعية وسياسية يستخدمها ضدنا أعداء وحدتنا الترابية.


