المنبر الحر

المنبر الحر | حين يصبح الإنسان أولوية

والصحة والكرامة أساس نهضة الوطن

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

  قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من مؤشرات اقتصادية فقط، ولا بما تحققه من إنجازات سياسية أو مشاريع كبرى، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان وصون كرامته وتوفير شروط الحياة الكريمة له؛ فاقتصاد قوي بلا عدالة اجتماعية، وسياسة بلا وعي وثقافة، وتنمية بلا تربية وتعليم وصحة، تظل كلها ناقصة مهما بلغت أرقامها ومظاهرها.

إن المغرب، بما حباه الله من موقع جغرافي متميز، وثروات طبيعية وبشرية متنوعة، وتاريخ عريق، وتعدد ثقافي وحضاري غني، يملك من المقومات ما يؤهله ليكون في مستوى تطلعات أبنائه، غير أن الثروة الحقيقية لأي وطن لا تكمن فقط في الأرض والبحر والمعادن والفلاحة والسياحة، وإنما في الإنسان المتعلم، السليم، المنتج، الواعي بحقوقه وواجباته..

تتمة المقال تحت الإعلان

التعليم: البداية الحقيقية لكل إصلاح

تتمة المقال تحت الإعلان

إذا أردنا بناء مغرب الغد، فعلينا أن نبدأ من المدرسة؛ فالمدرسة ليست بناية فقط، بل هي الفضاء الذي تتشكل فيه شخصية المواطن، وتتكون فيه القيم، وتنمو فيه ملكة التفكير والنقد والحوار والإبداع.

تتمة المقال تحت الإعلان

نحن في حاجة إلى مدرسة جيدة بكل المقاييس: مدرسة تتوفر فيها ظروف مادية لائقة، وأقسام مناسبة، وتجهيزات حديثة، ووسائل تعليمية كافية، ومرافق صحية سليمة، وفضاءات للرياضة والثقافة والفن؛ مدرسة توفر كذلك شروطا معنوية تحفظ كرامة الأستاذ والمتعلم والإدارة وجميع العاملين بها.

فالمدرس الذي يعيش ضغطا ماديا ونفسيا مستمرا، والمتعلم الذي يجد نفسه في بيئة غير محفزة، لا يمكن أن نطالبهما بصناعة المعجزة؛ فالتربية تحتاج للاستقرار والثقة والتقدير والتحفيز بقدر حاجتها للمناهج والكتب والتكنولوجيا.

ومن هنا، فإن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير للمناهج أو البرامج، بل يجب أن يكون مشروعا مجتمعيا متكاملا يعيد للمدرسة مكانتها، وللمعلم اعتباره، وللمتعلم حقه في تعليم يفتح أمامه أبواب المستقبل.

الصحة ليست امتيازا.. وإنما حق

المستشفى ليس مجرد مؤسسة تقدم العلاج، وإنما هو فضاء يجب أن يشعر فيه المريض بأنه إنسان له كرامة وحق في العناية والاحترام، وأن يشعر فيه الطبيب والممرض والإداري وكل العاملين في القطاع الصحي بأنهم يؤدون رسالة نبيلة في ظروف مهنية وإنسانية تحفظ لهم مكانتهم.

فنحن بحاجة إلى مستشفى يحترم الجميع: الطبيب والمريض والممرض والتقني والإداري، مستشفى تتوفر فيه التجهيزات والأدوية والموارد البشرية، وتُصان فيه كرامة المريض، ويجد فيه الطبيب ظروفا تساعده على أداء واجبه بعيدا عن الضغط والإكراه.

الصحة لا تعني علاج الجسد فقط، بل تشمل أيضا الصحة النفسية والعقلية، وهي جوانب أصبحت اليوم أكثر إلحاحا في ظل التحولات الاجتماعية وضغوط الحياة. فالمجتمع السليم هو الذي يهتم بالإنسان في كليته، ويعتبر الوقاية والعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي جزءً لا يتجزأ من منظومة الصحة الوطنية.

العمل الكريم طريق الاستقرار

ولا يمكن الحديث عن الكرامة دون الحديث عن العمل؛ فالعمل ليس مجرد وسيلة للحصول على راتب، بل هو مصدر للثقة بالنفس، والاستقلال، والإحساس بالانتماء والمشاركة في بناء المجتمع.

فالمواطن يريد عملا يحفظ كرامته، وأجرا يمكنه من العيش الكريم، وظروفا مهنية عادلة، وحماية اجتماعية حقيقية، ومن حق الشباب خصوصا أن يجدوا أمامهم أفقا واضحا، لا أن تتحول سنوات الدراسة والتكوين إلى انتظار طويل للفرصة.

الثقافة والمجتمع.. روح التنمية

 لقد آن الأوان كذلك لكي نعيد الاعتبار للجانب الاجتماعي والثقافي في مشروعنا التنموي؛ فالثقافة ليست ترفا، والمكتبة ليست مكانا ثانويا، والمسرح والفن والكتاب ليست كماليات يمكن الاستغناء عنها.

إن المجتمع الذي يقرأ ويفكر ويناقش ويبدع.. هو مجتمع يصعب اختراقه بالجهل والتطرف والعنف والفساد، والثقافة تمنح الإنسان القدرة على فهم ذاته وتاريخه ومجتمعه، وعلى احترام الاختلاف والتعايش مع الآخر.

ومن ثم، فإن الاستثمار في المكتبات ودور الثقافة والشباب والرياضة والفنون والإعلام المسؤول، هو استثمار في الأمن الاجتماعي وفي مستقبل الوطن، وليس إنفاقا هامشيا، فالمشكلة ليست في غياب الخيرات، وإنما في سوء التدبير، وبلادنا، والحمد لله، تتوفر على إمكانات وخيرات متنوعة، وعلى كفاءات وطنية قادرة على العطاء في مختلف المجالات، لكن الإشكال الحقيقي يكمن أحيانا في سوء التدبير، وفي بعض مظاهر المحسوبية والزبونية والفساد واستغلال النفوذ.

ولا يجوز أن نحمل الوطن مسؤولية أخطاء بعض أبنائه، فالوطن بريء من الفساد، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون يجب أن يكون فوق الجميع.

إن قلة فاسدة في أي قطاع يمكن أن تضر بمجهودات أعداد كبيرة من المخلصين، لذلك، فإن محاربة الفساد ليست شعارا للاستهلاك، بل هي شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الحاجة إلى طبقة متوسطة متوازنة

ومن أهم شروط الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وجود طبقة وسطى قوية ومتوازنة، لأنها تشكل في المجتمعات الحديثة صمام أمان، وتساهم في الإنتاج والاستهلاك والاستثمار، وتدعم الاستقرار، وتخلق جسرا بين مختلف الفئات الاجتماعية.

لكن الطبقة الوسطى لا يمكن أن تزدهر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفوارق الاجتماعية، ولذلك ينبغي أن تكون السياسات العمومية موجهة نحو تقوية هذه الفئة، مع مواصلة حماية الطبقات الفقيرة والهشة، حتى لا يتحول المجتمع إلى فئة قليلة تملك الكثير وأغلبية تكافح من أجل الحد الأدنى من الحياة.

فالعدالة الاجتماعية لا تعني أن يصبح الجميع متساوين في الثروة، وإنما أن تتاح للجميع فرص عادلة، وأن يشعر كل مواطن بأن القانون يحميه وأن الدولة تنصفه.

المواطنة عقد متبادل بين الحقوق والواجبات

وفي النهاية، لا يمكن أن نتحدث عن حقوق المواطن دون الحديث عن واجباته؛ فالمواطنة الحقيقية ليست مطالبة دائمة بالحقوق فقط، وإنما هي أيضا التزام بالقانون، وأداء للواجبات، واحترام للفضاء العام، وحماية للبيئة، وأداء للضرائب المستحقة، والمساهمة في خدمة المجتمع، والدفاع عن المصلحة العامة.

وفي المقابل، فالدولة مطالبة بأن تضمن للمواطن حقوقه الأساسية، وأن توفر له التعليم الجيد، والصحة المحترمة، والعمل الكريم، والأمن، والعدالة، والثقافة، وأن تحارب الفساد دون انتقائية.

هكذا فقط يصبح العقد الاجتماعي متوازنا: مواطن يؤدي ما عليه، ودولة تضمن له ما له.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من الحديث عن التنمية بوصفها أرقاما ومشاريع فقط، إلى فهم أعمق يجعل الإنسان محور التنمية وغايتها ووسيلتها؛ فالوطن لا ينهض بالاقتصاد وحده، ولا بالسياسة وحدها، وإنما ينهض حين تتكامل التربية والتعليم، والصحة، والثقافة، والاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والعمل، والحكامة الرشيدة.

حين تصبح كرامة الإنسان أولوية، يصبح الوطن أقوى، وحين تصبح المدرسة جيدة، والمستشفى محترما، والعمل كريما، والثقافة حاضرة، والعدالة قائمة، فإن التنمية لا تعود مجرد شعار، بل تصبح واقعا يعيشه المواطن في حياته اليومية.

وهنا تبدأ النهضة الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى