المنبر الحر

المنبر الحر | عن “الحمار الذي أكل عقل الشعب”

بقلم : حسام بوزكارن

  في المسرحية السورية التي عرضت في السبعينيات، بعنوان (غربة) للأديب والمسرحي محمد الماغوط، يطلب مختار القرية من أحد أعوانه أن يحضر له الدستور، فيرد عليه الرجل (الدستور أكله الحمار) أضحكت الجملة الصالات والجماهير لعقود، وتحولت مع الوقت إلى مثل سياسي متداول في أكثر من عاصمة عربية، كلما تجاوز رئيس نصا يقيده، أو سخر معلق من هذا التجاوز.

الحمار، في نسخته الجديدة، لم يعد يكتفي بأكل ورق الدستور، توسعت شهيته، ولم يعد الخطر الداهم أن يفرغ النص القانوني من مضمونه بجرة قلم فوقية، صار الخطر أن يفرغ العقل الجمعي نفسه من قدرته على التفكير للمستقبل، الحمار يصبح هو من يقرر عبر خطاب انفعالي مبسط، وهو من يقرر ما يصدق وما يرفض، ومن يحاكم الخائن (النخبة الفاسدة) والشعب (الشعب النقي)، معادلة مانوية manichaeism قائمة على ثنائية النور والظلام، أي معسكرين مختلفين ومتصارعين.

تتمة المقال تحت الإعلان

الشعبوية مفهوما

تتمة المقال تحت الإعلان

قبل الحديث عن الشعبوية في المغرب، لا بد تحريرها من استعمالها الشائع كصفة تلصق بالخصم السياسي، ففي أدبيات العلوم السياسية، وأبرزها الإطار الذي ارساه عالم السياسة الهولندي كاس مود، يعرف الشعبوية كنوع من التجاوز والتعسف، وهي سردية رقيقة المركز أو نحيلة على خلاف السرديات السميكة، من قبل الشيوعية أو الحركة الإسلامية، وترى أن المجتمع منقسم في نهاية المطاف إلى مجموعتين متجانستين ومتعاديتين (الشعب النقي) و(النخبة الفاسدة)، وتجادل بأن السياسة ينبغي أن تكون تعبيرا عن الإرادة العامة دون وسائط تفسد نقاءها، وهذا يجعل الشعبوية تتفق مع طروحات جان جاك روسو حول الإرادة العامة والتي يكون الشعب فيها مصدرا للسلطات، إضافة إلى ما طرحه كارل شميت الذي ميز بين الأصدقاء والأعداء في السياسة. (حسن أوريد، الشعبوية أو الخطر الداهم، 2023)

تتمة المقال تحت الإعلان

اختلف العديد من الباحثين الذين شاركوا في الندوة التي نظمتها كلية لندن للعلوم السياسية والاقتصاد عام 1967 والموسومة حول مفهوم الشعبوية، حول ما اذا كانت الشعبوية أيديولوجيا مستقلة أم هي حركة سياسية جديدة، أو متلازمة، أو نتيجة واقعية للتحولات البنيوية الاجتماعية للحداثة، ورأى كلا من ارنست غيلنر وغيتا ايونسكو بأن الشعبوية مفهوم يتسم بالغموض وبصعوبة التحديد والتلون. (أحمد مجيد جاسم، الشعبوية في النظم الديمقراطية المعاصرة، 2025)

وإذا اخدنا بتعريف كاس مود للشعبوية سوف تتضح خصوصية الحالة المغربية، غياب حزب شعبوي متكامل البنية بالمعنى الأوروبي أو بمعناه الأمريكي اللاتيني، مقابل حضور كثيف لمزاج شعبوي متناثر عبر منصات متعددة، من صفحات التواصل إلى أصوات إعلامية وبرلمانية عابرة للتصنيف الحزبي التقليدي. وهذا أخطر من وجود حزب منظم، لأن المزاج لا يمكن التفاوض معه ولا محاججته فهو لا يطرح برنامجا قابلا للنقد، ينتج بدل ذلك انتماء عاطفي يستحيل دحضه بالحجة وحدها، فالبحث عن حزب شعبوي في سياقنا المغربي بحث عقيم إذن، بينما الأجدى لنا هو رصد ألية انتشار هذا المزاج عبر فاعلين غير مؤسساتيين نجحوا حيث فشلت الأحزاب في الوصول المباشر إلى غضب الناس دون ترجمته إلى سياسة عمومية.

من “إنه الاقتصاد يا غبي” إلى “إنها الهويات يا غبي”

طرحت الموجة الشعبوية الأولى في أوروبا وأمريكا، عند صعودها في العقد الماضي، أو ما صنفها حسن أوريد بالموجات الثلاثة الدافعة للشعبوية (الأولى البريكسيت – الثانية دونالد ترامب 2016 – الثالثة وصول جورجينا ميلوني إلى رئاسة الحكومة في إيطاليا)، نتاجا لأزمة اقتصادية بحتة: وخاصة بعد تعثر العولمة والذي بدأ مع بداية 2000، والأزمة الاقتصادية سنة 2008، حيث تم التضحية بالطبقات العاملة، وفقدوا مناصب شغلهم والطبقات المتوسطة تدنت قوتها الشرائية، وفي جانب أخر هذه الطبقات أصبح تخشى على قيمها، وأصبحت الشعبوية ملاذ الشرائح الهشة وطوق نجاتها. (حسن أوريد، الشعبوية أو الخطر الداهم، 2023)

هذا التفسير الاقتصادي، رغم صحته لم يعد كافيا لوحده لفهم المشهد الراهن، لا في الغرب ولا في سياقنا المغربي، الأدق، وكما لخصه تحوير لجملة جيمس كارفيل “إنه الاقتصاد يا غبي”، والذي استبدل اليوم بعبارة اخرى للصحفي فريد زكريا “إنها الهويات يا غبي”، فالمحتج أو الناخب لا يتحرك بدافع جيبه فقط، أصبح يحركه حتى سؤال الهويات، من أنا وسط هذا العالم المتغير، ومن يشبهني فعلا، ومن يهدد صورتي عن ذاتي، وكذا الخوف من الاستبدال الكبير بالغرب.

في المغرب تتقاطع طبقات متعددة مع هذا السؤال الهوياتي بكثافة نادرا ما تجتمع في مكان واحد، الانتماء الأمازيغي والعربي، والفرنكفونية التي لا تزال تحكم لغة الخبة الإدارية والاقتصادية في مقابل جيل شاب يتعلم العربية أو ينفتح مباشرة على الإنجليزية عبر الإنترنيت، والبعد الديني الذي يظل مرجعية مركزية محل تجاذب بين قراءات متعددة رغم مكانته الدستورية الثابتة عبر مؤسسة إمارة المؤمنين (الفصل 41). فحين يشعر جزء واسع من الشباب أن النخبة التي تحكمه تتكلم لغة لا يتكلمها وتصدر عن مرجعية اجتماعية بعيدة عن حيه وشارعه لا يعود الخطاب الاقتصادي وحده كافيا لتفسير غضبه، ويضاف إليه شعور أعمق بالإقصاء الرمزي.

التكنوقراطي (أو نخبة بروكسيل) والاحتجاج والهجرة والموت السريري للسياسة

يتصل بهذا التحليل مباشرة صعود نموذج الحكم التكنوقراطي، الذي قدم للرأي العام بديلا عقلانيا عن السياسة الحزبية، رجل أعمال يتولى رئاسة الحكومة استنادا إلى سجله في تدبير الشأن الاقتصادي، لا إلى مشروع أيديولوجي واضح، مشكلة هذا النموذج أولا أنه  يفترض الحكم مسألة كفاءة تقنية محضة، بينما هو في جوهره صراع مصالح وقيم يحتاج إلى ترجمة سياسية مستمرة، والتكنقراطي هو منصرف عن الواقع على حد قول حسن أوريد، وكذا فالتكنقراطي هو نتاج للعولمة، أي نتاج العولمة الاقتصادية أولا (من تحرير للأسواق العالمية – وغزو الشركات العابرة للقارات الدول وانتهاك سيادتها، وكذلك المؤسسات المالية الكبرى)، كل هذه العوامل ساعدت في أن يصبح القرار الاقتصادي يتخذ خارج الأطر الوطنية الديمقراطية والسياسية أي تقليص هامش النقاش والحوار والتفاوض حول هذه القرارات الاقتصادية.
أما الموجة الثانية وهي موجة العولمة السياسية، وهي نتاج للعولمة الاقتصادية وتتمثل في تقليص هامش القرار السياسي سواء في السياسات النقدية ومعايير الميزانية، إضافة إلى بعض التشريعات التي باتت تصاغ ضمن أطر فوق وطنية.
وهذا ما أشار إليه حسن أوريد بقوله (الخطورة لا تكمن في التكنوقراط بل في حُكْمهم؛ لأنه قد يقع نوع من التطاول من طرفهم على السيادة الشعبية). إضافة إلى ما سبق، فاختزال القرار العمومي في لغة الأرقام المؤشرات، يفقد المواطن أداة فهمه للسياسة ومساءلتها، فينزلق تدريجيا نحو تفسيرات هوياتية أو تأمرية أبسط وأكثر إشباعا عاطفيا من قراءة تقرير مالي. إذن يمكن اعتبار التكنقراطية لا تقل خطورة عن الشعبوية التي تسعى لتقويض الديمقراطية وموت السياسة، التكنقراطية في الأساس هي شرط لظهور الشعبوية، أي حدوث إغراق شعبوي في ظل الفراغ التمثيلي الديمقراطي الحاصل.

تندرج موجة الاحتجاجات الشبابية الأخيرة أو ما يعرف ب Gen Z، التي رفعت شعار الأولوية للصحة والتعليم في مقابل الإنفاق على البنية التحتية الرياضية، في صلب هذا الإطار، لم تكن هذه الاحتجاجات من حيث بنيتها التنظيمية حركة أيديولوجية بالمعنى الكلاسيكي، كانت أقرب ما يوصف بحشد رقمي عابر للتنظيم الكلاسيكي، أي غياب قيادة مركزية، وسرعة التعبئة التعبئة عبر منصات التواصل، وشعارات مكثفة قابلة للتكرار السريع، هذا النمط، رغم فعاليته في لفت الانتباه، يحمل هشاشة بنيوية، بمجرد أن تتراجع الحدة اللحظية للاحتجاجات يصعب تحويل هذه الطاقة الاحتجاجية إلى برنامج سياسي متماسك قابل للتفاوض، فتبقى معلقة، جاهزة لأن يستثمرها لاحقا خطاب أكثر تبسيطا وأكثر قدرة على التعبئة العاطفية. أما ملف الهجرة، فتمثل الوجه الصامت لأزمة التمثيل نفسها، فحين لا يجد الشاب المغربي في الفضاء السياسي المحلي قنوات فعالة لترجمة طموحه، يختار الخروج من المعادلة بأكملها بدل المشاركة في احتجاج قد لا يسمع وهذا هو الطبيعي، فارتفاع معدلات الهجرة وارتفاع منسوب الخطاب الشعبوي في الداخل ظاهرتان متلازمتان في الأساس لا متعارضتان، لأن كلتيهما استجابة لعطب واحد في الية التمثيل، الفارق فقط في اتجاه الاستجابة.

يقدم لنا عالم السياسة الإيرلندي بيتر مير، في تحليله للأزمة الديمقراطية الحزبية الغربية، مفهوما مفيدا لفهم هذا العطب، تراجع الأحزاب الجماهيرية عن وظيفتها التاريخية في ربط المواطن بالدولة، وتحولها إلى أجهزة إدارية متمركزة حول السلطة لا حول القاعدة الاجتماعية، والنتيجة تتمثل فيما يمكن تسميته موتا وظيفيا، وهو أن البرلمانات تجتمع والانتخابات تقام، ولكن الرابط الحي بين القرار والمجتمع يتأكل تدريجيا. وهذا ما أصفه ويصفه العديد من الباحثين والأدبيات السياسية بالموت الإكلينيكي للسياسة أو السريري للسياسة.

الشعبوية، هوياتية كانت أم اقتصادية، مؤشر عرضي على عطب أعمق في ألية الوساطة السياسية، لا سببا مستقلا بذاته، ونعود إلى الحمار الذي بدأنا به: من أكل الدستور بالأمس لم يكن سوى مقدمة لمن يأكل اليوم قدرة الناس على التمييز والمساءلة، والفارق بين الحكايتين أن الأولى كانت تروى في مسرح، بينما الثانية تروى يوميا في نشرات الأخب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى